مشاهدة النسخة كاملة : ثورة الشعوب وحريتها ... {محمد خليفة}


ام خديجة
02-13-2011, 07:14 AM
ثورة الشعوب وحريتها

http://www.alkhaleej.ae/Uploads/zone/204.jpg

محمد خليفة

الثورة الشعبية ظاهرة مهمة في التاريخ السياسي لما يصاحبها من إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تؤدي إلى تغيير شامل في المجتمع، وهذا ما أكده جان جاك روسو حينما قال “إن الحكومة تقوم على إرادة المواطنين العامة، وإذا لم يحصل النظام السياسي على رضاء هذه الإرادة العامة فإنه يحق للمواطنين الثورة عليه، ولهذا يجب على القوانين أن تعبر عن الإرادة العامة للشعب، والإنسان يمتلك حريته بإطاعته للقوانين، وهو بقوة القوانين لا يطيع البشر فالكل متساوون أمام القانون” . “الأمر الذي جعل من أفكاره نبراساً يُستنار به في الثورة الفرنسية عند نهاية القرن الثامن عشر مع بدء عصر الأنوار في أوروبا” .

إذ أسهم مفكرو فرنسا في وضع مفهوم المباديء والغايات العامة التي تنظم السلوك الإنساني وجعلوا منها أوروبا حقوق الإنسان، ومنهم العالم جورج دوميزيل الذي اشتهر بتحليل السيادة السياسية والسلطة في الأصول الهندو-أوروبية للدين والمجتمع، ودورها في صياغة الوظيفة الثلاثية للطبقة الاجتماعية في المجتمعات القديمة والتأثير في الدراسات الدينية القديمة التي تعالج المسائل المتعلقة بالكائن البشري على اعتبار أن كل العلوم ليست في الواقع سوى الحكمة الإنسانية التي تظل واحدة ومماثلة لنفسها، لإيمانه بنقد العقل المجرد أو نقد العقل المحض الذي يعين الإرادة ويعين سببيتها، أي الحرية، وإن الاستعداد للدين الأخلاقي كامن في العقل الإنساني . وقد أسهمت كتاباته في صياغة القيم للشعوب وتحقيق توازن في القيم والتوازنات في المجتمعات، وثورة الشعوب على التابوهات السياسية، وأتاحت المجال للتغيرات الاجتماعية السياسية ومشاركة الأمة بالقرارات الدستورية ومفهوم الرسالة العمومية من خلال الدراسة لوظائف العقل البشري وسلوك الإنسان وإشكالية القيم كونها تحمل في جوهرها ثنائيات الزمان والمكان والحرية على أساس الأساليب التجريبية بالنسبة إلى الوجود من الفكر الماضي الذي يعرض المستقبل ويتقدم في محاولة سياسية تجمع المجتمع الإنساني تحت مفهوم من المعطيات التاريخية أو الإثنولوجية، وفي نوع من الثورة في الدوائر الفكرية والدينية والقيم التي تدفع الفعل للواقع الموضوعي والعالم المادي ثم القيم الروحية، وقد صارت في آن واحد الحقيقة المطلقة والسرور المحض والفضيلة التامة والمحبة اللامتناهية، ما جعل الشعوب الغربية تنسجم مع طبيعتها الفكرية لتصل إلى الإدراك الكامل لقيمة الحياة والديمقراطية والحرية وأن تجعل الغرض من وجودها هو إنجاز يتجلى بالعلم في الفعل الذي يصنع به غاياته استاتيكياً وديناميكياً نحو بناء الدولة المثلى، ونقطة الابتداء في القانون تبلغ الإرادة الحرة والوجود المباشر . والفرد بوصفه أن له حقوقاً ويمارس حقوقاً ويحترم الآخرين بوصفهم أشخاصاً، وهكذا ينشأ في الحياة الاجتماعية نظام خارجي ناجم عن الاتفاق بين الحاجات وعن تحددها المتبادل ما يجعل هذه الحاجات يحدد بعضها بعضاً، ليصل الإنسان إلى الأخلاقية العليا والأكثر عينية .

فالدولة تربي الفرد وتخضعه لنظام جماعي، والدولة هي الجوهر الاجتماعي الذي وصل إلى الشعوربذاته، والمساواة أمام القانون من الحقوق الأساسية في المجتمعات المدنية، وذلك نابع من معنى عدالة الشعب الفرنسي الذي اتجه اتجاهاً ثورياً أخلاقياً بتوطيد مرحلة الجمهورية الخامسة الفرنسية بوصول شارل ديغول عام 1958 للسلطة، والذي منح السياسة الفرنسية استقلالية وسيادة بشأن القضايا الدولية الكبرى، وذلك لإيمانه بقدرة بلاده على التصرف من ذاتها في أوروبا والعالم ولشعوره بأن فرنسا انبثقت من أعماق التاريخ لتظل على مدى الزمان محافظة على تراثها الثقافي ومصالح اليوم وأماني المستقبل، فأعاد ديغول تأسيس الجمهورية، واستعاد لفرنسا مكانتها في العالم من خلال تزويد الفرنسيين بقوة ردع نووية والتي عززت الاستقلال بقوة، وحافظ على الانسجام المدني وجعل كل مكان من البلاد يسوده النظام والتقدم والحرية، وأخذ فرنسا إلى مرحلة حديثة من خلال طرح الدستور الذي يستمد منه الرئيس شرعيته بالاقتراع العام، كما أسس نظام الأمن الاجتماعي، ومنح المرأة حق التصويت . ورأى أن فعالية السياسات وطموحها ذات علاقة وطيدة بقوة الاقتصاد والسياسة، وركز على النشاطات الرئيسية بما فيها الأبحاث والاتصالات والإعلام . ودعا ديغول إلى وضع نظام جديد ينظم العلاقات بين الفرنسيين بحيث يتمكن كل إنسان أن ينال نصيبه مباشرة من إنتاج المنشآت الصناعية التي يمدها بجهده، وأصدر قانوناً يقر اشتراك العمال في الأرباح، ففي هذا إضافة لحقوق المواطن وواجباته في المجال الاقتصادي إلى جانب الحقوق السياسية القائمة . وعمل على تطبيق فكرة السوق المشتركة وإلغاء الجمارك بين الدول الأوروبية الست (فرنسا، وألمانيا الغربية، وإيطاليا، وبلجيكا، وهولندا، ولكسمبورغ) وتحرير التجارة الفرنسية الخارجية . ووضع الأسس الأولية لإقامة أوروبا الموحدة، وحدد سياسة خارجية جديدة لفرنسا، لكن جيران فرنسا رفضوا تلبية دعوتها إلى الوحدة ومنح أوروبا استقلالاً أوروبياً بسبب تخوفهم من التفوق الفرنسي ورغبتهم في الحصول على الحماية الأمريكية أثناء الحرب الباردة .

ونهاية الاستعمار صفحة من التاريخ الفرنسي التي كان يساور فرنسا بشأنها شعور بالأسف لما حدث، بينما كان يخالجها الأمل لما كانت تتوقعه في المستقبل حيث أدرك ديغول أن العالم يتعرض لانقلاب عسكري يوازي في عمقه ذلك الذي أثارته رحلات الاستكتشاف الأوروبية، ولقد أنقذ الجمهورية الفرنسية حينما حوّل المستعمرات السابقة إلى شركاء مقربين، واتبع خطة للتوفيق بين مشاعر الفرنسيين وبين مصلحة فرنسا، وكان متفهماً للواقع العربي والقضايا العربية بما فيها القضية الفلسطينية، حيث يرى أنه ينبغي على “إسرائيل” أن تكون حكيمة جداً في تعاملها مع العرب لأنهم جيرانها وسيبقون دائماً جيرانها، وقد أنشأت كيانها ووطدت سياساتها على حسابهم وفوق أراضيهم وبذلك جرحت شعورهم ومست دينهم وأساءت إلى كبريائهم بشكل مؤلم، وعليها أن تعقد علاقات مع جيرانها حتى تعود عليها بالنفع، وحذر “إسرائيل” حينها من توسيع حدودها لأن فرنسا غير مستعدة لتزويدها بإمكانات لغزو أراضٍ جديدة، الأمر الذي قد يعرض الشرق إلى هزات عنيفة وثورات شعبية وتفقد “إسرائيل” تدريجياً تعاطف العالم .

يظل الكثير في إرث ديغول مما سيذكره التاريخ، فهذه الشعوب العربية تثور اليوم من أجل كرامتها وعزتها، وستبقى رؤيته التي أسهمت في تحرير الشعوب من الاستبداد والطغيان مصدر إلهام للشعوب المضطهدة ليستمدوا منها أسساً متكاملة في كافة ميادين السياسة وتحقيق المطالبة بالحقوق المدنية والحرية، وإن ما يحصل في بعض البلدان العربية من ثورات شعبية ما هو إلا من أجل تحقيق تلك الأهداف النبيلة والعدالة الأخلاقية والإنسانية .

كاتب من الإمارات


نقلا عن الخليج