مشاهدة النسخة كاملة : الظاهرة "البوعزيزية" و أخواتها قراءة فى الأسباب والآثار ( محمد الحسن اعبيدى )


أبوسمية
01-18-2011, 03:42 PM
الظاهرة "البوعزيزية" و أخواتها قراءة فى الأسباب والآثار ( محمد الحسن اعبيدى )

تشكل الظاهرة البوعزيرية أسلوبا جديدا فى مضامينه السياسية وسياقاته الإجتماعية و أطره الدينية وسرعة التأثير والتأثر به من طرف الطبقات الكادحة والطاقات الشابة المتمردة على واقعها المتطلعة لحياة تسودها الحرية والعدالة الاجتماعية ولم تعد منعزلة عما يدور فى العالم من حولها بفعل تقنيات الإتصال المتطورة .
ولا تمكن قراءة الظاهرة منفصلة عما أنتجها من سياسات استبدادية شمولية انتهجها الحاكم العربي لا تحفظ للمواطن إلاً ولا ذمة همها الوحيد فيه أن يعيش كالدواجن فى حظائرها منعدم الإحساس والإرادة وقد تكون الدواجن أحسن منه حالا لأن مالكها ملزم بتوفير الماء والعلف لها إلى حين الإستهلاك أما المواطن فحصوله على الماء والغذاء فبالشراء والغلاء مع شرط الولاء لحاكمه فى السراء والضراء و إن ظهر منه تقصير أو عجز فبلاؤه من أشد البلاء .
ولا غرابة أن يبتكر العاجز عن ضروريات حياته وسيلة للتعبير عن سخطه وغضبه ممن ظلموه وإن لم تألفها النفوس ولم تشرعها الأديان ولم تكن معروفة فى الثقافة السائدة فى مجتمعه لكنها بالنسبة لصاحبها وليدة الحاجة وهي أم الإختراع كما يقولون وما أشد أن يبلغ العجز بالمرء عن تغيير الواقع درجة اليأس و الهروب من الحياة ليتولى إزهاق نفسه بنفسه قبل أن تزهق على يد جلاديه ومن حرموه لذة العيش الكريم .
و تحرم الأديان السماوية الإعتداء على النفس البشرية بغير حق وتعدها كلية من الكليات الخمس المتفق على حفظها فى الشرائع سواء كان الإعتداء من الشخص نفسه أومن غيره كما هو صريح الآية ( و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد فى قاتل النفس ففى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم من قتل نفسه بحديدة عذب به فى نار جهنم ونقل عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته حسب ما أسند له ابن حجر فى فتح البارى وليس هذا مجالا لبيان الحكم فى قاتل النفس فحكم الفعل مستهجن فى الإسلام ومناف لتعاليمه التى تريد للفرد أن يؤمن بالقدر خيره وشره وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه و ما أخطأه لم يكن ليصيبه هكذا رسم الإسلام لمعتنقيه منهج حياتهم وبين لهم أسلوب التعامل مع عوارض الخير والشر ( لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ) ( إن مع العسر يسرا ).
إذا كان موقف الدين ما قدمنا من ظاهرة البوعزيزي فإن بعض الإجتهادات الفقهية المعاصرة تحاول تخريجها تأويلا للنصوص لإزالة الحرج عن ذوى من أقدموا عليها أو لحاجة فى أنفس يعاقيب منتجى الفقه السياسي المعاصر مع إن ما أقدم عليه الشاب التونسي من حرق لنفسه يختلف فى عفويته وظرفه ومآله عن الأفعال المشابهة له التى أراد أصحابها استنساخ الفعل والتأسى بصاحبه فى ظرف غير الظرف وباعث غير الباعث وتفاعل لا يتعدى مستوى الخبر للفعل.
فردة فعل البوعزيزي العفوية على التعامل الخشن من طرف شرطة بلده وحرمانه من العيش الكريم بوظيفة تناسب كفاءته العلمية حولت غليان الغضب فى دماغه إلى شعلة أحرقت جسده وتطاير شررها فى أرجاء وطنه فأرغم لهيبها جلاديه على الفرار خوفا من الإشتعال فجذوة جسم الشاب لم تخب إلا بعد أن اشعلت قصر قرطاج كما قال شاعرنا : وجذوة النار تخبو من حرارتها من بعد أن تملأ الوديان نيرانا.
والظرف الذى اكتنف فعل البوعزيري قابل للإشتعال لما يعشه الشعب التونسي من ظلم واضطهاد وعدم تكافؤ فى الفرص و إهمال للخطط التنموية التى تستوعب الشباب المتعلم بالإضافة إلى غياب التعددية السياسية طيلة ربع قرن فكان فعل البوعزيزي وخزة إبرة استجاب لها الشعب بعد أن ظن جلادوه أنه فقد عصب الإحساس فأروه أنهم شعب يستنشق الحياة من دخان الموت و أنشدوه قول شاعرهم الرائد أبى القاسم :

ألا أيها الظَّالمُ المستبدُ حَبيبُ الظَّلامِ، عَدوُّ الحياهْ
سَخَرْتَ بأنّاتِ شَعْبٍ ضَعيفٍ وكفُّكَ مخضوبة ُ من دِماهُ
وَسِرْتَ تُشَوِّه سِحْرَ الوجودِ وتبذرُ شوكَ الأسى في رُباهُ
رُوَيدَكَ! لا يخدعنْك الربيعُ وصحوُ الفَضاءِ، وضوءُ الصباحْ
ففي الأفُق الرحب هولُ الظلام وقصفُ الرُّعودِ، وعَصْفُ الرِّياحْ
حذارِ! فتحت الرّمادِ اللهيبُ ومَن يَبْذُرِ الشَّوكَ يَجْنِ الجراحْ
تأملْ! هنالِكَ.. أنّى حَصَدْتَ رؤوسَ الورى ، وزهورَ الأمَلْ
ورَوَيَّت بالدَّم قَلْبَ التُّرابِ وأشْربتَه الدَّمعَ، حتَّى ثَمِلْ
سيجرفُكَ السيلُ، سيلُ الدماء ويأكلُك العاصفُ المشتعِلْ

فعل البوعزيزي الذى سيدخل فى مفردات الإحتجاج عند الشعوب المقهورة لن يحدث ما أحدثه فى موطنه الأصلي مهما تعددت طرق استحضاره وتعددت الدوافع لاستنساخه كما حدث فى الجزائر ومصر وفى موريتانيا اليوم لكن محاولة تقليده المتكررة وبشكل سريع يجب ألا تترك كحادث عرضي لا يلتفت له ولا يبحث فى أسبابه و آثاره .
فلم يعد السكوت يسع شباب اليوم غياب العدالة فى توزيع الثروات ولا تكافؤ الفرص وتمكين أقارب الحاكم و مقربيه خزائن الدولة وما أمر عائلة ابن علي منا ببعيد وما أصابه عبرة لمن اغتر بغفلة الشعوب وطول صمتها فقد ضاقت به الأرض بما رحبت ولفظه القصر بعد فصله على مقاسه وكاد الفضاء أن يبتلعه .

نقلا عن الأخبار