مشاهدة النسخة كاملة : الثورة المصلِّية ... {محمد الأمين ولد القاسم}


ام خديجة
02-13-2011, 04:35 PM
الثورة المصلِّية

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w_______________ _______101.jpg

بقلم: محمد الأمين ولد القاسم

لا شك أن المتتبع للحراك والتململ الذي تشهده الأمة هذه الأيام يدرك أن الروح الثورية بدأت تدب في النفوس والقلوب والمشاعر... فقد اندلعت الثورة التونسية التي كانت ثورة صادمة بكل المقاييس حين جاءت في وقت لم يكن فيه أحد ـ داخل العالم الإسلامي أو خارجه ـ يتوقعها بهذه السرعة والقوة والحسم، ولم نكد نتذوق طعمها ونستنشق عبقها حتى باغتتنا الثورة المصرية تقفوا الأثر وتتبع السنن وتؤذن ببزوغ فجر جديد علي العالم الإسلامي أجمع يستلهم دور مصر ومركزيتها علي مختلف المستويات التاريخية والثقافية والجغرافية، والمتتبع لمختلف مظاهر الثورة المصرية سلوكا وشعارات ومطالب يدرك أنها كانت معبرة عن نبض الأمة وثقافتها وقيمها وحضارتها بشكل لا يخلوا من دلالة ذات مغزى.


المساجد نقطة الارتكاز
منذ اللحظة الأولي كانت المساجد محضن التجميع ومحطة الانطلاق وموطن التوجيه والإرشاد في مختلف محطاتها الثورة الفاصلة وأيامها المشهودة: بدءا بجمعة الغضب ومرورا بجمعة بالرحيل وانتهاء بجمعة الزحف، فكان شباب الثورة وشيوخها ونساؤها في كل مرة ينهلون من معين المسجد ويرتوون من بركاته ويرتدون من سكينته حلة جديدة بها يكافحون، وتحت ظلالها يرابطون... وفي ذالك عودة لمعني قديم وحقيقة مشهودة: فحين كانت الجيوش من رحاب المساجد تنطلق، ومن صدي المنابر يتربى الجنود، وتحت سقف المحاريب يستلهم القادة النصر من السماء كانت جيوشنا مؤزرة، وراياتنا في الميادين خفاقة رغم قلة العدد وضعف العدة، وحين أضحت ثكنات الظلم منطلقنا، وأباطرة الطغيان قادتنا فقد ارتكسنا في المذلة وتهنا في الهوان.

إن ثقافة المساجد حين تسود تتحول الميادين والسوح كلها إلي مساجد، فقد "جعل لهؤلاء ميدان التحرير مسجدا وطهورا" يزدان آناء الليل وأطراف النهار بصفوف "الثوار المصلين" وترانيم القراء المرتلين، وصيحات الشباب المكبرين، في تناغم فريد مع اللحن الملهم والأغنية الهادفة التي توقظ الروح ولا تخدر الجسد، في مشهد حضاري مهيب ينبئ عن إيمان عميق، ووعي حصيف، وذوق رفيع كنا نسمع به في التاريخ الغابر دون أن نراه في الحاضر المشهود.


صفوف خاشعة رغم البطش!!
لعل من أكثر المشاهد هيبة وروعة مشهد الصفوف المصلية الراكعة الساجدة التي تضخ بخراطيم المياه في خشوع وثبات وكأن هذه المياه المتدفقة أصبحت مصدر تثبيت للأقدام وتطهير للأبدان والقلوب ((وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط علي قلوبكم ويثبت به الأقدام)) فيخرج الناس من الصلاة وقد تطهروا من كل الأوساخ المادية والمعنوية، وتأهبوا للمعركة الفاصلة وسقط الخوف من قلوبهم حين عمروها بالله وربطوها بالسماء، وحين اكتشفوا صلف الطغاة وتجبر الظالمين حتى علي شعائر الله، فتزحف "الصفوف المصلية" علي ما تبقي من مظاهر قوة الطغاة لتدوسه بأقدامها وتحوله إلي هباء "كرماد اشتدت به الرياح" وتسيطر علي دواليب الأمور في مشهد إن دل علي شيء فإنما يدل علي أن الباطل ـ رغم ظهوره بمظهر القوة والصلابة ـ لا يحتاج شيئا للقضاء عليه غير الحق المستمسك بعوامل القوة الفعلية.

أما المشهد الآخر الذي لا يخلوا من روعة فهو مشهد التلاحم بين المسلمين والمسيحيين في ميدان واحد منتفضين لغاية واحدة، في مظهر أعاد للمسلمين الفهم الأصيل والنظرة الموزونة التي تنطلق من قيم الإسلام وأخلاقه وفلسفته في العلاقات، وقدرته علي استيعاب كافة الشرائح والفئات تحت مبادئ: العدل الرافض للظلم، والحرية المتأبية علي الاستعباد، والمساواة المحتضنة للآخر دون تنازل عن المعتقد، أو تفريط في المكتسبات، أو تضييع للحقوق.

هكذا نجد أن الأمة تكتنز الكثير من الطاقات والموارد التي تؤهلها للريادة والصدارة.. لكن ذالك مرهون بالقدرة علي التصالح مع الذات والأخذ بالأسباب والعوامل التي توصل للأهداف المشروعة والغايات الكبرى والأساليب العصرية التي تعي اللحظة وتفهم الواقع، وفق رؤية منهجية متدرجة وموزونة، تستمد القوة من مكانها والنصر من مصدره ((وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم)).


نقلا عن الأخبار