مشاهدة النسخة كاملة : نصيبنا من الثورة


ابن تيارت
02-12-2011, 01:00 PM
نصيبنا من الثورة



محمد الأمين ولد سيدي مولود
ouldsidimaouloud@yahoo.fr

"لا يمكن للمواطن أن يرضى الفقر في ظل الفساد" المفكر العربي عزمي ابشاره

ليست هذه السطور التي أكتب اليوم عبارة عن شطحات شاب متحمس لما شاهده وعايشه من ثورات مجيدة في تونس ومصر خلال الأيام القليلة الماضية، وإن كان لوقع ما حدث تأثير بالغ في نمط تفكير كل من يكتب اليوم عن واقع أي دولة عربية. وليست بكل تأكيد قفزا على الواقع وجريا وراء أحلام لما تتبلور بعد في أذهان الكثير أحرى أن يسعوا لتحقيقها، كما انها بكل تأكيد ليست بإسقاط واقع مختلف على واقع مختلف إذ تتشابه الظروف في جل الأقطار العربية وإن اختلف حجم التشابه ونسبيته،َ بيد أنها تتشابه إلى حد التطابق في مسألة جوهرية وهي اعتقاد كل نظام أنه بمعزل عن ما جرى في تونس ومصر .. ما لم يجر ذلك له!

القواعد الكبرى

لقد علمتنا الثورتان التونسية والمصرية قواعد مهمة ينبغي لنا كشعب أن نحفظها وأن نستبين ما لم نفهم من هذه القواعد من الأساتذة التونسيين والمصريين. وينبغي للنظام الحاكم ـ ولكل نظام عربي ـ أن يستوعب هذه القواعد وأن يتفادى تصرف مبارك وبن علي سواء من حيث الخطأ في التقدير أو التأخر في الفهم أو التلكؤ في التنفيذ. ولعل أهم هذه القواعد ما يلي:
القاعدة الأولى : أن عصر خمول الشعوب العربية واستكانتها للدكتاتوريات قد ولى، وأن الشعب إذا طلب جزءا من أساسيات حقوقه وحرم منها أو موطل في منحها إياه طلب أبعد من ذلك.

القاعدة الثانية : أن المعركة اليوم معركة كرامة بدوائرها الثلاث أي دائرة الكرامة في العيش والكرامة في الحرية والكرامة في قضايا الأمة المصيرية. وأن هذه الدوائر الثلاث متكاملة لا تغني أي منها عن الأخرى.

أما القاعدة الثالثة: فهي خسارة الرهان على الغرب (المستعمر) فوقاحة هذا المستعمر وسرعته في التخلي عن عملائه أوضحت لمتأخري الفهم أن الرهان على الغرب لا ينفع لمن تنكر لشعبه وأمته ومبادئه.

أما القاعدة الرابعة: فهي أن وسائل القمع والتعتيم القديمة (الكلاسيكية) لم تعد تنفع مع ثورة المعلومات وتفجرها، كما أن وسائل النضال القديمة لم تعد ذات قيمة بعد أن قدم الشعبان المصري والتونسي البديل عن تلك الوسائل.
القاعدة الخامسة: أن البطانة التي أفسدت هذه الأنظمة وفسدت بها كانت السبب المباشر في خرابها وأول هذه البطانة أجهزة الأمن القمعية ورموز الأنظمة نفسها الفاسدين وحلفائها من رجال الأعمال الجشعين.

على عزيز أن يفهم ...

أن الرؤساء العرب اليوم ـ كل الرؤساء العرب ـ قد وضعتهم الثورتان التونسية المصرية بين احتمالين لا ثالث لهما:
ـ الاحتمال الأول أن يفترضوا أنهم بعيدون كل البعد عن ما جرى في تونس ومصر ولا وجه للمقارنة ولو في جوانب محدودة وأغلب هؤلاء ستدهسهم عجلات التغيير وتقتلعهم عواصف الثورات ولو بعد فترة.
ـ أما الإحتمال الثاني فهو ركوب موجة التغيير ـ وخاصة بالنسبة لمن لم يشخ من هذه الأنظمة ـ ويكون ذلك بالتملص من العقلية البائدة في نمط الحكم من حيث التعالي على الشعب وتجاهل أوجاعه الحقيقية، والارتهان لمافيا حكمت خلال العقود الماضية ـ ولو كان الحاكم جزءا من هذه المافيا ـ ومسايرة طموح الشعوب بل واستباقه ولو أدى ذلك إلى تغيير الكثير من بنية النظام ووسائله وأشخاصه وأساليبه.

ولعل الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز من بين القلة من الرؤساء العرب التي بإمكانها ركوب هذه الموجة إذا بادر إلى اتخاذ خطوات جريئة تبعده عن ماضيه الإنقلابي وحاضره المشوب بالكثير من الريبة خصوصا ما يتعلق بالانغلاق على الذات وتجاهل الخصوم إن لم يكن ازدراؤهم وتهميشهم ، والازدواجية في محاربة الفساد ، واختلال معايير التوظيف والتعيين. وجمود وسائل الإعلام الرسمية، والوصاية على القضاء ووسع الصلاحيات الموروثة إلى حد الإفراط....الخ
وتتأتى إمكانية ركوب عزيز ـ إذا فهم ـ من كون الشعب الموريتاني ينقصه الكثير من الوعي والإنسجام الإجتماعي للقيام بثورات بل حتى للقيام بأنشطة منظمة من أجل حقوق بديهية وسهلة كالصحة والتعليم والعدالة، ومن كون حكم الرجل لم يصل بعد إلى درجة نظرائه سواء تعلق الأمر بوضع الحريات أو بشيخوخة النظام.
غير أن الواقع المعيشي المزري لشرائح عديدة من الشعب الموريتاني ، والتزاوج الواضح بين السلطة والمال ومحاباة بعض رجال الأعمال على حساب البعض الآخر بمعايير أقرب إلى تصفية الحسابات منها إلى العدل والإصلاح كلها مؤشرات تقلق من يتابع التغير في نمط تفكير الشعوب اليوم.

على عزيز أن يفهم أن الشعوب اليوم لم تعد هي الأمس وان الشعب الموريتاني سريع التأثر ـ ببديهته السريعة وولعه بالمحاكاة ـ بما يدور في العالم من حوله وفي الأمة العربية خصوصا. وعليه أن يفهم أن سنفونية الشرعية الممجوجة لم تعد تجدي أمام شرعية مطالب الشعب واحتجاجاته إذا انفجرت (ولم تنفع هذه الشرعية سلفه رغم نقائها)، وأن يتذكر أن قرابة نصف الشعب الموريتاني صوت ضده أصلا وأن نصف النصف الذي صوت له ـ على الأقل ـ إنما صوت للقصر لا لساكن القصر، وأن الربع الباقي إنما صوت لمقابل إن كان حصل على مقابل.

إن الكلام عن البنية التحتية والشوارع في موريتانيا يبدو اليوم مثيرا للسخرية عندما نتذكر إنجازات زين العابدين في هذه المجال. كما أن الكلام عن ظروف الحريات في موريتانيا أو مقارنته مع مصر أو تونس يحمل الكثير من التطفيف، إذ لا توجد أي ايديولوجيا أو جهة سياسية محرومة من التشريع، بل إن النظام لدينا سعى إلى تمييع الأحزاب من خلال الترخيص لأكثر من "ستين حزبا" تدعمه منها قرابة الخمسين!


الشعب الموريتاني يريد...


الشعب الموريتاني اليوم وإن أحجم جله إلى حد الساعة عن البوح يريد:
ـ ظروفا معيشية مرضية انطلاقا من إمكانيات بلده الضخمة بعيدا عن التفنن في امتداح الإنجازات في وقت يعيش هذا الشعب واقعا مزريا

ـ محاربة الفساد محاربة عادلة وشاملة وجذرية لا مجرد مطية لتصفية بعض الخصوم في وقت يحتل فيه كبار رموز الفساد مناصب سامية ولعل في رؤساء وزراء النظام البائد وكبار مسؤوليه خير مثال على ذلك. وفي وقت يستفيد فيه قيادات النظام العليا ومقربيها من الصفقات الكبرى المشبوهة.

ـ إعلاما حرا منفتحا ومسؤولا ـ وهو ما لم يحدث حتى الساعة ـ لا إعلاما جامدا بائسا ذا لون واحد داكن وطعم واحد مر.
ـ معارضة مسؤولة ومدعومة من طرف الدولة لا معارضة مهمشة ومتهمة في وطنيتها وأهدافها ووسائلها، فالمعارضة جزء من الدولة ومن النظام الديموقراطي.

ـ برلمانا ممثلا للشعب لا برلمانا مهيمنا عليه من طرف الحزب ـ الدولة (حيث العضوية الإجبارية على جميع مسؤولي الدولة) ويتماهى مع الأجهزة التنفيذية إلى أبعد الحدود
ـ قضاء مستقلا لا قضاء يرأسه رأس الجهاز التنفيذي ويأمره وينهاه
ـ جيشا صالحا لحماية الوطن ومؤهلا لذلك ، لا جيشا يموت جنوده فقرا وانهماكا في مشكل الخبز وبعض كبار ضباطه تخمة وانغماسا في الوحل السياسي
ـ قوات أمن مسؤولة وذات كفاءة تحفظ الأمن لا مليشيات استفزاز للمواطن وفرق تملق على قارعة الطريق ، ولا أجهزة قمع وترويع
ـ باختصار الشعب الموريتاني يريد إصلاحا جذريا حقيقيا ينبع عن إرادة حقيقية مترجمة في البحث عن إجماع وطني على الأقل في القضايا الكبرى كالرق ومحاربة الفساد والفقر، والتعليم والصحة، ومحاربة الإرهاب، والإصلاح السياسي. يريد نظاما جمهوريا تفصل فيه السلطات وتمنح لذوي الصلاحيات صلاحياتهم، لا نظاما فردانيا يختزل كل الدولة والنظام في شخص الزعيم!

وأخيرا ...

من البديهي أن الانقلابات ـ وهي ما أتى بعزيز فعليا إلى السلطة ـ لا يمكن أن تتحول إلى ثورات إذ تأبى الوسائل والمغزى والسياق والفاعل والمفعول به ذلك التحول ، غير أن بإمكان هذه الإنقلابات أن تلبس لبوس الثورة ردحا من الزمن ولذلك شواهد من التاريخ وخاصة العربي.
ومن الصعب أيضا أن يغير من علم علم اليقين وجرب أكثر من مرة أن القوة هي مصدر السلطة الأول والأخير عقليته وأن يستمع لمن لم يكن سببا رئيسيا لمجيئه (الشعب) ولم يكن سببا رئيسيا في ذهاب من ذهب قبله ما لم يقرأ سياق التاريخ وتقلب الظروف ويحسن استخلاص العبر من دروس الآخرين.


"""عن الاخبارانفوا"""