مشاهدة النسخة كاملة : ثورة المصريين من "التحرير" إلى "التغيير"


ام خديجة
02-10-2011, 08:55 AM
ثورة المصريين من "التحرير" إلى "التغيير"


القاهرة - محيي الدين سعيد:

http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2011/02/09/140794.jpg


تسعة وثلاثون عاماً هي الفارق بين الانتفاضة الطلابية التي شهدتها مصر في يناير/كانون الثاني من العام 1972 تحت شعار “التحرير”، والانتفاضة الشبابية في يناير من العام 2011 تلبية لنداء “التغيير”، وقد دفعت الأولى السادات إلى خوض حرب التحرير، ودفعت الثانية مبارك إلى الاستجابة لمطالبات ظل يرفضها طوال مدة حكمه التي جاوزت الثلاثين عاماً، وفي المسافة ما بين الحدثين جرت في النهر المصري مياه كثيرة، كان أبرزها ما تدفق في يناير من العام 1977 من انتفاضة شعبية من أجل “رغيف الخبز” . . إذاً، التحرك الشعبي المصري ليس آنياً أو ظرفياً، بل هو ممتد ومستمر .

مظاهرات يناير 1972 كانت بحسب خبراء ومحللين من أقوى الاختبارات التي واجهت عهد السادات، وحالت دون تراجعه عن اتخاذ قرار الحرب لتحرير الأرض المصرية التي احتلتها قوات الكيان الصهيوني في يونيو/حزيران ،1976 فيما أسقطت مظاهرات يناير 77 بحسب محللين أيضاً شرعية حكم السادات، وجاءت مظاهرات يناير ،2011 لتهز شرعية الحزب الوطني وترفع لواء العصيان في وجه احتكاره للسلطة وسيطرة رجالاته على ثروات البلاد .

قبل مظاهرات يناير 72 كانت الجامعات المصرية في أوج نشاطها وتألقها، يسكنها زخم خلّفه حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ليس في الشارع الطلابي وحده ولكن في الشارع المصري والعربي، ويقوم على معاداة الصهيونية والإمبريالية .

ملايين المصريين والعرب كانوا يتعطشون لتحرير الأرض وإزالة آثار العدوان الصهيوني، أو كما يقول باحثون: “كانت المسألة الوطنية هي القضية الأولى على جدول الأعمال”، وكان الصوت الأبرز لطلاب الجامعات، وفي المقدمة منهم الطلاب الناصريون والقوميون، وكانت وسائل العمل الطلابي السابقة على اندلاع المظاهرات تتمثل في مجلات الحائط وعقد المؤتمرات المفتوحة، وجاءت شرارة الانطلاق حين حاول السادات في خطابه الذي ألقاه في 13 يناير ،1972 تبرير عدم قدرته عن الوفاء بوعده في أن يجعل من عام 1971 عام الحسم مع “إسرائيل” باندلاع الحرب الهندية الباكستانية، وبأن الحليف السوفييتي كانت تشغله تلك الحرب، ما جعل هذه الحالة ك”الضباب” حسب وصف السادات الذي يعيق القدرة على التحرك .

بعدها دعا طلاب كلية الهندسة بجامعة القاهرة إلى مؤتمر موسع في يوم 15 يناير، وهو المؤتمر الذي تحول بسخونة المناقشات إلى اعتصام، وللمصادفة أوفدت حكومة السادات أمين الشباب بالاتحاد الاشتراكي العربي الدكتور أحمد كمال أبو المجد في محاولة للتهدئة ولكنه فشل في مهمته، وسرعان ما انتشرت حالة الغضب الجماعي بين الطلاب وعقدت العديد من المؤتمرات التي أجمعت على عدم قبول الطلاب لتبريرات السادات لعدم خوضه حرب التحرير، وأقر مؤتمر عقد في كلية الهندسة بجامعة القاهرة تشكيل “اللجنة الوطنية العليا للطلاب في جامعة القاهرة”، من ممثلين من مختلف الكليات، وضمت من بين ما ضمت أسماء مثل أحمد عبدالله رزة وأحمد بهاء شعبان وسهام صبري، وحمل الطلاب شعار: “كل الديمقراطية للشعب، كل التفاني للوطن”، مطالبين بإعداد الجبهة الداخلية لحرب تحرير شعبية وتسليح الطلاب وتدريبهم عسكريًا، مع وقف كل مبادرات التهدئة وقطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الأثناء كان السادات يحاول اتخاذ إجراءات للتهدئة، حيث أجرى تغييرات في الحكومة وعيّن وزير الصناعة عزيز صدقي رئيساً للوزراء ليرأس ما سمي ب”حكومة المواجهة الشاملة” .

واعتبر الطلاب أن كل الإجراءات التي أعلنت عنها الحكومة الجديدة غير ذات جدوى، وكان قد بدأ تشكيل اللجان الوطنية في مختلف الكليات والجامعات، وفي المقدمة منها عين شمس والإسكندرية والأزهر، وجرت في الأيام التالية كثير من المحاولات الحكومية لإنهاء الاعتصام والالتفاف حوله ونشر الوقيعة بين المشاركين فيه، وهي محاولات شارك فيها مجلس الشعب الذي وصفه الطلاب ب”مجلس المنافقين”، لتتصاعد الأحداث إلى انطلاق جموع الطلاب من داخل جامعة القاهرة إلى ميدان التحرير، وفي الميدان التحم الطلاب بالمواطنين تدفعهم أنباء الاعتقالات التي طالت آلاف الطلاب، وشهد الميدان معركة دامية بين قوات الشرطة والمحتجين، حيث سالت دماء آلاف الطلاب في الميدان تحت وطأة الهجوم البوليسي، وكان ذلك دافعاً لاندفاع آلاف آخرين إلى ميدان التحرير، ليعتصموا به ويتم تشكيل لجنة مؤقتة لتنظيم الاعتصام، ولم يكن سكان القاهرة ببعيدين عن الأحداث فقد سارعوا إلى تقديم الطعام للمعتصمين ومدهم بالأغطية والبطاطين، حيث سهر الطلاب ينشدون الأناشيد الوطنية، وفشلت محاولات الهجوم عليهم من قبل الأمن في تفريقهم .

وبدأت مظاهر التذمر تمتد إلى عمال المصانع ومعها بدأ خوف الحكومة من امتدادها إلى الجيش وتفجير قضايا اجتماعية تستثمر متاعب الناس الاقتصادية، خاصة أن خريجي الجامعات بحسب معاصرين وباحثين كانوا قد أصبحوا ركناً أساسياً في عملية تحديث وتطوير القوات المسلحة بعد عام 1967 .

وبعيداً عن تقويم مدى نجاح حركة يناير 72 في تحقيق أهدافها، فإن هناك إجماعاً على أنها مهدت الطريق لما تلاها من انتفاضات ونضالات، وحالت دون تراجع السادات عن خوض حرب التحرير التي استعد لها الجيش المصري منذ عام 67 .

انتفاضة الخبز

يناير 1977 كان موعداً لانتفاضة شعبية أخرى، يقول المؤرخون إنها أطاحت شرعية حكم أنور السادات، ويصفونها بانتفاضة الخبز، فيما كان يحلو للسادات أن يصفها ب”انتفاضة الحرامية”، وكان السادات قد ظل طويلاً يبشر المصريين بالرخاء، ومع مطلع العام 1977 فوجئوا بصدور قرارات حكومية بإلغاء الدعم عن 17 سلعة أساسية ورفع أسعارها، لتنفجر المظاهرات في محافظات الجمهورية، وكان السادات في استراحته الشتوية بمدينة أسوان في صعيد مصر، ولم يكن يعلم بأمر الانتفاضة الشعبية إلا حين حضر إليه محافظ أسوان يرجوه أن يغادر المدينة بشكل فوري، ويحذره من زحف الجماهير إلى استراحته، وكان أن غادر السادات في طائرة هليكوبتر على الفور عائداً إلى بيته في الجيزة، وكان طلاب الجامعات أيضاً في طليعة المتظاهرين، وفي ميدان التحرير أيضاً تجمع الغاضبون القادمون من الجامعات والمصانع ومن المنازل، وهم من كل الفئات وأغلبيتهم يحملون صور الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وهم يهتفون: “يا جمال يا عود الفل . . من بعدك شفنا الذل”، و”سرقوا الدوا م العيانين والكستور م العريانين”، وكان أن رضخ السادات لمطالب المتظاهرين وتراجعت حكومته عن رفع الأسعار، لكنه أعقب ذلك بحملة ملاحقات أمنية واسعة .

ثورة التغيير

دعوة انطلقت على فضاء ال”فيس بوك” تدعو إلى التظاهر في يوم 25 يناير ،2011 وقد أطلقتها مجموعة تطالب بالقصاص من قتلة الشاب السكندري خالد سعيد الذي اشتهر ب”ضحية التعذيب”، بعد أن لقي حتفه على أيدي رجال شرطة سريين في مدينة الإسكندرية . . الدعوة لقيت استجابة واسعة بين مختلف الحركات الاحتجاجية ونشطاء الإنترنت وعدد صغير من الأحزاب والجماعات السياسية، وفي المقابل فقد تحفظت أحزاب توصف بالرئيسة بين قوى المعارضة كالناصري والوفد على الدعوة، فيما وجدت الدعوة تردداً من قبل جماعة الإخوان المسلمين، ورفضاً قاطعاً من قبل “قيادة” حزب التجمع التقدمي، واستهانة من قبل الحزب الحاكم ووسائل إعلامه .

وفي ميدان التحرير ومختلف الميادين بالمحافظات المصرية كانت المفاجأة في خروج مئات الآلاف استجابة لدعوة الغضب، وتحركت الأحداث سريعة بفضل حيوية من حركوها وقاموا بالتنظيم لها من الشباب الذين تجاوزوا كل الأطر التقليدية لتحركات من سبقوهم من أحزاب وقوى سياسية، وفاجؤوا الجميع من جماعات الحكم وقوى المعارضة بتنظيم أنفسهم ومواكبة عصرهم، بعد أن أيقن الجميع أن فئة الشباب المصري قد سقطت من أي حسابات للتغيير في البلاد، وأنها أصبحت أسيرة لكل ما هو غير مفيد على شبكة الإنترنت وفي وسائل الإعلام، كما صارت أسيرة من قبل لإحباطاتها وليأس كان قد ملأ نفوس الجميع من التغيير والإصلاح .

تحت شعار: “حرية، ديمقراطية، عدالة اجتماعية” انطلق مئات الآلاف من الشباب المصري بثورتهم منذ 25 يناير، وقد جذبوا إليهم ملايين المواطنين، المدفوعين بالفقر والبطالة وانتشار الأمراض والجوع وتفشي الفساد في مختلف قطاعات البلاد، وغياب الديمقراطية والحريات العامة وفقدان أي أمل للتداول السلمي للسلطة في البلاد .

مطالب المتظاهرين الغاضبين بدأت بالتغيير والإصلاح وإنهاء حالة الطوارئ وتطورت إلى الهتاف الشهير: “الشعب يريد إسقاط النظام”، وتصاعدت مع ردة الفعل الحكومية إلى “الشعب يريد إسقاط الرئيس”، وصولا إلى “الشعب يريد محاكمة الرئيس”، وفي ميدان التحرير دارت على مدار الأيام التالية ل25 يناير ملحمة شعبية تاريخية: الآلاف من الشباب من مختلف الانتماءات والتيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وبينهم مئات آلاف آخرين لا ينتمون إلى أن حزب أو تيار سياسي، وبين هؤلاء وهؤلاء آلاف آخرون من المواطنين البسطاء وأسرهم لا يعرفون شيئاً من الأساس عن الأحزاب أو الأفكار السياسية . . هم فقط تحركهم معاناتهم الاقتصادية بين البطالة والغلاء وعدم توافر الخدمات الصحية . . الكل انخرط في عمل واحد وتعددت الشعارات واللافتات التي يحملونها وكلها اتفقت على المطالبة برحيل النظام . . في ميدان التحرير صلى المسلمون واصطف المسيحيون دروعاً بشرية لحمايتهم في مواجهة هجمات “بلطجية” الحزب الحاكم . وفي الميدان وقف الإسلاميون بجوار اليساريين يشكلون لجاناً شعبية لتأمين المتظاهرين وتفتيش الداخلين إلى موقع التجمع الاحتجاجي، وسارت الفتيات في أوساط الشبان آمنات على أنفسهن، وحمل الشيوخ لافتات التغيير، ورسم الأطفال على وجوههم علم مصر وكتبوا شعارات الإصلاح .

استلهم المتظاهرون المصريون الدرس التونسي، وزادوا عليه الكثير، ومع كل ردة فعل من جانب النظام، وتحديداً الرئيس مبارك، كانت تتصاعد هتافاتهم: “مش هانمشي . . هو يمشي”، ومثلما حاول السادات في عام 72 امتصاص الغضب، فعل مبارك وقرر “أخيراً” اختيار نائب له هو مدير جهاز الاستخبارات عمر سليمان، كما قرر إقالة الحكومة وتعيين وزير الطيران السابق الفريق أحمد شفيق رئيساً لحكومة جديدة غيرت بعضاً من جلدها . . بدا أن مبارك يريد الدفع بوجوه تحظى بقبول شعبي لتهدئة الثائرين، لكن هؤلاء تمسكوا بمطلبهم برحيله، وزاد مبارك بتغيير هيئة مكتب الحزب الوطني الحاكم بالكامل بمن فيهم نجله “جمال”، خاصة أن الظهور الكبير للأخير في صدارة المشهد السياسي المصري طوال السنوات الأخيرة كان محركاً أساسياً للغضب داخل نفوس الجماهير .

ومع تلك التغييرات صدرت القرارات بمنع مسؤولين ووزراء سابقين من السفر وتجميد أرصدتهم، كما صدرت الدعوات إلى حوار يشمل كافة القوى والأحزاب السياسية بما فيها جماعة الإخوان المسلمين التي بدأ أركان الحكم في مصر يتحدثون عنها للمرة الأولى من دون أن يصفوها بالمحظورة، لكن ثائري ميدان التحرير لا يزالون يتمسكون بمطلبهم: “مش هانمشي . . هو يمشي” .

الأحداث التي تشهدها مصر منذ 25 يناير كانت متلاحقة وجذبت أنظار العالم كله، وتداخلت فيها أطراف مختلفة في داخل البلاد وخارجها، ففي الداخل كان دور الجيش والتطلع إلى أن يضغط على مبارك لقبول التنحي، وكان دور اللجان الشعبية في حماية ممتلكات المصريين ومنازلهم من عصابات السلب والنهب التي انتشرت في البلاد في أعقاب الفراغ الأمني الذي حدث نتيجة انسحاب الشرطة من الشارع، كما جاء دور لجان الحكماء والتجمعات السياسية لقيادة التفاوض حول القادم بعد الانتفاضة الشعبية، وفي مقدمة ذلك “لجنة الحكماء” التي تشكلت من عدد من كبار القانونيين والسياسيين والمثقفين، وجاء في مقدمتهم للمصادفة الوزير السابق الدكتور أحمد كمال أبو المجد، وفي الخارج كانت مواقف القوى الدولية التي بدأت بالسعي إلى الحفاظ على استمرار الرئيس مبارك وتطورت إلى التغيير تحت وطأة تماسك المتظاهرين وتبني مطالبهم بضرورة إحداث تغيير فوري في السلطة المصرية .

وبتلاحق الأحداث يقول خبراء ومراقبون: “تجددت على نحو فريد الروح الوطنية المصرية الأصيلة” وهي وطنية يراها أستاذ الإعلام الدكتور محمد شومان “ثائرة” وتقودها الجماهير التي تجاوزت في حركتها كل أحزاب وحركات المعارضة، وسبقت بامتياز الأفق السياسي والاجتماعي لأغلب أطروحات وأفكار المعارضة والنخبة السياسية عن إسقاط النظام والتحول الديمقراطي .

يضيف شومان أن انتفاضة يناير 2011 أصبحت وبكل المقاييس نقطة فارقة في تاريخ مصر، حيث جددت الثقة بمقولة إن الشعب المصري هو المعلم، وسيبقى كذلك في الانتفاضة التي فاجأ بها النخب المثقفة وأحزاب المعارضة وجماعة الإخوان وحركات الاحتجاج والعالم الخارجي، معتبراً أنه يجب أن يترتب على هذا الاعتراف بعظمة الشعب المصري “أن تعتذر كل الأطراف عن النظرة الاستشراقية التي أثرت في النخبة المصرية وأحزاب وقوى المعارضة بأن الشعب المصري لا يثور، وأن مصر والمنطقة العربية هي استثناء فريد في عدم الانخراط في ثورات التحول الديمقراطي التي اجتاحت العالم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي نهاية القرن الماضي” .

يستطرد خبير الإعلام: “صحيح أن الانتفاضة تأخرت زمنياً وطال انتظارها، لكن يبدو أن هذا التأخير من صناعة الاستبداد وعنف الدولة البوليسية، إضافة إلى فشل النخب وأحزاب وقوى المعارضة”، مشيراً إلى أنه تراكمت عبر سنوات حكم مبارك أسباب كثيرة للانفجار الجماهيري، وكانت مبادرة الحركات الاحتجاجية ونشطاء الإنترنت بتنظيم مظاهرات يوم عيد الشرطة بمثابة المفجر أو شرارة التفجير للانتفاضة الجماهيرية، تماماً كما كان إحراق محمد بو عزيزي نفسه في تونس بمنزلة شرارة التفجير للانتفاضة التونسية صاحبة الفضل والريادة التي تعلم منها شباب وجماهير مصر الكثير، وأضافوا إليها ما هو أكثر وأعمق كي تتعلم منهم بقية الشعوب العربية .



نقلا عن دار الخليج