مشاهدة النسخة كاملة : نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية لسنة 2011


hamees
02-08-2010, 06:02 PM
نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية لسنة 2011 الجانب النظري من الاستحقاق

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__bb0.jpg

د. محمدو ولد المرابط
*أستاذ جامعي ، المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية

هنا لا أريد أن أقدم محاضرة في الثقافة، لكن الحدث يستحق أن يساهم كل منا في تقديم رؤيته حيال الالتزام الدولي الذي اتخذه البلد تجاه 49 دولة إسلامية، والمتمثل في"نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية لسنة 2011" ، وتتجلى الثقافة، التي نحن ملزمون بإبرازها خلال هذا الموسم، في صنفين: ثقافة مكتوبة، وأخرى منطوقة وحركية، تتخذان من الدين الإسلامي رافدهما الأساسي باعتباره ثقافة كاملة.

الثقافة المكتوبة تعتبر لحظة بسيطة من لحظات التعبير الثقافي يمكن تسميتها بلحظة التعبير عن الفاعلية المنطقية أو العقلية، وهي إذ تظهر في صورة مكتوبة تتخذ لغة خاصة بها، والثقافة المنطوقة هي التعبير الشفوي غير المكتوب ويتمثل في أجناس مختلفة من الفنون ومن التعبير الحركي الذي يتخذ الجسد مادة له في المقام الأول، ونستطيع أن نرصد تجليات هذا التعبير في : المأكل، الملبس، الغناء، النحت، وطقوس العبادة، ومراسم الاحتفالات والأعياد والمآتم والأمثال والحكم الشعبية ، إنها جميعا أشكال التعبير الثقافي نحن مطالبون بإظهارها محليا ودوليا، ولأن الثقافة هي فعل تفاعل يترجم إدراك الإنسان للمستوى الحقلي بكافة تجلياته الفطرية والتركيبية، وهي مسافة شاسعة تظهر بالمقارنة بين المواويل والأهازيج وبين النظم الأوركسترالية السمفونية، أو بين تحريك الجسد على إيقاع ما بطريقة عفوية وبين الوشم والحناء أو الخضاب وبين الفن التشكيلي وفن العمارة الخ.......
وخلال عام كامل (2011 ) سنقدم نمطين من الثقافة هما الثقافة المكتوبة العالمة (culture savante) والثقافة الشعبية الشفهية أو الوحشية (( culture sauvage ، فكلاهما طريقة من طرائق هذا التعبير بغض النظر عما فيهما من تفاوت في درجة التنظيم والتعقيد، حيث تبدو الثقافة المكتوبة أكثر من غيرها تراكما ونجاحا غير أن المشكلة ليست في هذه الفوارق ودرجات التعقيد بل في التفاوت لجهة وعي المجال والديناميكية الخاصة بحقل كل منهما .

فالتاريخ الوحيد الذي كتب بعناية هو تاريخ الثقافة المكتوبة، فيما لم تحظ الثقافة الشعبية بكبير اهتمام يليق بمكانتها في بناء المجتمع، فحين لا يكون بوسعنا أن نكتب تاريخ قسم من التعبير الثقافي لمجتمع ولشعب ما، فنحن بذلك نفقد قدرتنا على- وحقنا في – بناء وعي صحيح ومتكامل بتراكمه الرمزي، بما يتضمن من قيم ومفاهيم ومعتقدات وعادات وشعائر، وهو أمر سيحدث فجوة عميقة في إدراكنا للقسم الأعظم من التعبير الثقافي لمجتمعنا الذي يشغل التعبير الثقافي الشفوي والشعبي الحيز الأكبر فيه.

ويجد المرء في الثقافة، وبخاصة الشعبية منها، نماذج جاهزة تحوز علي صدقية كبيرة في بيئته ووسطه، يعمد إلي تبنيها عادة بشكل تلقائي كونها شائعة ومعممة، وميزة الثقافة الشعبية أن أكثر أشكالها غير مدون في الكتب، بل محفوظ بشكل مادي(في اللباس والأدوات الإستعمالية وأشكال الطبخ ...)، أو في الذاكرة الجماعية (الأمثال التي لا صاحب لها، والأغاني التي لا مؤلف معروف لها ....)، وفي القيم والعادات والتقاليد والشعائر والطقوس التي يقع الجميع تحت وطأتها، الثقافة الشعبية تتخطى حاجز الطبقات وتتخطى الحدود الاجتماعية القائمة بين أهل المدينة والريف، وتخترق كتلتي المتعلمين والأميين ، هي إذا تتجاوز أشكال الحصر والتحديد ، تنتشر انسيابيا أو قسرا، مشكلة (ذهنية) ثقافية تتميز بالصلابة والتماسك.

والتاريخ كمحصلة لتجارب البشر ليس بعدا للثقافة فحسب، بل هو جزء منها يتجلى في وعي الإنسان، فتارة نماذج الماضي واعية عبر التراث، وتارة أخرى أقل وعيا، ومقبولة بشكل شبه عفوي كما يحصل مع الثقافة الشعبية، وطورا يغلب عليها طابع الغيب والغيبيات، وهو الأكثر ارتباطا وتفاعلا وحضورا في ممارسات الناس، حيث يمثل الدين الإسلامي ثقافة كاملة لشعب أو أمة أو حضارة ، ليس في كونه مجموعة نصوص وتعاليم وقيم فحسب، بل بما هو كيان مجسد اجتماعيا ، ومبلور بالممارسة في أنماط وتقاليد وأفعال، أي من حيث صيرورته نظاما من الممارسات فضلا عن كونه نظاما من التصورات، فهو يعبر عن رؤية للعالم ، للطبيعة والوجود والإنسان، وهو كذلك أيضا لأنه يقدم تصور لبناء الاجتماع الإنساني على نحو يغطي أدق تفاصيل هذا الاجتماع اقتصادا وسياسة و أخلاقا وأحوالا شخصية ، ويقوم على تعاليم رسمت للمنتسبين إليها تخوم الجائز وتخوم الممنوع، وقذفت في "روعهم" الجمعي مبادئ تحولت إلى قواعد صارمة للفكر والسلوك.

هذه هي اللوحة التي التزمنا برسمها عن بلدنا منذ مؤتمر وزراء الثقافة للدول الإسلامية أثناء دورته الخامسة المنعقدة بطرابلس، الجماهيرية الليبية، سنة 2007، ولن نستطيع أن نفي بالتزاماتنا ـ وكما قال منسق المشروع ـ إلا إذا تغلبنا على ثقافة التراخي وجر الأقدام والنزوع إلى التلقائية والارتجالية "وعقلية آخر دقيقة" المتأصلة فينا.

المصدر:الاخبار.