مشاهدة النسخة كاملة : سقوط "هبل" و"الفرعون" الأخير ... (محمد الأمين ولد اغظف)


ام خديجة
02-12-2011, 06:49 PM
سقوط "هبل" و"الفرعون" الأخير

http://www.alakhbar.info/files/mouhe.jpg (http://www.mushahed.net/vb)

محمد الأمين صحفي بجريد الاتحاد الإماراتية

تأملات على هامش السقوط
(محمد الأمين ولد اغظف)

سقط "هبل" تونس و"الفرعون "الأخير في مصر وبسقوطهما تسقط كل الرهانات التي استمرأت جلد الذات العربية وأسست لفكر السقوط والتيئيس وهزت الثقة في حركة الايدولوجيا العربية التي مرت منذ نهايات القرن قبل الماضي بلحظات صعبة من يمينها إلى يسارها بإسلامييها وشيوعييها وتصوراتها وتحليلاتها ورهناتها ومقاومتها ، كما أربك السقوط السريع المدوي حسابات من استعذب الضرب تحت الحزام على قناعات الإنسان العربي ووصفه بأنه غير مؤهل لتوجيه مسارات التاريخ وامتلاك زمام المبادرة. واثبت في نفس الوقت كم كان الشعب العربي أصيلا ومتوهجا وثابتا وهو يقوم بتغير مسارات التاريخ ويلغي إلى الأبد صورة المواطن العربي وهو ينهب ويسرق ويكسر كما حاولت الدعاية الامركية و الصهيونية أن تصوره بعد سقوط بغداد انتقاما من السبي البابلي.

كما اثبت الشعب العربي وهو يلتف حول مطالبه ، بقومييه وإسلامييه وليبراليه وعماله وطلابه ومفكريه وأطبائه وأمهاته وبناته وأطفاله مسيحيين ومسلمين انه لحمة واحدة لم تستطع سنوات الغدر الغاشم أن تحجب منبعها الأصيل في القدرة على التعايش والتعاضد.

اليوم يثبت الشعب العربي من تونس إلى مصر إلى غيرها بأنه الأقدر والأجدر والأفضل حين يقرر التحرك نحو أهدافه وتطلعاته المشروعة كما انه الأذكى في اقتناص اللحظة التاريخية المناسبة والأجمل والأجل في التسامي على منهج الرعاع والغوغاء والطائفية والدموية والصور النمطية التي حاول الغرب الاستعماري الصهيوني وأدواته حشرنا فيها.

سقطت مع هذه الثورات الدعاوى التي صرفت على تسويقها مليارات الدولارات لإنتاج ثقافة التمذهب والتخندق والتعصب والطائفية والانكسارات التي أحالت وغيرت مفاهيم صادقة إلى التحرر والإنعتاق والتوحد إلى مجرد نزوع جامح لمراهقة سياسية نزقة من شعب عقيم يساق كما يساق القطيع ، ووصمت كل فكر صادق وتحرك مواز بالعجز والتخفي وراء ماض متخيل لم يستطع أصحابه الفعل على المستوى الميداني فلجأوا إلى الاستكبار والتفاخر الكاذب. وأكثر من هذا وذاك غدا التماهي مع الفطرة السليمة للمجتمع في نزوعه إلى التحرر والانعتاق لا يعدو أن يكون استجابة لمؤامرة قادمة من خارج الحدود القطرية أو الإقليمية حتى أن الحلم مجرد الحلم بوحدة عربية أو بالحد الأدنى من التضامن هو في حقيقته تعصبا وعنصرية أو فكرا إسلاميا متخلفات يريد إغراق المجتمع في سيل من الدماء ويفرض مواجهة غير متوازنة مع قوى تملك مقومات الانتصار مع أخرى حالمة ، ناسيين أن كل امرر جلل يبدأ بالحلم.

فمن كان يحلم بثورتين خلال اقل من شهر واحد في الوطن العربي أثبتتا أن العرب ليسوا جزرا منعزلة عن بعضها بل هم امة واحدة من شنقيط إلى بغداد وسيلاحظ كل مراقب الآن حرص الأنظمة الاستبدادية والغرب الذي يحميها على أن لا يتكرر المشهد الذي بدا في جامع الزيتونة وثنى بالأزهر وقد يثلث بالقرويين أو الجزائر أو دمشق أو الأردن.

أكدت هذه الثورات صحة القناعات الراسخة و الناصعة بان القواسم المشتركة في الوجدان العربي المسكون ببعضه ليس ادعاء والدليل على ذلك أن الاحتفالات في مصر انطلقت بتزامن مع الاحتفالات في تونس ولبنان والأردن وغزة واليمن و الأناشيد التي كان ينشدها الثوار في ميادينهم كانت تكرر في الصالونات من لدن الذين شخصت أبصارهم وشدت أفئدتهم إلى ميدان التحرير أو شارع لحبيب بورقيبة ليس هذا فحسب وإنما هي قواسم مشتركة في الاستبداد والظلم وكبت الحريات والمعاملة المفرطة في الإساءة إلى الإنسان العربي.

استطاعت هذه الحركات انتزاع الجيوش العربية من الأنظمة القمعية ودفعتها باتجاه الكشف عن حقيقتها المنحازة والمتناغمة مع مجتمعها كما أثبتت أن الجيوش العربية ليست جيوشا متوحشة توجه بنادقها إلى صدور المواطنين دفاعا عن الطغاة.

على ماذا تحيل الثورتان
يحيل مشهد انتزاع واسترداد حق الشعب العربي من لدن أبنائه إلى ما كنا نؤمن دائما من أن الشعب العربي رغم الخمول البادي على السطح يتفاعل في داخله وهو بفطرته الطبيعية قادر على تحديد اللحظة المناسبة وتوظيفها والتعامل مع اللحظات الفاصلة في التاريخ. وان عبادة الطواغيت التي خلقتها النخب الفاسدة وتحلقت حولها بخيلها ورجلها وأبواقها الدعائية اضعف من أن تقف أمام هدير حناجر امة حية قوية الشكيمة كالأمة العربية.

أن كل الذين هاجموا هذه الأمة وداسوا على مشاعرها واستعذبوا الرقص على جسد انكساراتها التاريخية متجاهلين كل السهام التي وجهت إليها من القوى الاستعمارية بل وكانوا هم انفسم ضمن هذه السهام المسمومة " وان كان ظلم ذوى القربى اشد" لم يعرفوها ولم يقدروها حق قدرها ولذلك كانت مفاجأتهم كبيرة وغريبة والأرض تتزلزل تحت أقدامهم جميعا حتى أن كل تحليلاتهم وتخميناتهم لم تتمكن من ملاحقة التصرف الشعبي الفطري ومبادراته وقدراته على التنظيم والتعبئة وتحديد مواقع الضربات اللاحقة.

أن الحواجز الواهية التي بنيت حول قدرة الاستعمار على حماية عملائه سقطت تحت حركة أبناء الأمة التي أسفرت عن أنبل ما فيها وأن الحكام العرب المنفصلون عن شعوبهم وأمتهم عليهم أن يعودوا إليها تجنبنا لتكاليف التغير التي لم تعد مسالة نتشاور عليها معهم وإيجاد آلية مشتركة للنزول على عقد سياسي ينبذ الإقصاء والتهميش والوصاية ويشعر كل فرد فيه بأنه جزء أصيل من المجتمع ضمن دولة القانون.


أن الاستعمار وأدواته لن يسلم والمعركة مازلت مستمرة بل أنها بدأت توا وان النظام العربي الاستبدادي كان خادما للعقل الإسرائيلي القابع في العقل الغربي.

أن الديمقراطيات التي يريدها الغرب للعرب هي ديمقراطيات تحمل بذور تدميرها فالشكل الخارجي في النظام شكلا ديمقراطيا ولكنه يحمل في ذاته دكتاتوريات داخل الطوائف كما في لبنان والعراق وغيرها

إن فرح الانتصار لا يبغي أن يشغلنا عن ما بعده خاصة أن التاريخ في اللحظات الفارقة لا يقف موفقا وسطا بين الانحدار والسقوط ولذلك فان تشكيل وتثبيت الدعامات الرافعة ووضع قطاره على سكة الصعود الصحيحة أمر أهم من الانتصار في ذاته لأنه الضامن للاستمرار والتأثير الحيوي على المحيط الإقليمي فليس أسهل من سرقة الثورات وارتكاسها ولكون الخطوط التي يتم الاهتداء بها في هذه اللحظة خطوط رفيعة من السهل تشكيلها وسرقتها في لحظة غامرة من فرح الانتصار .

محمد الأمين صحفي بجريد الاتحاد الإماراتية


نقلا عن الأخبار