مشاهدة النسخة كاملة : ماذا يحدث في مصر؟ { عدنان كنفاني }


أبوسمية
01-30-2011, 03:38 PM
ماذا يحدث في مصر؟ ( عدنان كنفاني)

في الوقت الذي حاولت فيه كل القوى، سواء الخارجية، وبخاصة صاحبات مشاريع التجزئة والاستلاب، أو من داخل السلطة في مصر، أن توحي وتعطي صورة سلبية عن شعب مصر، وإطلاق توصيفات، بعضها بشكل علني، وبعضها سرّاً، أو تلميحاً، مرة بأنه شعب سعيد راض عن سلوك النظام، يعيش في بحبوحة وعدالة، وتحت ظلّ قانون يراعي ويحاسب الكلّ سواسية في مصر، ومرات على أنه شعب يغطّ في سبات شتويّ وصيفي عميق، وأنه شعب مخدّر وكسول وخانع، كنا، ومن خلال استحضار مواقف تاريخية مهمة من تاريخ شعب مصر، ومن تاريخ شعوب المنطقة، كنا على يقين بأن شعب مصر، شعب كبير وأصيل، وشعب ينتمي بكليته إلى منظومة الأمّة العربية بامتياز، وشعب صابر، صبر طويلاً، وتحمّل كثيراً، لكنه، ومنذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، واقتصاص شعب مصر من السادات، كان يأمل من الآتين بعد السادات أنهم على فهم بطبيعة الحراك الشعبي، وأمنيات الشعب، وأنهم سيعيدون مصر إلى موقعها الطبيعي، ويخرجون بمصر من مستنقع التخاذل والتنازل، ومن اصطفافها إلى جانب المشروع المضاد الذي استباح القرار الوطني المستقل لمصر، المشروع العابث أولاً وأخيرا بكرامة وكبرياء شعب مصر.
وكان لا بد لنظام كهذا، أن يلوّح في كل مناسبة، بل ويستعمل في مناسبات كثيرة، القوّة المفرطة لقمع الشعب المصري، وتفقيره إلى حد الجري وراء "رغيف الخبز"، وتغييب حقوقه الشرعية في توفير أبسط الخدمات الإنسانية، وفي توفير الحد الأدنى الذي يحتاجه البشر من غذاء ودواء وحماية، ومن جانب آخر، يرخي الحبل على الغارب لرموز السلطة من الإقطاعيين والفاسدين ليسرقوا، كما يحلو لهم ودون حساب ولا رقابة، قوت الشعب المصري.
أن تعتمد دولة كبيرة كمصر على معونات سنوية خارجية هزيلة، وتصبح هذه المعونات أساساً في ميزان الاقتصاد المصري، وعلى حساب استلابات، أقل ما يقال إنها صادرت قرار مصر الوطني والقومي من خلال اتفاقيات معلنة وسريّة، وتجاهلت باحتقار شديد أمنيات وطموحات الشعب المصري لحساب جهات أجنبية، وداخليه فاسدة، بل وقيّدت الحراك التنموي في مصر، الزراعي والصناعي، وبسببها، ومن خلالها، تمت الخصخصة، وبيعت مؤسسات كبرى وإستراتيجية للقطاع الخاص، وهذا القطاع الخاص المعني، هم شلّة الفاسدين أنفسهم من رموز النظام، ومن يمشي في ركابهم، وكذلك في الشأن الزراعي، والكل يعلم ويعرف ثروة مصر في أرضها ومياهها، وقدرتها على توفير كل حاجات الشعب المصري والعربي أيضاً، أن يحدد مساحة ما يُزرع من أقماح، وغير الأقماح من مزروعات تعتبر إستراتيجية في عرف الدول التي تملك قرارها وثرواتها.! وفي بعض تلك الاتفاقيات تمويل مصر بالأقماح الأمريكية، كجزء من المساعدات، وهي، كونها قوت أساسي للشعب، يمكن ممارسة ضغوط هائلة من خلالها، وهذا ما تابعناه جميعاً في أزمة الخبز في العام الماضي.!
الشعب المصري يدفع من قوت يومه ثمن "أنبوبة الغاز" أعلى بكثير من ثمن الغاز الذي يصدّر للكيان الصهيوني.!
مشروع جر مياه النيل إلى الكيان عبر سيناء، مشروع قائم، في الوقت الذي تفتح مساحات هائلة من أرض مصر ذراعيها للعطش والجفاف والبؤس.!
الادّعاء بأن الفلسطينيين في غزّة يريدون احتلال مصر.!
بناء جدران فولاذية أرضية وفضائية على الحدود بين مصر والقطاع، وتشديد الحصار على القطاع استجابة لرغبات (إسرائيل) وأمريكا وأوروبا.؟
إجهاض كل قرار أو توجّه عربي قومي، أو دولي يسعى إلى فكّ الحصار عن غزّة، وفي منع وتعقيد موضوع المصالحة بين الفلسطينيين.!
العلم "الإسرائيلي" المرفوع على سطح سفارة الصهاينة في قلب القاهرة.!
موقف مصر من مشكلة السودان، وتسهيل النظام المصري بالتعاون الكامل في غزو العراق، وفتح قناة السويس لعبور آلة الحرب الأمريكية.!
اتفاقية "السلام"، الشمّاعة التي يتوارى وراءها النظام على أنها قدر مصر، وغير القابلة للتعديل والإلغاء.!
الرشوة التي أصبحت مسار حياة في مصر، وأقسام الشرطة والمشافي ودوائر الخدمات التي أصبحت دكاكين تجارية، ومصايد دعارة وابتزاز.!
سطوة الأمن المركزي الذي أشبع الشعب المصري قمعاً وضرباً وإذلالاً.!
التعليم.. الصحة.. فرص العمل.. سطوة الحزب الواحد.. الفساد بكل أشكاله وألوانه.!
ولا يقتصر الأمر على الشأن المصري الداخلي، بل تسخير مصر لتكون العصا المؤدّبة لكل توجّه عربي قوميّ، ولإجهاض أي تطلّع للقيم والثوابت الوطنية والقومية التي يتطلّع العرب جميعاً إليها كطريق للتحرر والخلاص من الظلم والتبعية..
أن تكون مصر في هذا الموقع الذي لا يعبّر أبداً عن مصر كقوّة عربية، بل كأكبر قوّة عربية جيشاً وموارد وقوّة بشرية وموقع، هو امتهان صريح لكرامة الشعب المصري.
وهذا غيض من فيض مما يعانيه شعب مصر على وجه الخصوص، والأمّة العربية بشكل عام، راكمت غضب الشعب المصري، وكان لا بد أن ينتفض الانتفاضة الكبرى التي تحسم كل شيء، وتعيد إلى مصر والمصريين الوجه الأصيل المشرق.
لقد انتفض الشعب المصري مرات ومرات، وفي كل مرّة كانت النخب السياسية هي التي تقود تلك الانتفاضات، وفشلت.. في العام 1977 أطلق السادات على انتفاضة المصريين "انتفاضة الحرامية"، وتحركات أخرى لم تصل بحدودها العليا إلى تلبية طموح الشعب المصري.
إنها مسألة تراكمات تراكبت بشكل عبثي منذ اتفاقيات كامب ديفيد، ومنذ توقيع اتفاقية "السلام" مع الكيان الصهيوني، وتبادل السفراء، وفتح أبواب مصر كلها، الحياتية والاقتصادية والسياسية والثقافية من أجل التطبيع مع الكيان، وهذا لم يتحقق على المستوى الشعبي، على الرغم من تشجيع النظام، وتسهيل كل وسائل الاتصالات.
وسط كلّ هذا البؤس السياسي، والاجتماعي، وبعد أن وصل الحال إلى ما وصل إليه، انتفض شعب مصر هذه المرة.. كسر حاجز الخوف، وانطلق بعفوية مطلقة يعبّر عن نفسه..
ليس لأي جهة سياسية أو نقابية، أن تدّعي أنها حرّكت غضب الجماهير، هي ثورة عفوية، تنتظر الآن، بعد أيام من الصمود، أن تخلق قيادة لها قادرة على التمسّك بمطالب الناس، وقادرة على تغيير الخارطة السياسية في مصر، مرة وإلى الأبد.
النظام في مصر يتهاوى، ويتساقط تحت ضربات الجماهير التي تنادي بمطلب واحد يتضمّن الحلّ لكل المسألة، إزاحة النظام، ورموزه، وهيكله، وكل ما يجري الآن هو لعب النظام في الوقت الضائع.
يبقى أن نقول، بل يفرض الوضع الجديد علينا أن نقول: ما هو المطلوب الآن.؟
لقد قال الشعب كلمته، وأعلن موقفه بشجاعة وتصميم، لكن ذلك كله بحاجة إلى إطار سياسي يلبي تطلعات الناس، ويعمل على التغيير الإيجابي من خلال قيادة وطنية واعية ومنظمة.
إن قلوب وأفئدة شعوب الأمّة العربية كلها مع الصامدين في ميادين وشوارع مصر، كل مصر، ونلهج جميعاً بالدعاء أن يحفظ الله مصر، وشعب مصر، وأن ينصرهم النصر المؤزّر الذي يعيد مصر إلى طليعة الحراك الوطني والقومي العربي.

نقلا عن المركز الفلسطيني