مشاهدة النسخة كاملة : الملابس المستعملة "فوكوجاي" : كسوة الفقراء وتحف الأغنياء


أبو فاطمة
01-18-2011, 12:06 PM
المستعمل"فوكوجاي":كسوة الفقراء وتحف الأغنياء

http://img37.imageshack.us/img37/7121/imagesfocoday1437x327.jpg

ما إن يحل الشتاء حتى ينتعش رواجها ويكثر الإقبال عليها وتينع تجارتها فيحين وقت قطافها وتزدهي وتستوي على سوقها فتكون ملء العين والبصر...يتفيأ البعض ظلالها هربا من جحيم الأسعار فيما يهرع آخرون إليها طمعا في جودة أفضل وكلفة أقل لكن المثير حقا أنها لم تعد حكرا على الملابس والثياب بل إن ثقافة المستعمل تكاد أن تغزو جميع أصناف "المستهلكات" في الأثاث وقطع الغيار وحتى في الكتب والأدوات المكتبية...الخ.
لكن يظل "اسم المستعمل " أكثر ارتباطا لدى الموريتانيين بالملابس ليصبح لهذا الصنف من السلع موردون وباعة بالتجزئة والتقسيط ، ولتتنافس محلات بيع الملابس المستعملة في أسواق نواكشوط نظيرتها المتخصصة في بيع أحدث صيحات الموضة وافخر الماركات العالمية.
فهل هو نوع من إرضاء الزبون والمستهلك ؟ أم تكيف مع واقع معيشي صعب ؟ أم هو انعكاس لثقافة العولمة وأحد تجليات العلاقة المختلة بين الشرق والغرب ؟ مندوب السراج ناقش تلك الأسئلة مع بعض من باعة الملابس المستعملة وروادها في التقرير التالي:
يعمل محمد ولد محمد محمود في بيع الثياب المستعملة منذ أربع سنوات ، كان يعمل إبان العطلة الصيفية لمساعدة والده بداية قبل أن يقرر الالتحاق به بشكل دائم ليكون مورد رزقه ومصدر دخله الوحيد كما يقول
ليس سوى الفاقة والبطالة هو ما دفع محمد للعمل في بيع المستعمل خاصة مع النظرة الدونية لمثل هذا النوع من الأعمال لدى بعض الأوساط.

مغامرة غير محسوبة ..

http://img248.imageshack.us/img248/5269/imagesfocoday489x366.jpg

ويشرح محمد محمود طريقة العمل في المستعمل قائلا إن الباعة يشترون حاويات الثياب المستعملة دون أن يكون لهم أدنى علم بمحتوياتها وهو ما يمثل نوعا من المغامرة غير المحسوبة على حد قوله.
ويتراوح سعر الحاوية ما بين 80إلى 85ألف أوقية لكن ربحها قد يصل إلى حدود 40ألف أوقية وأحيانا لا يسعف الحظ فتكون الخسارة أمرا محققا حين لا تحوي الحاوية غير قطع ملابس بالية أو مزق قماش خرقة.
تدوير المستعمل ..
وعن حجم الإقبال ونوعية الزبناء يقول ولد محمد محمود إن الإقبال أكبر خلال موسم الشتاء رغم أن بعض المتسوقين ذوو عقليات غريبة فالبعض يأتي من باب الفضول والبحث بين أكوام الثياب عن أشياء غير معروفة، فيما يبالغ البعض الآخر خاصة من النساء في المساومة والتفحص الدقيق لكن ما يجمع هؤلاء وأولئك تلك المسلمة الشائعة من أن سعر المستعمل لا ينبغي أن يضاهي الجديد حتى ولو كان هذا الجديد ماركة مزورة أو من خامات مغشوشة.
إن البعض يأتي إلينا ليس لشراء الملابس المستعملة بل لإعادة غسلها وكيها وبيعها على أنها ماركات أصلية يقول ولد محمد محمود، كما أن البعض يجهل حجم المغامرة التي يقدم عليها باعة المستعمل عندما يشترون سلعا غير مضمونة، ومن هنا فإن السعر ينبغي أن يترك بين البائع والمشتري أو بمعنى آخر لمؤشرات العرض والطلب.
وصمة الدونية ..

http://img51.imageshack.us/img51/8056/imagesfocoday2501x375.jpg

من جانبه يتحدث محمد ولد أعمر عن مشاكل الباعة التي قد لا تكون مادية بل أيضا معنوية بسبب الحرج الذي قد يشعر به البعض من ممارسة هذه المهنة لكن ولد أعمر يقول :لم أعد اشعر بالدونية عندما أقدم نفسي كبائع "افوكداي " فالسوق من حولي كلها مواد مستعملة، ومن بين زبائن السوق كل شرائح المجتمع، لذا فليس هناك ما يعيب باعة المستعمل دون غيرهم على حد تعبيره.
أما المشاكل المادية فمن أبرزها تذبذب الأرباح وفوضى سوق العرض، والمعاناة من ضرائب البلدية ومضايقتها والتي لا تقتصر على مطاردة الباعة بل تعمد إشعال النار في معروضاتهم من الملابس وهو ما سبق وأن عانى منه مرتين.
هذا بالإضافة إلى مطاردات الشرطة التي تحدث من وقت لآخر.
البحث عن الجودة
متسوقون كثر قالوا إنهم جاؤوا بحثا عن ملابس جيدة بأسعار زهيدة لكنهم صدموا من التصاعد المستمر في أسعار المستعمل لتصبح أدنى القطع في حدود 200أوقية... البحث في المستعمل غالبا ما يستنزف كثير الوقت والجهد وفي هذا السياق تقول المتسوقة عيشة بنت عبد الله إنها تبحث في المستعمل عن ملابس لأطفالها السبعة فهي لا تمتلك من المال ما يكفيها لكسوتهم وبالتالي فليس أمامها سوى أسواق المستعمل.
أما محمد ولد حسن فيرى أن النفقات المعيشية أصبحت أولوية في المصاريف ولم يعد الوضع المعيشي الصعب يسمح بشراء ملابس جديدة خاصة مع انتشار التزوير وتدني جودة الجديد، مضيفا أن بعض الخامات الأصلية لم يعد لها أثر سوى في سوق المستعمل كالمحافظ الجلدية والأحذية الرياضية والمحازم ...الخ.
كما أن أسهل طريق للحصول على بدلات عصرية وبأثمان معقولة يظل في سوق المستعمل ويبقى أكثر رواد هذه المحلات من النساء والشباب على حد قوله.
مزايا مفقودة..
ميزة السعر الأرخص والبضاعة الأجود ليست دوما محل إجماع لدى كل زبناء سوق المستعمل، ذلك ما أكدته إحدى السيدات من الرياض والتي قالت إن أسعار قطع الملابس الجيدة لا تقل كثيرا عن مثيلاتها في السوق وذلك بسبب فوضى الأسعار والانتهازية لدى بعض الباعة وعدم وجود سقف محدد للربح، كما يتطلب الحصول على ملابس مناسبة مزيدا من الوقت والتقليب في أكوام الملابس التي تزكم رائحتها الأنوف.
وقد يتطلب الأمر الرجوع إلى أسواق المستعمل مرات عدة قبل مصادفة وصول سلع جديدة أو فتح حاويات مستوردة وتطالب المتسوقة بتنظيم أسواق عرض هذه الملابس من خلال تخصيص أيام محددة في الأسبوع للمنتجات المستوردة والتخصص في معروضاتها بين ملابس الرجال والنساء والأطفال مؤكدة أن الحاجة هي الدافع الأول لشراء هذه الملابس التي وصفتها بنفايات الدول الغنية وبأنها ملابس غير جاهزة للاستعمال لحاجتها إلى الغسل والتنظيف مما يزيد في كلفة شرائها.

http://img339.imageshack.us/img339/4563/imagesfocoday3511x382.jpg

ويلا حظ متسوق آخر أن ملابس المستعمل قد تروج لموضات غير محتشمة لدى أبناء الطبقات العاملة وذلك مثل البناطيل المحددة أو القبعات والأقمصة المفتوحة للنساء والتي تتنافى مع الزى الشرعي.
ثقافة المستعمل ..
لا شك أن انتشار البطالة في صفوف الشباب جعل بعضهم يتجه إلى القطاع غير المصنف سواء في مجال الاستيراد أو البيع بالتجزئة والتقسيط وحظي قطاع الملابس المستعملة بأعداد متزايدة من هؤلاء للأرباح التي يدرها، لكن اليوم وفي ظل التراجع النسبي الذي تعيشه هذه التجارة فإن بعض هؤلاء اتجه إلى بيع بطاقات التزويد أو الهواتف النقالة أمام ما يعرف بالنقطة الساخنة وعاد آخرون إلى إحياء ما يعرف بسوق "التبتابة" والتي ليست سوى وجه آخر لبيع المستعمل لكن بالتركيز على الأزياء الوطنية التقليدية، كما أن تنامي ظاهرة الفقر وضعف المستوى المعيشي أوجد بيئة ملائمة لنمو هذا لنوع من النشاط غير المصنف شجعت عليه فوضى الاستيراد والأخذ "بليبرالية" متوحشة لا ترحم الفقراء ولا تقيم وزنا لمعاناة الفئة الكادحة..
وبالتالي فإن تضافر عوامل انتعاش تجارة "المستعمل" تجعل من غير المنطقي –حسب كثيرين - الحديث عن تراجعها أو انكماشها وإنما قد يكون الأولى التركيز على تأثيرات تحولها من مجرد نشاط تجاري محدود إلى ثقافة استهلاكية راسخة.

نقلا عن السراج الإخباري