مشاهدة النسخة كاملة : أنا فهمت ...فمتى يفهم الآخرون؟ ( أدي ولد آدب)


ابو نسيبة
01-31-2011, 03:51 PM
أنا فهمت ...فمتى يفهم الآخرون؟ ( أدي ولد آدب)

أنا فهمت..هذه جملة كررها زين العابدين بن علي، بصوت متهدج، حينما شعر بخفق أقدام المتظاهرين، ودوي هتافات الجماهير المحتجة قد بدأ يزلزل قوائم كرسيه التي كان يظن أن خمس دورات رئاسية كافية لترسيخها – عميقا – في بلاط قصر قرطاجة ،وعندما شعر بزلزلة الكرسي ترعد فرائصه انجلى الغشاء الكثيف عن بصره، وصحت بصيرته المسحورة بنشوة الاستبداد، ليفهم فجأة، بعد أكثر من عقدين من الحكم – أن للشعب تصورا ورؤية لواقع الحياة العامة في تونس ، يختلف تماما عما يعيشه زين العابدين داخل عالمه التونسي الخاص.
وهنا لم يتردد لحظة في أن يلقي باللائمة والمسؤولية على أفراد من حكومته، مقدما إياهم قربانا للثورة، وفداء لكرسيه الذي كان هزازا، فأصبح مهزوزا، بين عشية وضحاها.
ونظرا لأن فهم زين العابدين فد جاء متأخرا جدا، فذهب ضحية كسل تفكيره في العواقب، فإننا جميعا مطالبون بترويض الفهم وتنشيطه باستمرار، لأن الحياة كتاب عميق، لمن يقرأ العبر بين سطوره، ببصيرته أكثر من بصره، ليفهم ما لم يفهمه بن علي.
-فأنا فهمت أن جميع حكام العرب من المحيط إلى الخليج يجب أن يسارعوا إلى تفهم الظاهرة التونسية في سياقها السياسي العام، إن لم يرق لهم مصير زميلهم الشاخص للعيان.
-أنا فهمت أنهم الآن ما زالوا- تحت تخدير مستشاريهم المضلين - يمارسون لعبة النعامة، فيدفنون رؤوسهم في بروجهم العاجية، ويقولون: نحن مختلفون عن تونس، ومقارنتنا بها "قياس مع وجود الفارق"، وهذا صحيح، إذا أريد به أن الوضع التنموي في تونس أفضل بكثير منه في أخواتها العربية، مما يعني أن شعبها إذا كان "أراد الحياة" فاستجاب له "القدر"،بسقوط "الظالم المستبد"،فإن ثورة الشعوب العربية الأسوأ وضعا ستكون من باب أولى.
-أنا فهمت أن خوف الشعوب من قامعيها، بمجرد ما ينفتح أمامه ثقب صغير في جدار الصمت، سرعان ما ينفجر ثورة شعبية عارمة، تسري عدواها حتى إلى أعتى جلاديها، فإذا بالشرطة تحتج وتتظاهر جنبا لجنب مع الشعب، بعدما كانت حارسة "الهيكل" وقامعة المظاهرات، وجهاز أمن للسلط الفاسدة، وغول ترويع وإرهاب للشعب.
-أنا فهمت أن الشعوب العربية لن تخدع أبدا بالإجراءات المنافقة التي تحاول امتصاص الغضب الشعبي، مُرَاءَاةً بتخفيض الأسعار، وغيره من الحركات البهلوانية، التي لو كانت صادقة لأنجزت في ظروف سابقة على ثورة تونس، ولتواصلت بعدها، ولكانت نابعة من إرادة وطنية داخلية مخلصة لشعبها.
-أنا فهمت أن الشعوب لعربية، قد سدت أمامها منافذ الأمل والعمل، وخنقت حرياتها، وديست كراماتها، ونهبت ثرواتها، حتى أصبحت نار الله الموقدة أرحم لديها من نار الظلم والهوان، فكانت "كالمستخير من الرمضاء بالنار"، وأشعلت النار في الشوارع والأجساد، بعد طول اتقادها في النفوس والأكباد، ومن ذا الذي يقتحم النار إذا لم تكن معاناته أقسى من النار نفسها؟! "فظلم ذوي القربى أشد مضاضة".
-أنا فهمت أن أحكام الطغاة هشة جدا، لأنها مؤسسة على وهم نجرسي مريض، ولذلك سرعان ما تلاشت هيبة كرسي الرئاسة في تونس، وتهاوت دعائمه أمام صرير عربة خضار في منطقة شعبية مهمشة.
-أنا فهمت أن العلاقة بين الحاكم الفاسد وبطانته السيئة علاقة هشة وزئبقية، لايعول عليها من الطرفين، فبقدر ما يسهل على الحاكم مسح جرائمه وأخطائه في أثواب بطانته، وتقديمهم قرابين للثورات، والفرار عنهم بجلده، إذا سمحت له الفرصة، وتركهم في مهب العاصفة فريسة عزلاء في مواجهة غضب المظلومين الثائرين ،فكذلك يسهل – أيضا – على هؤلاء البطانة، إذا تأكدوا من زوال سلطان الحاكم أن يتنكروا لعلاقتهم به، وأن يبدلوا جلودهم، وأقنعتهم، وألسنتهم، وولاءاتهم، مسددين إلى ظهره – لا صدره طبعا – قذائف اللعنات الجبانة، بعد كيل المديح والتهويل والتضليل.
-أنا فهمت أن الدكتاتورية الظالمة ليست لعنة على أصحابها وحدهم، بل وعلى محيطهم العائلي، وجهازهم الحكومي، وإطارهم السياسي. فبمجرد ما يسقطون من عليائهم الموهومة يلتهم الغضب عليهم كل من كانوا يتشرفون بالتقرب إليهم زلفى بأي آصرة كانت، ولهذا ينبغي للحكام ومحيطهم بمستوياته الآنفة، أن يفكروا دائما في تحسين عواقب مصائرهم المجهولة، لأن يوم حسابهم آت لا محالة، إما في العاجلة أو الآجلة، أو فيهما معا.
-أنا فهمت أن الدكتاتور يستمد كل مقوماته ومكانته من الكرسي أكثر من شخصيته الذاتية، ولهذا فهو – ربما – معذور في تعلقه بذلك الكرسي وتماهيه معه، لأنه ما يكاد ينتزع من فوقه حتى تتهاوى منظومة علائقه كلها، فيتحاماه الرؤساء العرب الباقون في كراسيهم، تشاؤما بمصيره، ويسدون أمامه منافذ حدودهم برا وبحرا وجوا، ويذودونه عنها ذود البهائم الجرباء عن حياض المناهل، خوفا من عدوى السقوط الذي يتشبع بجراثيمه وفيروساته الخطيرة.
كما أن حماته السابقين من حكام الغرب النفعيين، يدعمون الدكتاتور العربي، ما دام متمكنا، حرصا على مصالحهم، ولكنهم يمجدون الثورة عليه ويشجعونها، فور ما يتأكدون من إطاحتها به، حفاظا على سمعتهم الديمقراطية المغشوشة...المزورة.
-أنا فهمت أن إسرائيل التي يطبل لها ويزمر في أبواق العالم بأنها – في زعمهم-الدولة الديمقراطية الوحيدة في محيط الدكتاتوريات الشرق أوسطية– هي في الواقع حارسة تلك الدكتاتوريات في العالم العربي، لأنها تخاف من الأحكام الديمقراطية التي ستساير – لا محالة – نبض الشعوب التي أوصلتها إلى السلطة. وهذا ما صرح به نائب الرئيس الإسرائيلي في مناحته المفجوعة على عهد بن علي الآفل، الذي اعترف بأنه كان من أكبر خدامهم في المنطقة، والله أعلم متى ستنكشف بقية أسرار الحكام الآخرين مع إسرائيل، فربما يكون ما خفي أعظم، وما وثائق ويكيليكس، والجزيرة عنا ببعيد.
-أنا فهمت أن النخب السياسية والثقافية والنقابية الفاسدة المفلسة ليست خير معيار لقياس حيوية ضمائر الشعوب العربية، ونبض شوارعها، فأولئك النخب زبد يذهب جفاء،بينما الحركات الشعبية هي درر الأعماق التي تنفع الناس وتمكث في الأرض، فإذا طال انتظارها للغواصين المهرة، كسرت أصدافها وأصفادها، وأخرجت نفسها بنفسها، لتتنفس فضاء الحرية دون استجداء للمنشغلين بالصيد في المياه العكرة.
-أنا فهمت أن هذه النخب السياسية والثقافية حين تفلس فكريا، وتعجز عن فعل التغيير، تصبح الشعوب الناضجة هي قائدة نفسها، ورائدة النضال والتغيير، بينما تبدو النخب والتشكيلات السياسية والنقابية مجرد توابع لها، تقتات من فتات ثورة الشعب، بعدما تفشل في سرقة الثمرة التي لم تضح من أجل اقتطافها.
-أنا فهمت أن الفرق بين ثورة الشعب ،وثورة النخب السياسية، وانقلابات العسكر، هو شحنة الصدق في الدافع الجماعي، وخلو الحركة التغييرية من المآرب الشخصية الفردية الآنية.
-أنا فهمت أن الفرق بينا لهبة والثورة، هو أن الأولى فورة خاطفة وآنية، يسهل التحايل عليها، أما الأخرى، فهي حركة جذرية، تحمي نفسها بنفسها، ولذلك رفض الشعب التونسي أن يلتف النظام الذي أسقط رأسه على ثورته، أو تلتف عليها التشكيلات الحزبية التي وجدت الحكم – بعدما عجزت عن الوصول إليه – في متناول يديها،على طبق من ياسمين تحمله عربة خضار، حيث واصلت الثورة الشعبية التصدي بوعي وإصرار لكل محاولات الاستحواذ مجانا على ثمار نضالها، مما يعني أن خداع الشعوب لم يعد سهلا مثلما كان سابقا.
-أنا فهمت أن صفة "الشعبي"،التي تعبئها "النخب"-دائما-بحمولة قدحية،تحط من شأن الموصوف بها،قد أصبحت تستحق-بجدارة-الحمولة الإيجابية التي يشحنون بها مصطلح "النخبة"، وهكذا يتحول وصف "الشعبوي" مدحا،ووصف "النخبوي" قدحا،فقد آن أن ترتدع"النخب" عن استهانتها بالشعوب،في الوقت الذي تعتاش فيه على حسابها،حتى لا ينطبق عليها المثل القائل:"يأكل الغلة،ويسب الملة"
-أنا فهمت أن الشعوب العربية قد فهمت الدرس التونسي الرائع، وقد باشرت تطبيقه مباشرة، أولا في مصر، والبقية تأتي.
-وأخيرا صحيح أن الرئيس التونسي الهارب قد فهم، ولو بعد فوات الأوان، والشعوب العربية بدأت تفهم قبل فوات الأوان، وأنا قد فهمت – أيضا كل هذه التداعيات المستوحاة من المشهد السياسي، ما بعد الثورة التونسية، والرئيس حسني مبارك ما زال يكابر في فهم الدرس التونسي، الذي يكتبه الشعب في شوارع المدن المصرية كلها ...ولكنه سيفهم عاجلا أم آجلا...فمتى سيفهم بقية رؤساء العرب قبل فوات الأوان؟

نقلا عن الأخبار