مشاهدة النسخة كاملة : مسؤوليات المدرسة تجاه سوق العمل


ahmed
02-09-2010, 01:53 AM
في ندوة عقدها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي لمناقشة التعليم وسوق العمل في دول مجلس التعاون أعيد طرح موضوع مسؤولية المدرسة في عدم تخريج طلاب مهيُئين للإنخراط في سوق العمل حال تخرُجهم. هذا الإتهام يثير نقطة ويطرح سؤالاً.

النقطة تتعلٌق بمسؤولية القطاع الخاص والقطاع العام التدريبيُة لتمكين الطالب المتخرج من القيام بوظيفة أو مهنة محدُدة. فالمدرسة لايمكن أن تقوم بتأهيل الطلبة ليقوموا بعد تخرجهم مباشرة بالقيام بكفاءة واقتدار بمهام الألوف من أنواع الوظائف. هذا أمر مستحيل وغير منطقي.
الذي يستطيع القيام بتلك المهمة هي جهات التوظيف والتشغيل. ولذلك فالذي تطالب به جهات التوظيف، وعلى الأخص في القطاع الخاص، هو نوع من الانتهازية والابتزاز لتتهرًب من مسؤوليتها الاجتماعية والأخلاقية تجاه العمالة الجديدة.
أما السؤال الهام فهو: ماهي مسؤولية المدرسة تجاه إعداد خريجيها للإنخراط في سوق العمل مستقبلاً ؟ الجواب المنطقي هو أن تعد المدرسة طلابها ليكونوا قابلين وصالحين وقادرين على الإنخراط في أية عملية تدريبيًة تقوم بها، جهات التوظيف لجعلهم قادرين على القيام بكفاءة بمهام الوظائف المسندة إليهم في أمكنة العمل. المدرسة لا تحلٌ محلّ جهات التوظيف التدريبية وإنما تجعل الخريج قابلاُ بيسر وسهولة للتدريب، ثم الإنخراط في العمل.
فأيٌ تهيئة يجب أن تقوم بها المدرسة لتكون قد قامت بواجبها المطلوب؟ الجواب في رأيي يتعلق بجانبين. الجانب الأول يتلخُص في إعداد معرفي وثقافي جيٍّد وأساسي. يجب أن يتمكن الطالب تمكُنا ممتازا من استعمال لغته الأم، قراءة وكتابة وتعبيراً، وتمكناً جيداً من لغة أجنبية دولية ذات فائدة كبرى، من مثل اللغة الانكليزية حالياً. اللغة الأم واللغة الثانية ستحلٌ مطلب قدرته مستقبلاً على التواصل، حديثاً وكتابة وقراءة مع الآخرين ومع مصادر المعرفة ومع ثقافته القومية وثقافة عالمه العولمي. يجب أيضاً أن يكون له إلمام أساسي قوي بالرياضيات والعلوم لأنهما ضروريان في عالم المعرفة والتكنولوجيا الحالي، وإلمام واسع بالعلوم الإنسانية والاجتماعية لفهم هذا العالم المعقًّد والإنخراط في حياة مجتمعه الخاص والعام.
الجانب الثاني. والذي لايقل أهمية عن الأول، هو بناء الشخصية: عقلاً ومشاعر وروحاً وقيماً. المناهج والصف والمدرسة، بقيادة مهنية عالية المستوى من قبل المعلم الممتهن المثقًّف الملتزم المبدع، يجب أن تبني مكونات تلك الشخصية المتوازنة الناضجة. من بين تلك المكوٍّّّّّّّّّنات: القدرات العقلية العليا المتمكنة من ممارسة التحليل والتجميع والتفكيك والنقد والتجاوز، القدرة على ممارسة الشك واليقين، على الحوار والتسامح والموضوعية، على عدم التفريط بالقيم الدينية والإنسانية العليا من مثل العدالة والحرية والاستقلالية والمحبة والتضامن والصدق والنزاهة. شخصية تعطي مثلما تأخذ، لا تمارس الاستغلال والهيمنة ولا تخضع للاستبداد ولا تمارس الانتهازية. وأخيراً هي شخصية قابلة للتعلم مدى الحياة برغبة وسعادة وحرية.
صفات مثالية حالمة؟ نعم، ومع ذلك يجب أن تسعى المدرسة لغرس أكبر عدد منها في عقل ووجدان الطالب.
هذه هي مهمًة المدرسة في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، أما الجامعة فلها مهمات أخرى إضافة إلى هذه المهام التي ذكرنا، بما فيها الإعداد المهني والتخصصي والبحثي.
هذا النوع من الإعداد ليس مطلوباً فقط لإعداد قوى عاملة مستقبلية وإنما هو أيضاً إعداد ضروري لإعداد مواطنين مسؤولين فاعلين وحاملي زخم التغييرات الكبرى في مجتمعاتهم، وهو أيضاً إعداد، لا للحصول على رواتب مجزية ووظائف عالية المكانة كما يخبرنا المحللون الاقتصاديون، وإنما أيضاً لإغناء الحياة التي يعيشها هؤلاء وسيعيشونها.
إذا كنا نريد للمدرسة أن تتناغم مع متطلبات سوق العمل فلنجعلها تقوم بوظيفتها الإبداعية الإنسانية هذه بدلاً من ملء مناهجها بكفايات وظيفية، هي من صميم مسؤوليات المؤسسات التي سيعمل فيها خرُيجو تلك المدرسة.