مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا: رحلة التيه (زيد بن عمرو)


أبو فاطمة
02-12-2011, 03:03 AM
موريتانيا: رحلة التيه (زيد بن عمرو)

كلما شاهدت هتاف المحتجين في ميدان التحرير وهم يصيحون ملء حناجرهم وعواطفهم: تحيا مصر.. تحيا مصر.. وكلما تذكرت غناء التونسيين: نموت جميعا ويحيا الوطن، أيقنت أن المصريين مؤمنون بوطن اسمه مصر... يحبونه بل يعشقونه لحد الهيام الصوفي... يحسونه في أعماقهم ويجري دافئا في دمائهم... وأيقنت أن التونسيين مؤمنون بوطن اسمه تونس.. يحبونه ويموتون فدى له... لكن – وما أصعب أن يعترف المرء على نفسه بل ما أجمل وأعظم أن يقول الحق على نفسه- نحن الموريتانيين لسنا كالمصريين ولا التونسيين في حب أوطانهم والإيمان بها....نحن لا نؤمن بموريتانيا ولا نحسها.. هي عندنا وهمٌ مؤقت لا نكن له أي عاطفة ولا أي ولاء... موريتانيا عندنا دولة حديثة النشأة.. وأمسها القريب قبائل متناحرة لأتفه الأسباب ومتصالحة في أندر الأوقات، تعيش حياة الانتجاع والترحال في صحراء شاسعة ووسط رمال متحركة.. فكأن قدر الموريتانيين ألا يروا في حياتهم شيئا قارا... آثار منازلهم أطلال تسكنها الجن لذلك يتجنبون الاقتراب منها.. ولما دخل المستعمر لم يجد أمامه دولة بالمفهوم الحديث ولم يجد أمامه سلطة مركزية.. فتعامل مع الأمراء والمشايخ الدينيين وكان ما كان... ورغم المقاومة المسلحة والثقافية وما قدمه الموريتانيون من شهداء وتضحيات إلا أن الدافع كان دينيا قبل أن يكون وطنيا... كانت حربا ضد النصارى للقادرين، أو الهجرة لغير القادرين.. الخ.. ولما قررت فرنسا الرحيل كانت قد أعدت المرحوم المختار ولد داداه الذي اصطنعته لنفسها ليخلفها ولكن على عينها وإن بدر من الرجل أحيانا ما يغيظ أولياء نعمته... فبدأت ولادة عسيرة ما زالت لم تكتمل حتى اليوم.. ظهرت دولة الشعارات والرموز وغابت دولة المؤسسات والقوانين.. فوجدت قبائل الحوضين مثلا مع قبائل العصابة وتكانت وكيدماغه نفسها محكومة برباط يجمعها مع قبائل لبراكنه وآدرار واترارزه وتيرس...الخ وجدت هذه القبائل نفسها فجأة تتقاسم شيئا مشتركا.. تتقاسم وطنا.. تخضع لسلطة واحدة يجب أن يعلن لهما الولاء بدل القبيلة والجهة والوطن المتجلي في مضارب الخيام... فمثل الموريتانيون هذا الدور مسرحيا وما زالوا يمثلونه حتى الآن.. فموريتانيا بالنسبة لنا مسرحية أبطالها الكبار هم أصحاب الأدوار الخبيثة (خذ خيرها ولا تجعلها وطنا) وكما قال أحد الدبلوماسيين: موريتانيا كذبة افتراها المختار ولد داداه ولما ذهب ظهرت تلك الكذبة.
الموريتانيون اليوم فئتان: فئة قليلة يمثلها الموظفون وموريتانيا بالنسبة لهؤلاء ربة عمل بخيلة وجحود تستغلهم مقابل رواتب هزيلة لاتسمن ولا تغني من جوع.. والفئة الكبيرة هم العاطلون عن العمل ويمثلون غالبية الموريتانيين.. ألوف مؤلفة في رحم الصحراء يعيشون بجهد سواعدهم كما كانوا قبل أن توجد موريتانيا.. لا يستفيدون من أي خدمة.. وحدهم في مجابات الإهمال والنسيان كأنهم مخلوقات من عالم آخر.. لا يؤبه بهم ولا يتذكرون إلا حين تطل بعض مواسم النخاسة السياسية فيساقون كالقطعان إلى مكاتب التصويت -استغفر الله قطعان الغنم والإبل والبقر بل الكلاب أيضا أوفر حظا في موريتانيا من قطعان البشر فتلك يوفر لها الغذاء والدواء والأمن، وهذه جزاؤها الوعود العرقوبية ممن يسمون في فقهنا السياسي بالنخب والمتنفذين حين تُسيل موائد السياسة لعاب جشعهم وتظهر مدى حقارتهم واستخفافهم بالإنسان.. هؤلاء هم الوسطاء بين الدولة والجماهير البريئة.. فكيف تحب الجماهير وطنا يظلمها ويغتصبها ويتنكر لها؟؟
موريتانيا إذاً سفينة في بحر مضطرب... ركابها جماعات مختلفة الأذواق والأهداف... منها من يريد أن تتجه السفينة صوب الشرق لترسو على أحد جبال الضاد.. وحسبك أن تقرا مسميات القرى والتجمعات على طريق الأمل فسترى أن موريتانيا غائبة... سوف ترى الرياض وبغداد والقدس وجدة والدمام وأم القرى والطائف والصفا الخ... ومنها من يريد أن تسير السفينة إلى حيث البشرة السوداء وكلام العجم... وبين الفئتين فئة ثالثة تشكلت من منافقي الفئة الأولى ومنافقي الفئة الثانية.. هذه الفئة حلت قصرها لأنها تعلم أن الرحلة سوف تطول وأقبلت تأكل الزاد وحدها في العتمة، وامتهنت التحريش وإثارة الفتنة كلما تنادى القوم إلى صلح... تريد أن تتفرد بالزاد... نهمها لا ينتهي وبطونها لا تشبع... يظهرون معاداة كل نظام نهارا ويلحسون ترب نعاله ليلا... تفننوا لحد الإبداع في الأحاديث المنطقية الرخيصة التي تسحر البسطاء وعديمي الثقافة.. كلامهم مسترسل يخيل إليك أن كبيرهم إذ يتكلم (يتكلم في البت لكبير)... تمكنوا من خداع الأنظمة كلها... ألبوا البدوي محمد خون ولد هيداله على الناصريين فملأ منهم السجون... وألبوا (لٌبد الحكم) ولد الطائع على البعثيين والإسلاميين والزنوج... فصفاهم وذبحهم.. وأبعدوا عن المؤسسة العسكرية كل النخب الثقافية لتبقى بين أيديهم يتصرفون بها كيف شاؤوا.
أما النخبة الثقافية الموريتانية فقل فيها:
وكنا نعدك للنائبات *** وها نحن نطلب منك الأمانا
كان ينبغي أن تكون هذه النخب مستند موريتانيا في مرحلة اللاتشكل حتى بلوغ مرحلة التشكل... لكن مع الأسف تضررت موريتانيا من نخبها العلمية والثقافية أكثر من أي مصدر آخر... ففي تسعينيات القرن الماضي وعندما جاءت محنة الديمقراطية دون سابق إعداد أو تحضير وحين وجد ولد الطائع نفسه بحاجة إلى المجاهرة بالخطاب القبلي مررته النخبة العلمية وبررته وأخرجته كخطاب سياسي معاصر، فبدأت قاماتهم تتضاءل أمام الطغيان المادي الذي اكتسح كل شيء، فانبطحت القيم والمعرفة وتقزم المثقفون وتعاظم أقزام الفكر والثقافة والمبادئ وانتصبت قاماتهم عاليا في ذلك الزمن الرديء بأفعاله ومفرداته... حللت النخب العلمية خطب الرئيس في طاولات مستديرة في الإعلام الرسمي ليولدوا منها أفكارا لم تحملها لأنها في الأصل عقيمة... أقسموا له أن يستمر قائدا فالبلد دونه هاو، أفتوه بوجوب ذلك... طبلوا... زمروا... زغردوا كالمخنثين... مدحوا... رقصوا.. ألفوا... ألَّهوا... ولم يزالوا به حتى أقنعوه انه الأول والآخر والظاهر والباطن وأنه على كل شيء قدير... وقريبا منا لا ننسى حين أطيح بولد الشيخ عبد الله وفتحت وسائل الإعلام الرسمية لكيل الشتائم لشخصه - ولأول مرة يحدث ذلك في موريتانيا لأن المعتاد في هذه الحالات أن ينسب كل شيء فاسد إلى الحكم البائد- فتكلمت العامة ولم تتقن ما استحفظت من أدوار، لكن النخب الثقافية شاركت في التمثيل... أينا ينسى كاتبا وشاعرا كبيرا ومعروفا وهو يتحامل على رجل سجين ويقول (كنت أتوسم خيرا في الرجل وتربطني به... ولم يصرح... ثم يضيف ولكن إقالة أربعة قواد في ليلة واحدة... هذا فظيع...). عبر بالصوت أكثر من الكلام... وصحفيا آخر مشهورا أخرج مقابلة أجرتها الجزيرة مع الرجل فأخرجها بطريقة: "ويل للمصلين".. "ولا تقربوا الصلاة"... وغيرهما كثير...
أما المعارضة والموالاة في موريتانيا فظلتا دائما وجهين لعملة واحدة... وحَّدهم الهدف وفرقهم الصراع... وحَّدهم حب السلطة وما ينجر عنها من منافع شخصية، وطبيعي أن يتعادى طالبوا هدف واحد... لذلك لا نستغرب أن تبارك المعارضة كل انقلاب تزعم أنه قد يقودها إلى القصر الرئاسي... حتى إذا علمت وكان يجب أن تعلم أول الأمر أن العسكري لم يغامر بعمره ليهب الغنيمة لغيره عندئذ تحوله من منقذ ومخلص إلى غاصب وقرصان... وفي فصل قريب من مسرحية رحلة التيه نشاهد كيف أهين بعض رموز حكم ولد الشيخ عبد الله من حزب عادل وكيف تعرض رمز كبير كبير جدا وكان من قادة جبهة الدفاع عن الديمقراطية كيف تعرض شخصيا للإهانة والإذلال... ثم نراه اليوم وهو يقبل اليد التي صفعته.. لا تعجب !! نحن أبناء الخيمة والصحراء والرمال المتحركة سنظل أحرارا متنقلين فالاستقرار حبس لم نألفه... تحيا موريتانيا..

نقلا عن الأخبار