مشاهدة النسخة كاملة : الأحزاب تنشر غسيلها - تبادل الاتهامات بين الحزب الحاكم والتكتل


ام خديجة
02-10-2011, 08:50 AM
نواكشوط: الأحزاب تنشر غسيلها


المختار السالم:


http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2011/02/09/140792.jpg

أسبوع من الشتائم المتبادلة بين الحزب الحاكم في موريتانيا وحزب زعيم المعارضة، نقل لهجة الطرفين تجاه بعضهما بعضاً إلى مستويات غير مسبوقة من القدح الشخصي والنزول إلى “لغة الشارع الخلفية”، فامتلأ “حبل الغسيل” بكل ما تفتقت عنه عبقرية هجائيات النخبة السياسية في الحزبين الكبيرين .

البداية كانت من بيان لحزب زعيم المعارضة حول “الثورة المباركة في أرض الكنانة”، قال فيه حزب “التكتل” إنه يتابع “باهتمام بالغ فجر الحريات العربية بعد ليل طويل من الاستبداد والقهر والظلم وسلب الحريات”، ولوح الحزب بثورة شعبية مماثلة تطيح نظام الرئيس عزيز .

فرد حزب “الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم ببيان شديد اللهجة اتهم فيه زعيم المعارضة أحمد ولد داداه ب “الخرف” و”الشيخوخة السياسية” في إشارة إلى سن الرجل .

ثم رد حزب “التكتل” مستنكراً المساس بصورة زعماء المعارضة “الذين يرتقون في ظل هذا النظام الفاسد إلى مرتبة المجاهدين”، معتبراً أن “شتائم وسباب” الحزب الحاكم تشي بالضعف والتخبط وضعف الحجة وسوء التربية والقلق من المستقبل المظلم، الذي ينتظر النظام في جو يتوجس فيه كل ظالم ودكتاتور أحب الظلام واستمرأ ممارسة النهب والكذب والخداع” .

ووصف الحزب أعضاء الحزب الحاكم ب “الأغبياء والجبناء والمتخلفين والمنافقين والمصفقين، الذين يوالون كل من حكم موريتانيا منذ بدء الاستقلال وحتى اليوم، الذين لم يستطيعوا أن يفهموا أن التاريخ لا يرحم وأن له صولات وجولات، تمحق كل من يقف في طريقها” .

وقال حزب ولد داداه “إن أهل الحزب الحاكم” يعرفون قبل غيرهم أن موريتانيا ما زالت “تعيش في ظروف استثنائية تحت حكم عسكري لا يتيح التبادل السلمي للسلطة” . وأكد أن “البلاد تعيش أسوأ أيامها تحت نظام قمعي مفسد وأن اقتصادها مشلول وأموالها منهوبة وإرادة أهلها مسلوبة، وأن الجوع والأمراض الفتاكة تعبث بأهلها، وأن البطالة تفتك بشبابها” .

وللمرة الأولى وصف حزب ولد داداه الرئيس محمد ولد عبدالعزيز ب “الحاكم الأرعن”، الذي يتصرف في البلاد “كأنها دكانه الشخصي”، فيما فهمه البعض على أنه إشارة قدح في الرئيس عزيز الذي تمارس قبيلته التجارة على نطاق واسع .

رد الحزب الحاكم لم يحمل فقط شحنة أخرى من الشتائم لولد داداه ووصفه ب “القيادة المحنطة”، والمساس بشخصه وتاريخه وعلاقته بنظام أخيه الراحل المختار ولد داداه، بل طالب الحزب الحكم، وللمرة الأولى، بإزاحة ولد داداه عن رئاسة أكبر أحزاب المعارضة، وناشد الحزب الحاكم كل القوى السياسية “بمساعدة المنخرطين بحزب “التكتل” للحصول على حقهم في إرساء التناوب الديمقراطي” على رئاسة الحزب .

ورأى الحزب الحاكم في موقف حزب زعيم المعارضة “رائحة الإثارة الغوغائية العفنة”، التي “تفضح مدى ضحالة وسطحية مستوى التعاطي السياسي والأخلاقي الذي اعتاد عليه حزب تكتل المطامع الأنانية طيلة عشرين عاما من التقلبات المزاجية غير المدروسة في المواقف المرتبكة والآراء المتشنجة التي تتسم بها إدارة شؤونه” .

وقال الحزب الحاكم “إن من وصفهم البيان الأهوج لجوقة التكتل بأنهم “زعماء يرتقون إلى مرتبة المجاهدين” وبأنهم “رموز الشعب” هم مجرد بقايا الحزب الواحد الذي حكم البلاد بالحديد والنار”، مضيفاً “أيام كان قادة التكتل أنفسهم يسرحون ويمرحون بلا رقيب في أموال الدولة والشعب متدثرين بأحزمة المحسوبية والزبونية وب “الجهاد” في خدمة القوى (فرنسا) التي أورثتهم خيرات البلاد وأعناق العباد” .

وفي فقرة حظيت بعناية المراقبين السياسيين، قال الحزب الحاكم “إن حزب التكتل في رحلته الأخيرة نحو محطة النهاية يبحث بكل استماتة منذ الآن كما يبدو عن ملاذ يجنبه خوض امتحان الاستحقاقات البلدية والنيابية القادمة التي يحاول تحاشيها بكل الطرق الملتوية” .

وقال الحزب الحاكم إن تلك الانتخابات (المرتقبة نهاية العام الجاري) “ستشكل باختصار شديد سقوط آخر ورقة توت يحمي بها (ولد داداه) عورة البوار السياسي والرفض الذي قابله به الشعب الموريتاني في ثورة صناديق الاقتراع يوم 18 يوليو/ تموز ،2009 (التي انتخب فيها الرئيس عزيز)، ثورة الفقراء والمحرومين الذين ملوا ترهات وأباطيل “حزب التشرذم والارتباك” وغيره من القوى الظلامية المنهكة بفعل شيخوخة الأقوال والأفعال ومحاولاتها اليائسة للعودة بموريتانيا إلى الوراء” .

ويأتي هذا الاتهام، وسط مخاوف حقيقية لدى العديد من القوى السياسية والمراقبين من إمكانية إقدام ولد داداه على مقاطعة الانتخابات التشريعية المقبلة، وهو ما سيوجه ضربة قوية لصورة نظام الرئيس عزيز، وقد يتيح المجال أمام قلاقل جراء خروج أكبر أحزاب البلاد من المؤسسة الانتخابية .

ومرة أخرى لم يتأخر حزب ولد داداه عن الرد، فاتهم النظام بإثارة الفتنة “في الوقت الذي تتخبط فيه البلاد في وحل السياسات المرتبكة لنظام محمد ولد عبدالعزيز حيث يتجلى عجزها في النتائج الكارثية المسجلة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وفي ظرف يخيم فيه خطر الإرهاب على عاصمتنا من خلال التفجيرات داخل الأحياء السكنية، مروعة الآمنين ومخلفة للأسف عدداً من الجرحى في صفوف قواتنا المسلحة” .

وقال الحزب “إن سياسة إشعال نار الفتنة الداخلية بين الموريتانيين التي ينتهجها نظام محمد ولد عبدالعزيز، واستهداف الرموز التاريخية والشخصيات المعنوية والاعتبارية الوطنية في ظرف كالذي تعيشه البلاد، لا يمكن أن تأتي إلا للتغطية على واقع مزر وعجز ماحق، فشل أصحابه في مواجهة المخاطر والتحديات الجسيمة التي تواجهها البلاد” .

واعتبر حزب زعيم المعارضة “أن التنكر لتاريخ الأمة وأمجادها، والتحامل على مكتسباتها وإنجازاتها التي تحققت عبر التضحيات الجسام التي دفع الشعب وأبناؤه البررة أرواحهم ودماءهم في سبيل تحقيقها على مدى خمسين سنة، ليشي فعلاً بالمستوى الهابط للنظام وسدنته، ويكشف عن محاولة خائبة لطمس الهوية الوطنية ومحو معالمها لغرض لا يمكن بحال أن يهدف إلا إلى خدمة أجندة خارجية قد تستفيد من انفراط عقد الدولة الموريتانية”، والحزب بذلك يثير المخاوف الإقليمية من موالاة نظام الرئيس عزيز للمغرب على حساب الجزائر .

وأكد الحزب أن “فجر الحرية قد سطع”، وأن الشعب الموريتاني شباباً ونساء ورجالاً “استوعبوا الدرس” كغيرهم بعد ثلاثين سنة من الحكم الاستبدادي الفردي، وأن لا مناص لموريتانيا من أن تنال حظها الميمون إن شاء الله في إرساء حكم ديمقراطي حقيقي يعبر عن إرادة الشعب ويحقق أمله في الحرية والعدل والمساواة” .

أمام الدعوات المتكررة التي وجهها زعيم المعارضة ولد داداه إلى الشعب الموريتاني للقيام بثورة تطيح النظام، وتلويحه بقيادة تلك الثورة، لم يكتف نظام الرئيس محمد ولد عبدالعزيز بإطلاق “لسان” الحزب الحاكم لتشويه صورة “الزعيم”، بل قام باستقبال أكبر منافسيه على زعامة المعارضة مسعود ولد بلخير رئيس “حزب التحالف الشعبي”، ورئيس البرلمان . وفي خطوة لاحقة قامت الحكومة، بمنع ولد داداه من زيارة المستشفى العسكري في نواكشوط لعيادة جرحى الجيش جراء المواجهات الأخيرة مع تنظيم القاعدة، وهي “خطوة مهينة”، بل مدروسة في حق ولد داداه الذي يعتبر رسميا ثالث شخصية في الدولة بوصفه زعيماً للمعارضة .

ويرى العارفون بكواليس المؤسسة الحزبية الموريتانية أن دعوة الحزب الحاكم أنصار ولد داداه للإطاحة به من رئاسة حزبه، هي دعوة لا تنطلق من فراغ، بل من عمل مدروس يجري منذ فترة وبشكل “سري للغاية” في أوساط أطر مؤثرة في حزب التكتل، والهدف هو إما: “إجبار” ولد داداه على خوض الانتخابات التشريعية ومن ثم هزيمته فيها، أو إحداث انشقاق في الحزب يدفع ب “المعتدلين” إلى المشاركة في الانتخابات باسم الحزب . ويستحضر في هذا الإطار تصريح الرئيس ولد عبدالعزيز قبل سنتين، الذي قال فيه إن بإمكانه الاستيلاء من الداخل على حزب ولد داداه إلا أنه لا يريد ذلك .

هو “تصريح” لا يزال في الذاكرة، فهل حان الوقت ل”تفجير” حزب المعارضة الرئيسي من الداخل، قبل أن ينفذ زعيم الحزب تهديده وينزل إلى الشارع في “ثورة تفرض التغيير”، أو على الأقل يكرس ملامح صورة النظام العاجز عن حل مشاكل البلاد في ظل الغلاء والبطالة وعمليات “القاعدة” .

إن السؤال الذي طرح هذا الأسبوع من طرف سياسيين موريتانيين بارزين هو ما إذا كان الحزب الحاكم في موريتانيا بإمكانه “معاكسة التيار الإقليمي” والذهاب إلى الإطاحة بزعيم المعارضة أو إيجاد “بدائل خاملة” له في هذا هذه الفترة المتقدة .

“القاعدة”

بالفعل تمكن الجيش والأمن الموريتاني نهاية الأسبوع الماضي من إحباط ما يمكن وصفه بأنه أكبر مخطط حتى الآن يستهدف موريتانيا من طرف “الفرع المغاربي للقاعدة”، واستخدم التنظيم قافلة من ثلاث سيارات محملة ب 3 أطنان من المتفجرات الشديدة الانفجار، وأسلحة أخرى متنوعة، كما أسند تنفيذ المخطط إلى 9 على الأقل من عناصر التنظيم الموثوقين، بينهم 6 من قيادات ما يعرف ب “الجيل الأول”، أي الأكثر ولاء وتدريباً في صفوف التنظيم .

وليس المثير في هذه العملية حجمها، ولا تمكن “قافلة القاعدة” من عبور ولايات عدة لتصل مشارف العاصمة نواكشوط، ولا هدف العملية الذي أعلنته وزارة الدفاع الموريتانية، وهو تفجير السفارة الفرنسية في نواكشوط وتنفيذ مذبحة في الجيش من خلال استهداف ثكنة عسكرية (المنطقة العسكرية السادسة التي تشرف على أمن العاصمة والولايات المجاورة)، وإنما المثير هو ما أعلنه “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، من أن العملية كانت تستهدف اغتيال الرئيس محمد ولد عبدالعزيز شخصياً .

ولا يسجل هذا الإعلان “المحاولة الأولى” من نوعها لاغتيال رأس السلطة في نواكشوط فحسب، بل يحيل إلى مخاوف لدى أطياف في النخبة الموريتانية التي لا تخفي قناعتها بأن “الفرع المغاربي للقاعدة”، وتحديداً “كتائبه في الصحراء الكبرى”، خاضع لفاعلين إقليميين مستاءين من الدور الإقليمي الجديد للرئيس الموريتاني عزيز الذي تتواجد وحدات جيشه في موطن القبائل العربية في إقليم “أزواد” (شمال مالي)، كما يعتبره أنصار “جبهة البوليساريو” عميلاً للمخزن المغربي، فضلاً عن شكوى الجزائر مرات عدة من حصان طروادة يسهل للقوى الأجنبية نهب ثروات شعوب المنطقة تحت يافطة محاربة السلفية الجهادية .

إذاً، وفي وقت حساس، يطفو عبء إضافي على كاهل نظام نواكشوط ف “المحاولة الثانية” من القاعدة قادمة على الأرجح، والمتضررون من النظام، أو “الحيتان الكبيرة”، كما يسميهم عزيز، متوثبة للانقضاض على نظام لا ترضى به أطراف عدة داخلياً وجهوياً، والمعارضة الموريتانية تعزف لحناً غير منفرد في المنطقة . إنه “وضع طروادي” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ذلك الذي بات على نظام الرئيس عزيز مواجهته.


نقلا عن الخليج