مشاهدة النسخة كاملة : روح الأمة ....{ إبراهيم مرعي}


ام عمار
02-10-2011, 08:42 AM
روح الأمة
إبراهيم مرعي


نحن أمام نموذج جديد وفريد وغير مسبوق من الثورات الشعبية، لأنها جاءت خارج كل الحسابات والتوقعات، وخارج كل الأطر والأشكال التقليدية المعروفة للثورات .

إنه تحرك جماهيري يقدم نموذجاً جديداً لا سابق له، لذلك فاجأ الجميع بزخمه وقوته وإصراره .

كانت الثورات تتم إما من خلال حزب طليعي، وإما من خلال قائد (كاريزما) وإما من خلال الجيش . أما الآن فإننا أمام حالة جديدة، أمام حركة شعبية واسعة يمثل الشباب عمودها الفقري متجاوزة كل الأحزاب والحركات والنخب السياسية التي تحاول اللحاق بهذه الحركة وتلهث وراءها باحثة عن دور وموقع تستطيع من خلالهما أن تثبت وجودها .

لسنوات طويلة بدت الأمة العربية كأنها أصيبت باليأس أو ما يشبه السكتة الدماغية، إلى درجةٍ ظن الكثيرون أنها باتت تلفظ أنفاسها ولم تعد قادرة على أي فعل، وأن الأنظمة التي تجثم على صدرها استطاعت ترويضها ولجم حركتها بما لديها من وسائل وأدوات أمنية فرضت سيطرتها وسطوتها وشلت كل حركة يمكن أن تؤثر في هذا النظام أو ذاك .

والأحزاب السياسية التي يفترض أن تشكل رافعة للحركة الشعبية أصيبت هي الأخرى بالشلل والترهل، أو تحولت إلى أحزاب شعارات بلا مضمون، أو إلى أحزاب قيادات بلا جماهير، أو إلى أحزاب تابعة للنظام أو للحزب الحاكم، أو أحزاب أنابيب (مثل أطفال الأنابيب) . هذه الأحزاب أثبتت عقمها وعدم قدرتها على القيادة أو الاستجابة لآمال الجماهير التي تدعي تمثيلها، ففشلت وتحولت إلى ديكور سياسي .

أما المؤسسات الأمنية فإنها تحولت إلى حارسة للأنظمة من خلال دمج قياداتها بمنظومة متكاملة تعمل في خدمة الأنظمة، وبالتالي باتت بعيدة عن تطلعات الجماهير، وتحولت إلى أداة مراقبة وقمع لها تحت شعار حماية الأمن الوطني، رغم أن الكتلة الأساسية التي تتشكل منها هذه المؤسسات هي من أبناء الطبقة الوسطى أو الفقيرة .

إذن، بدت الأمة العربية أمام أفق مسدود، وكان الظن أن الأنظمة الشمولية والاستبدادية باتت قدراً لافكاك منه، إلى درجة أصبح الحديث عن الديمقراطية في الوطن العربي بمثابة حديث عن مثاليات لا يمكن تحقيقها إلا في الأحلام .

وعلى حين غرة، خرج المارد من القمقم، وكانت المفاجأة من تونس التي لم تكن في البال، وكان إقدام الشاب الجامعي محمد البوعزيزي على إحراق نفسه الشرارة التي أطلقت كل ما لدى الشعب التونسي من حقد دفين ومرير على النظام، في ثورة غير محسوبة وغير تقليدية غيرت من وجه تونس، ثم امتد الشظى إلى مصر .

لعب الشباب في كل من تونس ومصر المحرك الأساسي في هذه الحركة المبدعة التي اجتمعت حولها الجماهير بشكل غير مسبوق، وأطلقت شعارات واضحة ومحددة تعكس هموم الناس وتطلعاتهم، واستطاعت أن تنفض عن كاهل الجميع كل عوامل القهر والخوف التي استبدت به لعقود، وصارت الحرية والديمقراطية والعدالة مطلباً تصدح به الساحات المستعدة للصمود والثبات والتضحية .

هؤلاء الشباب الذين تعرضوا لظلم كبير من جانب مختلف أطياف المجتمع من خلال اتهامهم بالميوعة والخفة والتغريب والجفاف الفكري والوطني، تبين أنهم جذوة النار تحت الرماد، وأنهم قادة التغيير وبمقدورهم حمل الأمانة وتحريك الشارع .

لقد استفاد الشباب من منظومة المعلومات والتكنولوجيا الحديثة ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي المتوفرة وصيروها لخدمة أهداف المجتمع، من خلال اطلاعهم على تجارب شعوب أخرى، وإنجازات مجتمعات أخرى، ووصلوا إلى نتيجة مفادها أنهم يعيشون في أنظمة تتجاهل حقوقهم وتطلعاتهم، ومن حقهم أن يكونوا مثل غيرهم .

وهكذا تطلعوا نحو مثل وقيم عليا، ونظموا صفوفهم وقرروا النزول إلى الشارع في حركة تعبر عن تطلعهم إلى التغيير .

هؤلاء يمثلون بالفعل روح الأمة وضميرها، والوعد المأمول الذي عجز غيرهم عن تحقيقه . .

إنه طائر الفينيق يخرج من بين رماد العجز والتخاذل والقمع والجوع.


نقلا عن الخليج