مشاهدة النسخة كاملة : جرعات للأمل بالتغيير


ابن تيارت
02-05-2011, 11:35 AM
سليمان تقي الدين


حصل المواطن العربي على جرعات من الأمل في التغيير . كانت تونس الحلقة الضعيفة شبه المنسية القليلة التأثير في محيطها . الدكتاتورية والفساد والأزمة الاجتماعية حرّكت شارعاً متمدناً حداثوياً انتفض استجابة لنداء الغضب لضيق فرص العيش والعمل . حصلت إجماعات وطنية من قوى المعارضة وهي تعمل على تجذير التحول الديمقراطي .

في لبنان تكراراً التغيير يأتي “من فوق”، وبتوازنات سلطوية يفرضها الشارع . الشارع والسلطة يحملان التباسات عدة . فلا الشارع حركات اجتماعية صافية، ولا السلطة تغيير ديمقراطي صاف .

في جميع الأحوال، في لبنان ودنيا العرب، وفي العالم، هناك آليات وأساليب مختلفة وحدود للتغيير . هناك مشترك أساسي اليوم هو المطلب الديمقرطي، التداول السلمي للسلطة والمشاركة، مكافحة الفساد، اعتماد سياسات تنموية سليمة من وحي الحاجات الوطنية، اعتماد شبكات الأمان الاجتماعية وتكافؤ الفرص . لا تشكل هذه العناوين “ايديولوجية” متكاملة ولا منظومة فكرية وسياسية واحدة . الوطني في هكذا برنامج يتسع ويضيق تبعاً لظروف كل بلد . معالجة التبعية، المديونية العامة، الخصخصة، الحفاظ على القطاع العام أم تفكيكه، الاقتصاد الريعي أم المنتج، مشاركة الدولة في التوازن الاقتصادي أم في الاحتكار والفوضى .

عانى لبنان منذ عقدين سياسات جمعت بين التشويه الديمقراطي والفوضى الاقتصادية . جرى التلاعب بالدستور وبقوانين إنتاج السلطة، واتخذت قرارات اقتصادية احتكارية “مافياوية” جرى الاستيلاء من خلالها على مقدرات اللبنانيين وتدمير الكثير من مكتسباتهم الاجتماعية . لم يسبق للبنان أن شهد مثل هذا النهج ومن الاستيلاء الفئوي على مقدراته . ففي ظروف أقل سوءاً انتفض اللبنانيون على الفساد، وعلى تضييق هامش الحريات، وعلى الانحراف بالسياسة الخارجية . لكن تفاقم الأزمة الطائفية اليوم لجم حركة التغيير وشكل تواطؤاً على حماية مواقع الانحراف . في لحظة من السعي لكبح جماح السياسات الجائرة المناقضة لكل توجهات “الطائف” ومكتسبات الدستور الإصلاحية، كادت البلاد تدخل في انشطار عميق، ما أدى إلى ظهور تيارات فاشية في الجماعات الطائفية، أو ما يمكن وصفه باليمين الجماهيري المحافظ المناهض للمس بالخيارات المعتمدة اقتصادياً واجتماعياً . لكن العصب الحقيقي الذي رعى ودعم هذه السلطة كان المستوى غير المسبوق من التدخل الدولي الضاغط لحماية هذه السلطة وتغطية هذه الحماية باستخدام أدوات الشرعية الدولية . كما أن حجم الدعم المالي الذي جرى من خلاله استقطاب النخب السياسية العليا والوسطى فاق كل تقدير . ضخ الأطراف الدوليون والإقليميون فائضاً هائلاً من المال السياسي على الانتخابات النيابية، وعلى وسائل الإعلام والجماعات الكبيرة والصغيرة . لكن حماية هذه السلطة لم تعد ممكنة نتيجة تداخل الأزمة الاجتماعية والمسؤولين عنها مع خيارهم السياسي المعاكس لمصالح البلاد الوطنية في الأمن والاستقرار، ونتيجة اعتراض متعاظم من أجنحة طائفية وجماعات على هذا الخيار ومضاعفاته .

إذا كان هناك من ضغط جرت ممارسته لتحويل موقف قيادات أو كتل نيابية، فهو هذا المناخ الجديد الذي وضع البلاد بين حدّي التغيير أو الفوضى الأهلية العارمة . غير أنه من السابق لأوانه الحديث عن تغيير عميق، أي عن تعزيز المسار الديمقراطي في ظل المؤسسات القائمة حالياً . هناك مهمة أولى هي كسر حدة الاستقطاب الطائفي . الإنجاز السياسي الفعلي في التطورات الأخيرة هو إعادة إنتاج شكل من أشكال التعددية السياسية في كل الطوائف . يحصل هذا التعدد على شكل تمايز في الأداء والسلوك ومقاربة المسائل الحيوية، وهذا أمر مهم جداً لا نستطيع من دونه إيجاد تفاهمات وطنية . هذا التحور يمكن أن يؤسس عليه لاقتراح إصلاحات في النظام السياسي تلغي الاحتكار الطائفي داخل الجماعة وعلى مستوى مؤسسات الحكم ورموزه .

قد لا نكون بصدد انتخابات مبكرة، لكن قانوناً جديداً يقر على أسس صحيحة يمكن له أن يسهم كثيراً في تراجع حدة الخطاب الطائفي . هناك خطوات عاجلة تستطيع أن تستعيد هيبة الدولة وعقلنة الممارسة السياسية . في مقدمة الإجراءات تنظيم سلطة العدالة ومرجعية القانون . السياسيون لا يصححون فساد السياسة للقضاء المستقل النزيه الفعال والكفؤ الدور الأول في المحاسبة والمساءلة . مقدمة الدستور هي الميثاق الوطني الذي يجب أن يصاغ مشروع الدولة خلاله . الدولة ليست توزيع سلطات، بل هي سلطة واحدة تنبثق عن العقد الاجتماعي الذي يمثل المشتركات بين مكوناتها الإنسانية . لا نحتاج إلى برنامج تغيير في لبنان، بل إلى صياغة برنامجية عملية لتطبيق مبادئ مقدمة الدستور . إذا كان هناك من سعي جدي للإنقاذ في لبنان فهو في استعادة النقاش حول تفصيل هذه المبادئ ورفض الجدال على أساس تقاسم السلطة وتوازناتها



"""عن الخليج"""