مشاهدة النسخة كاملة : الثورة التونسية تسقط إيديولوجيا الاستبداد /الفقه السلطاني/محمد المهدي ولد محمد البشير


ابو نسيبة
01-17-2011, 07:14 PM
الثورة التونسية تسقط إيديولوجيا الاستبداد /الفقه السلطاني (محمد المهدي ولد محمد البشير)

لم تسقط الثورة التونسية المباركة أعتي نظام مستبد في العالم العربي فحسب ، بل إنها أسقطت إيديولوجيا الاستبداد ذاتها: "الفقه السلطاني"، الذي يستمد منه الحكام العرب شرعيتهم المفقودة، والذي كان وسيلتهم الأقوى – إلى جانب جيوشهم - لتخدير الجماهير العربية على امتداد التاريخ الإسلامي، معتمدين على هذا الفقه السلطاني الذي صاغه فقهاء السلطة منذ أكثر من ألف سنة وفق مصالح الحاكم وتبعا لمشيئته لشل إرادة الجماهير المسلمة وتخدير عقولها حتى لا تتحر من عقدة الخوف فتطالب بحقوقها المشروعة، أو تهب لنصرة الأحرار الثائرين على الاستبداد، بسبب نجاح هذا الفقه السلطاني في توظيف الدين الإسلامي توظيفا سياسيا لإضفاء الشرعية على الحاكم المستبد.
وسرعان ما جعل هذا "الفقه السلطاني" الحاكم المستبد ندا لله تعالى فجعل طاعته عبادة كطاعة الله تعالى، والصبر على استبداده واجب كالصبر على القدر الإلهي، والخروج عليه حرام مثلما يَحرم عصيان أوامر الله تعالى، ومع مرور الزمن تحول الحاكم في التاريخ الإسلامي إلى "إله بشري"، فهو "مالك الملك" "يؤتي" الملك من يشاء توريثا وتوصية، و"ينزع" الملك ممن يشاء بانقلاب أبيض، أو غيره، و"يعز" من يشاء بالتعيين والتوظيف، و"يذل" من يشاء بالسجن والتهميش، و"يحيي" من يشاء من المجرمين ومصاصي دماء الشعب الذين يستحقون الموت، و" يميت" من يشاء من الأبرياء الشرفاء جوعا أو رميا بالرصاص. أما الأمة فلا مكانة لها في هذا الفقه السلطاني الذي يعطي للحاكم المستبد حق التصرف المطلق في شؤون الأمة المسلمة في حياته وبعد موته كما يتصرف المالك في ملكه، ويجيز له أن يوصي بالحكم لمن شاء من أبنائه أو أقاربه كما لو كان المسلمون جزءا من ممتلكاته الخاصة التي تورث عنه بعد موته.
ولم يزل هذا الفقه السلطاني يتردى على أيدي "فقهاء الاستبداد" حتى اختزلوا نظرية الإسلام السياسية في كلمة واحدة " من اشتدت وطأته وجبت طاعته"، وحرموا المسلمين من وضع فقه دستوري إسلامي ، قادر على حل أزمة تداول الحكم، وأسسوا على ذلك أن ولاية المتغلب الذي يغتصب إرادة الأمة رغم أنفها منعقدة شرعا، ولم يجعلوا للأمة مكانة في هذا الفقه السلطاني، وانتزعوا من الأمة حقها في اختيار من يحكمها بحجة أن الشعب "عوام" و"غوغاء" و"دهماء"، وحصروا هذا الحق في "جماعة وهمية" تسمى "أهل الحل والعقد" – ما عدا آراء قليلة مثلت نشازا في ذلك الركام الهائل من فقه الاستبداد – أما الحاكم المستبد فهو " إمام المسلمين" و إن كان لا يسجد لله تعالى إلا رياء، وهو " أمير المؤمنين" وإن لم يكن في قلبه شيء من الإيمان، وهو" ولي الأمر"، وكل البلاد ملك له يتصرف فيها كيف يشاء.
إلا أن الشعب التونسي العظيم أسقط هذا "الفقه السلطاني" الذي ينتمي إلى عصور الانحطاط ليفتح المجال أمام العقل الإسلامي ليؤسس لفقه إسلامي سياسي جديد يتماشى مع تطلعات أبناء القرن الواحد والعشرين محوره إرساء "الحريات العامة" واحترام مبدأ "سيادة الأمة" وحقها الشرعي في اختيار من يحكمها بإرادتها الحرة، وحقها في عزله بالطرق السلمية إذا أخل بمقتضى "العقد الاجتماعي" بينه وبينها، وحقها في توزيع ثرواتها الوطنية بين أبنائها بالعدل
وما لم يتحرر العقل العربي في بقية الدول العربية ثقافيا ونفسيا من "إيديولوجيا الاستبداد" كما تحرر منها الشعب التونسي ، ويعلن ثورة فكرية على هذا "الفقه السلطاني" الجامد فإنه لن يتحرر من قبضة الاستبداد في الواقع، ذلك أن الفقه السلطاني هو أكبر سند فكري وأعظم حارس شخصي للاستبداد ومصالح الحاكم المستبد في العالم العربي.

نقلا عن الأخبار