مشاهدة النسخة كاملة : اليوم، غداً


ابن تيارت
02-05-2011, 11:46 AM
سعد محيو
في خريطة تفاعلية جميلة للوطن العربي نشرتها “فاينانشال تايمز”، وردت المعلومات البسيطة التالية:

البلدان التي شهدت اضطرابات اجتماعية مؤخراً: تونس، الجزائر، مصر، الأردن، واليمن .

البلدان التي يقل فيها دخل الفرد السنوي عن 5000 دولار: الجزائر، تونس، المغرب، موريتانيا، مصر، سوريا، الأردن، واليمن .

البلدان التي يفوق فيها عدد الشبان نسبة ال 29 في المئة: الجزائر، المغرب، تونس، مصر، الأردن، سوريا، اليمن، عُمان .

هذه المعطيات لم تك لتشكّل أهمية أو فرقاً قبل شهرين فقط . إذ هي كانت مجرد نقطة في بحر التقارير والدراسات الدولية والإقليمية التي هطلت كالسيل طيلة العقدين الماضيين، والتي تحدثت بإسهاب عن الانفجار الديموغرافي الكبير في الوطن العربي، وما يُفترض أن يواكبه من اضطرابات اجتماعية وسياسية، ما لم يسبقه نمو اقتصادي وانفتاح سياسي مطابق له .

بيد أن الصورة لم تعد كذلك . فكل رقم علمي، اجتماعياً كان أو اقتصادياً أو تعليمياً، يُرمى في الفضاء العربي، يُحدث فرقعة صوتية مُدوّية لأنه بات يترافق مع فرقعات أخرى، سياسية هذه المرة . وهذا يحدث، وهنا المفارقة الكبرى، في معظم البلدان العربية على رغم تباين معطياتها التاريخية وتراكيبها الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية .

الأردن يُقدّم نموذجاً توكيدياً فاقعاً على هذه الفرضية . فهذه الدولة تميّزت باستقرار سياسي مديد، على رغم أنها عاشت، ولاتزال، في عين العواصف الإقليمية وفي القلب منها القضية الفلسطينية . ما كفل هذا الاستقرار كان التركيبة الاجتماعية الخاصة لهذا البلد: قبائل أردنية شرقية تقابلها مجموعات سكانية فلسطينية، ما سهّل ضرورة وجود سلطة ملكية تُوازن بين هذين العنصرين، وتضمن وجود واستمرار الكيان الأردني نفسه .

هذه المعادلة لم تهتز قيد أنملة طيلة 60 عاماً، طبعاً مع حراسة مشددة من جهاز مخابرات قوي وجيش عشائري متماسك . بيد أنها تفعل الآن .

فالتظاهرات الأخيرة التي اجتاحت الأردن طالت للمرة الأولى كل أطياف اللون الاجتماعي، من القبليين الريفيين الفقراء إلى الطبقة الوسطى المدينية، ومن اليساريين إلى الإسلاميين، وصولاً إلى الضباط المتقاعدين .

ما وحّد كل هذه الفئات التي كانت متنابذة في الماضي هو أولوية جديدة طبقية - اجتماعية حلّت مكان الأولويات ما قبل الوطنية العشائرية والجهوية، مشفوعة بالاكتشاف الشعبي بأن الطريق إلى الحقوق الاقتصادية يمر عبر الإصلاح السياسي .

يُحسب للملك عبدالله الثاني أنه استجاب لهذه الموجة المطلبية بدل مناطحتها، كما تحاول بعض الحكومات العربية أن تفعل الآن . بيد أن هذه الخطوة في الاتجاه الصحيح قد يثبت بعد حين أنها كانت “ناقصة” إذا ما اقتصرت على تغيير الوجوه والأعتاب، ولم تبدأ بتحقيق إصلاحات سياسية ودستورية حقيقية .

لقد اختارت المعارضة الأردنية طريق الإصلاح لا الثورة . طريق تطوير النظام الملكي لا تغييره . لكن، إذا ما لم يتحقق الإصلاح الحقيقي، ستكون القوى الاجتماعية الأردنية في وارد الرقص على حوافي ما هو أكثر من الإصلاح . فالظروف المتشابهة في البلدان العربية ستدفع في خاتمة المطاف إلى محصلات مشابهة .

والأرجح أن هذا بالتحديد هو ما دفع صحيفة رزينة ك”فاينانشال تايمز” إلى وضع كل البلدان العربية في رزمة واحدة، داخل خريطة أزمات واحدة

"""عن الخليج"""