مشاهدة النسخة كاملة : عواقب مواجهة رغبة الشعوب بالتغيير! (كمال جابر)


أبو فاطمة
02-07-2011, 05:12 PM
عواقب مواجهة رغبة الشعوب بالتغيير! (كمال جابر)

ما من شك أن التفاعلات الاجتماعية والفكرية والسياسية هي التي تحدد ملامح ومواصفات المسار السياسي المرغوب على الأرض، وبما يعكس حالة التفاعل واتجاهاته وما إذا كان تفاعلا إيجيابا أم سلبيا، وفقا لمحددات وقواعد يتقرر على ضوئها ما هو إيجابي وما هو سلبي، فالمسار السياسي الرسمي لأمة مهزومة منكوبة، سيكون سلبيا لأنه يعبر عن الهزيمة ويعكس نكباتها، لكنه لن يكون قدر الأمة الأوحد وإن وُجد له وكلاء متخصصون لإبقائه حالة سرمدية.
ذلك لأن التفاعلات بتنوعاتها لا تعرف الثبات أو التوقف بل هي دائبة ومستمرة لا تنقطع، هذه الديمومة هي التي تمنح الفرصة للضعيف كي يتجاوز عوامل ضعفه والمعزول كي يحرر نفسه من أصفاده الذاتية والمصطنعة، وهذا ما يؤسس لإنضاج حالة تنشد التغيير وتسعى له، حتى إذا ما تشكلت إرادة شعبية استجمعت امرها عليه فلن يكون بمقدور أية قوة أن تقف في وجهها أو تحبط مساعيها، لأن القانون الذي أوصل توجها سياسيا بعينه لسيادة المشهد، هو ذاته الذي يمنح خلافه من القوى والتوجهات الفرصة للوصول، فالقانون هو القانون يسري على الجميع والأيام دول، طالما أن الأمة حية لا تموت.
إن السعي لإحداث التغيير السياسي في العالم العربي ينبئ بطريقة غير مباشرة عن وجود قضية، تتحرك من حولها المساعي، وتتركز من اجلها الجهود، فالمطالب بالتغيير التي لا تستند لقضية ما تحركها وتدفع بها ستكون عبثية وبلا معنى، ولذلك فإن قضية العالم العربي والإسلامي بمجملها هي واحدة لا تتجزأ وفقا لخطوط التجزيء السياسي ولا تنفصل وفقا لحدود الفصل التي رسمها المستعمر، وإن تنوعت تفاصيلها الاجتماعية والاقتصادية في هذا البلد او ذاك، إلا أنها في المحصلة تبقى قضية تتصل برد الاعتبار للأمة ومكانتها وكرامتها المهدورة، والانتصار للذات المسحوقة فردية كانت أم جماعية.
ولذلك فإن أي حراك شعبي نحو التغيير هنا او هناك سيصب في المحصلة في مصلحة الامة بوصفها وحدة واحدة، همها واحد ومصلحتها مشتركة، وإذا كانت مظلمة الشعوب واحدة، فإن شدة وضوح هذه المظالم تتفاوت، فمن مظلمة شديدة الوضوح في فلسطين لا تتطلب جهدا للوقوف على أبعادها، إلى مظالم بقية الشعوب التي تحتاج لفترة كي تتضح معالمها للعامة، لذلك فقد كان الشعب الفلسطيني هو المبادر بتعليق الجرس الذي آذن لقطار التغيير بالإنطلاق، فقد كان سباقا للفعل والحراك في الميدان باتجاه التغيير لا لتميزه ذاتيا عن غيره من شعوب المنطقة وإنما لتميز (قضيته) موضوعيا، كما كانت قضيته من جهة وفعله في الميدان من جهة اخرى ملهمة للآخرين كي يتقدموا.
ففلسطين يحكمها الصهاينة المحتلون وغالب الأقطار يحكمها من يزكيهم او ينسبهم محتلو فلسطين وداعموهم، ما يجعل من خطوط الدفاع الأولى عن أمن الكيان الصهيوني تمتد مئات وآلاف الكيلومترات ما خلف حدود فلسطين، ولذلك فإن القلق الذي بات واضحا لدى قادة الكيان من التطورات المتسارعة في الساحتين التونسية والمصرية يؤكد بأن قضية هذه الشعوب وثورتها تتصل بفلسطين بطريقة أو بأخرى، لأن الأنظمة المستهدفة فيها تمثل مصلحة بالغة للاحتلال تتعلق بأمنه وديمومة بقائه، وإن تساقط هذه الأنظمة ومثيلاتها يعني تهاوي الأذرع الخلفية للكيان الصهيوني التي ما برحت تمارس سياسة داخلية وخارجية عنوانها السلامة لإسرائيل والبقاء لكيانها المجرم، كما يعني تساقط هذه الانظمة انكشاف الكيان أمام التهديد الذي يواجهه وجوديا لأول مرة منذ إقامته، وهذا هو سر الخوف والقلق الذي عبر عنه قادة الكيان بوضوح تجاه ما يجري في المنطقة.
لقد سبق وأشرت إلى أن من يمكرون لمصالح هذه الامة ودورها المفترض، يدفعون في كثير من الأحيان ثمن إساءة تقديرهم للموقف الصحيح تجاه قضايا ومسائل معينة أضعافا مضاعفة، كما أنهم لا يتعلمون الدروس من أخطائهم السابقة، ففي فلسطين تم التنكب لنتائج الانتخابات التشريعية المنصرمة في مواجهة واضحة لإرادة الشعب الفلسطيني، فكانت النتيجة أسوأ في حق من تنكب لها وأبلغ دلالة، فيما لو اعترفوا بها وسايروها وتحايلوا عليها، وذات الأمر يتكرر فيما يتعلق بالمشهد المصري تحديدا، لكن هذه المرة تمت مواجهة الإرادة الشعبية بشكل مسبق عن طريق التزوير الواضح والمفضوع لهذه الإرادة في انتخابات مجلس الشعب المنصرمة كذلك، فيما ينم عن مفاصلة إقصائية ورغبة جارفة بإلغاء الآخر ونفيه وتهميشه، في إشارة للتأكيد على حجم الكابوس الذي تسببت لهم به غزة، لكن ماذا كان يضير النظام البائد بإذن الله، لو أنه سمح بفوز بضع عشرات من مرشحي الإخوان المسلمين ومثلهم من بقية الأحزاب مع احتفاظه بالأغلبية المريحة كما كان عليه الحال في المجلس السابق؟ لا شيء في واقع الحال، ولكنه الكبر والتجبر والتفرعن الذي لا يترك من فرصة أمام المستهدف سوى قبول منطق المفاصلة والإقدام على خوض غمار التحدي، وهذا هو الذي يجري في مصر حاليا، فهل يعتبر الطغاة ويتعظ المتجبرون؟

نقلا عن المركز الفلسطيني