مشاهدة النسخة كاملة : الرياء ..دليل العاجز ومهلكة العابد


أبو فاطمة
02-08-2010, 06:05 PM
الرياء ..دليل العاجز ومهلكة العابد

http://www.essirage.net/sys_images_news/ImgNew_13_01_2010_22_17_45.jpg

الشيخ جمال زواري أحمد

في الحلقة الثانية من دراسته عن مواحق الطاعات يقف الأستاذ الفاضل جمال زواري أحمد عند خلق سيئ يصفه العلامة محمد الغزالي’’ رذيلة إذا لَحِقت بالأقوياء شانتهم وحطمتهم، وهي سوء النية، أو بتعبيرٍ أدقَّ: غشُّ النية هو الرياء

1- الرياء:
وهو أشدُّ هذه المَوَاحق وأخطرها، وأحد أصولها الذي تنبني عليه بقيتها، إن دخل الطاعة مَحَقَها، وإن خالَط العمل الصالح أفسده، وإن صَاحَب الحسنات ذهب بها، وهو أحد أنواع الشرك الذي قال الله فيه: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65].

وقد سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشرك الأصغر والشرك الخفي؛ فعن محمود بن لبيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله - عز وجل - لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء))؛ أحمد والبيهقي.

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عليه - قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: ((ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟))، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الشرك الخفي، أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل))؛ ابن ماجه والبيهقي.

فالرياء من أخطر المَوَاحق التي بسببها يرد الله عمل العبد عليه مهما عَظُم، ويتركه ولا يبالي به؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((قال الله - تعالى -: أنا أغنى الشُّرَكاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري معي تركته وشركه))؛ مسلم.

وقال الجُنَيد - رحمه الله -: "لو أن عبدًا أتى بافتقار آدم وزهد عيسى، وجهد أيوب وطاعة يحيى، واستقامة إدريس ووُدِّ الخليل وخُلُق الحبيب، وكان في قلبه ذرة لغير الله - فليس لله فيه حاجة"[4].

لذلك؛ فإنَّ الرياء أكثر ما يُجْفِل الصالحين ويخيفهم، حيث كان في عُرْفهم وقاموسهم من المُهْلكات التي لا تبقي ولا تذر، قال حامد اللَّفاف - رحمه الله -: "إذا أراد الله هلاك امرئ عاقبه بثلاثة أشياء: يرزقه العلم ويمنعه العمل، يرزقه صحبة الصالحين ويمنعه معرفة حقوقهم، يفتح عليه باب الطاعات ويحرمه الإخلاص".

وهو كذلك عندهم من دواعي اضمحلال الأعمال، قال الربيع بن خثيم - رحمه الله -: "كل ما لا ينبغي به وجه الله يضمحل"[5].

كما أنه عندهم من رذائل العجز؛ قال الشيخ الغزالي - رحمه الله -: "إلى جانب قصور الهمم، ووهن المناكب، وضعف الإدراك، وما إلى ذلك من رذائل العجز، نجد رذيلة أخرى إذا لَحِقت بالأقوياء شانتهم وحطمتهم، وهي سوء النية، أو بتعبيرٍ أدقَّ: غشُّ النية.

إن القصد المدخول يجعل الرجل يأتي عمل الأخيار، وهو بضميره بعيد عنهم، فيخرج منه ضعيفًا لا يصل إلى هدفه، أو منحرفًا لا ينتهي إلى موضعه.

ثم إن صاحب هذا العمل محسوبٌ على قوى الإيمان والإخلاص، في حين أنه دسيسة مقحمة فيها، أو هو في الحقيقة جرثومة تعمل ضدها وتثير داخل كيانها العلل"[6].

والأشد من ذلك كله في باب الرياء ومَحْقه للطاعات: حديث الثلاثة الذين أوَّل من تُسَعَّر بهم النار؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن أول الناس يُقضى عليه رجل استشهد فَأَتى به فعرَّفه نِعمهُ فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يُقالَ: جَريء، فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى ألقِيَ في النار، ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأُتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العلم وعلمتهُ وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليُقالُ: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسَّعَ الله عليه وأعطاه من أصناف المال كُلِّه، فأُتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلتَ ليقال: هو جَوَاد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار))؛ مسلم.

لذلك؛ فإن العبد المؤمن دائم الحذر من الوقوع في الرياء، دائم التفتيش في أغوار نفسه، دائم المرابطة على أبواب قلبه لئلاَّ يلج إليه، دائم الحراسة لثروته الإيمانية من الطاعات لئلاَّ يتسلَّل إليها فيمحقها ويحبطها ويورثه البوار والخسران، إلى أن يلقى ربه وهو على هذه الحال من التيقظ، قال الحارث المحاسبي - رحمه الله -: "ومن علِم شدة حاجته إلى صافي الحسنات غدًا يوم القيامة، غلب على قلبه حذر الرياء وتصحيح الإخلاص بعمله، حتى يوافي الله - تعالى - يوم القيامة بالخالص المقبول، إذ علم أنه لا يخلص إلى الله - جل ثناؤه - إلا ما خلص منه، ولا يقبل يوم القيامة إلا ما كان صافيًا لوجهه، لا تشوبه إرادة شيء بغيره"[7].

أو ما سماها ابن القيم - رحمه الله - في مدارجه (منزلة الإشفاق) والتي شرحها بقوله: "وإشفاق على العمل: أن يصير إلى الضياع؛ أي: يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله فيها: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]، وهي الأعمال التي كانت لغير الله، وعلى غير أمره وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ويخاف أيضًا أن يضيع عمله في المستقبل، إما بتركه، وإما بمعاصي تفرقه وتحبطه، فيذهب ضائعًا، ويكون حال صاحبه كالحال التي قال الله - تعالى - عن أصحابها: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 266] الآية.

قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للصحابة - رضي الله عنهم -: "فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر، وقال: قولوا: نعلم، أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال : يا ابن أخي قُل، ولا تحقرن نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعمل، قال عمر: أيُّ عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله، فبعث الله إليه الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق جميع أعماله"[8].

وسألت السيِّدة عائشة - رضي الله عنها - رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: على من يصدق قوله - تعالى -: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]: أَهُمْ الذين يسرقون ويزنون ويشربون الخمر وهم يخافون من الله؟ فقال: ((لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم))؛ الترمذي وابن ماجه.

وللمرائي علاماتٌ يعرف بها ذكرها الإمام علي - رضي الله عنه - بقوله: "للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في النَّاس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص إذا ذُمَّ"[9].

فالرياء أصلُ أصولِ مواحق الطاعات، ورائد كل محبطات الأعمال، مَنْ عالجه ووفر أسباب الوقاية منه نجا، ومن وقع في حبائله واستسلم له واستلذه هلك.


...نقلا عن السراج...