مشاهدة النسخة كاملة : عن ثقافة الاستهانة


hamees
02-10-2010, 09:04 AM
عن ثقافة الاستهانة

صحيفة الرؤية الكويتيه الأربعاء 26 صفر 1431 – 10 فبراير 2010


ثمة اتفاق بين الخبراء المعنيين على أن الإهمال البشري أسهم في تفاقم كارثة السيول التي ضربت جنوب مصر وشمالها، الأمر الذي أدى إلى تدمير مئات البيوت وتشريد الآلاف من البشر،

ورغم أن تلك حقيقة لم يختلف عليها أحد، إلا أننا لم نقرأ أو نسمع أن أحدا من المسؤولين عن ذلك الإهمال تعرض للمساءلة أو المحاسبة، الأمر الذي غدا دليلا آخر على شيوع «ثقافة الاستهانة» في المجتمع، التي باتت تهدد كيان الوطن.

وهذه الجملة الأخيرة ليست من عندي، ولكني اقتبستها من مقال للدكتور سمير نعيم أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس، نشرته له جريدة «الشروق» في 7 فبراير الجاري، ووجدت أنه يثير قضية غاية في الأهمية ينبغي أن تكون موضوع حوار واسع، لأنها تتعلق بمستقبل البلد وأهله.

في مقاله ذكر د.نعيم تعليقا على الإهمال الذي جرى في كارثة السيول أن في مصر استهانة أو عدم حرص على كل شيء تقريبا، استهانة بموارد مصر المائية ومصادر ثروتها، واستهانة بحياة الإنسان وسلامته وصحته وأمنه وكرامته.

وبعد أن ضرب أمثلة لنماذج تلك الاستهانة قال إننا: بصدد منظومة عامة من القيم الاجتماعية ذات الطابع السلبي، التي توجه سلوكيات المسؤولين الحكوميين والمواطنين على اختلاف مواقعهم. وهذه القيم مهدرة للثروة القومية، ومهددة لحياة البشر وسلامتهم، وفوق ذلك معوِّقة للتنمية وللتطور الاجتماعي بصفة عامة.

ولحل ذلك الإشكال، فإنه دعا لأن تتولى الجهات الحكومية والأهلية بلورة منظومة قيمية إيجابية بناءة، ووضع استراتيجية جديدة للحلم المصري، بما تشتمل عليه من سياسات وخطط لتنفيذه.
وإذ وصف هذه الاستراتيجية بالمشروع النهضوي، فإنه اعتبرها الخطوة الأساسية الأولى لتعديل منظومة القيم الاجتماعية أو صياغة منظومة جديدة تخدم ذلك الحلم وتجسّده على أرض الواقع.

هذه الخلاصة لفكرة د.نعيم، التي أرجو ألا تكون مخلة كثيرا، أتفق مع منطوقها الأساسي، لكن لي عليها ملاحظتين،
الأولى في التشخيص
والثانية في العلاج.

في التشخيص لاحظت أنه وضع السلوكيات السلبية للمسؤولين الحكوميين والمواطنين على قدم المساواة، وفي ذلك ظلم للناس، لأن الحكومة في حقيقة الأمر تقوم بدور المربي للمجتمع، وهي بأدائها وبالنموذج الذي تقدمه تعد المسؤول الأول عن شيوع ثقافة الاستهانة في أرجائه.

وتحضرني هنا مقولة للفيلسوف الفرنسي هلفيتيوس (في القرن الثامن عشر) ذكر فيها أن التفاعل بين المجتمع والسلطة ذو اتجاه واحد،
بمعنى أن الشعب لا يؤثر في طبيعة السلطة، وإنما تؤثر السلطة في خصائص الشعب وأخلاقه.
وهو ما خلص منه إلى أن السلطة مسؤولة عن مساوئ الشعب كما أنها مسؤولة عن محاسنه.

لقد شاعت ثقافة الاستهانة في المجتمع، لأن السلطة استهانت بالناس وبالقانون، واعتدت على حرمة الاثنين،

وإذا صح ذلك التشخيص، فإن العلاج لابد أن يبدأ بأصل المشكلة ومصدرها، بمعنى أن يدرك كل مسؤول في السلطة أن هناك مجتمعا بمقدوره أن يحاسب وأنه ليس فوق القانون. الأمر الذي يضع قضية الديموقراطية والحريات العامة في الواجهة. ويعتبرها مفتاح أزمة الاستهانة والمدخل الصحيح لتقويمها،
إذ في غيبة الديموقراطية وفي ظل قانون الطوارئ وإزاء ومختلف القيود المفروضة على حرية تشكيل الأحزاب والحق في التعبير، فإن أي جهد يبذل لبلورة منظومة القيم الإيجابية المنشودة أو لطرح المشروع النهضوي سيظل محكوما بسقف الأوضاع القائمة وملعوبا فيه بواسطة أذرعها الظاهرة والخفية.

ولا ينسى في هذا الصدد أن كل القوانين السيئة السمعة التي صدرت وكل التعديلات المريبة التي أدخلت على الدستور جرى تمريرها من خلال مؤسسات صممت لكي تكون تعبيرا عن صوت الشعب،

وقد أدت مهمتها بكفاءة مشهودة بعد تغيير لحرفين اثنين فقط، تحول بمقتضاه الصوت إلى سوط.. بسيطة!