مشاهدة النسخة كاملة : الأيام التشاورية حول التعليم: "وجهة نظر " (محمدن بن حبيب الله)


أبو فاطمة
01-16-2011, 03:18 PM
الأيام التشاورية حول التعليم: "وجهة نظر " (محمدن بن حبيب الله)

لا يخفي علي أحد ما للتربية والتعليم من أهمية في تنشئة الأطفال وتربيتهم فالأطفال هم حدقة عين الأمة وركيزتها الأساس ويقاس اليوم تقدم الأمم وتطورها بمدي اهتمامها بتعليم أطفالها فالأمة الواعية تستثمر في البشر بدل الإستثمار في الحجر والشجر.
وقد جردت القلم محاولة مني للإسهام في وضع تصور لما تعانيه منظومتنا التربوية أو بتعبير أدق هذه إثارات حول موضوع الأيام التشاورية التي يفترض أن تنطلق بعد أيام قلائل ؛
أولا وقبل كل شيء ،أعتقد أنه لابد لنا أن نتساءل عن مواصفات الإنسان المستقبلي الذي نريده من منظومتنا التربوية ،ما هي مواصفاته ؟ما هو انتماؤه؟ ما هي قدراته ؟ ما هو تخصصه ؟هل نريد إنسانا مؤمنا وطنيا متشبثا بأخلاقه وبدينه ؟ أم نريده خلقا أخر مشوها لا إلي هؤلاء ولا إلي هؤلاء ؟
وخلاصة هذه التساؤلات أنه يتحتم علينا أ ن نضع أهدافا ومرامي نسعى إلي تحقيقها من وراء منظومتنا التربوية وأن نرسم خططا مستقبلية نستطيع من خلالها تحقيق تلك الأهداف وهذه الغايات ، ولا يمكننا ذلك إلا إذا قمنا بتشخيص تلك المنظومة لنعرف مكامن الداء ومواطن العلة ثم بعد ذلك نحاول تلمس علاج ناجع لذلك الداء من خلال الإجابة علي أسئلة ثلاثة في غاية الدقة والتحديد وهي:
1 ماذا ندرس؟ ولماذا ندرس ؟وكيف ندرس؟
لقد شهدت بلادنا منذ استقلالها إلي اليوم خمس إصلاحات تربوية ؛أي بمعدل إصلاح في كل عشر سنوات ولاشك أن ذلك يعكس حالة خطيرة من عدم الاستقرار في جانب يفترض أن يكون محل أجماع من كل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي الوطني لأنه يتعلق بتنشئة وتربية الأطفال ولكن نظرا لتسييس كل شيء في بلادنا فقد تم التلاعب بمستقبل الأجيال والأمة ،ولا يخفي علي أحد ما يعنيه تغيير المناهج من هدر للطاقات المادية والبشرية وما يستلزمه ذلك من وضع خطط واستراتيجيات غابت عن كل تلك الإصلاحات ، فقد كانت الارتجالية والتسرع سمة غلبت عليها جميعا,وقد أسفرت هذه "الإصلاحات"المتعاقبة عن إخفاقات في جميع الميادين تمثلت أساسا في تدن صارخ للمستويات ,وتخراج أجيال تحمل ثقافات متباينة ومتنافرة مما شكل ويشكل تهديدا حقيقيا للسلم الاجتماعي هذا فضلا عن كونه لم يراع حاجات السوق ولا متطلبات التنمية، فاضطر الكثير من حملة الشهادات إلي الهجرة بحثا عن العمل أو الاشتغال في أعمال ليسوا مقتنعين بها وليست من اختصاصاتهم "كتسيير الحنفيات مثلا" وسأتحدث عن أهم أسباب هذه الوضعية المزرية التي أصبحت تطبع نظامنا التربوي ,كما سأتحدث عن بعض الحلول أو الأفكار حول هذا الموضوع :
1ــ عدم حسم قضية الهوية الوطنية في أذهان البعض علي الرغم من حسمها دستوريا وقانونيا ’وأنا لا أعتقد أن أي أمة تحترم نفسها ،وتطمح في النهوض والرقي تدرس أبناءها المواد العلمية بغير لغتهم الأم ، والتاريخ يخبرنا أن الأمم التي اعتلت صهوة الحضارة و تسنمت ذرى المجد إنما ترجمت معارف وعلوم الأمم الأخرى إلي لغاتها ، وهنا سأستشهد بفقرة قصيرة من رسالة للمرحوم أحمد حسن الزيات بعث بها إلي وزير المعارف المصري أنذاك :"إن العلوم اليوم أروبية وأمريكية ؛ما في ذلك شك ،وإن الفروق التي باعدت بين الشرق والغرب في مدلول كلمة الإنسانية الراقية إنما يجمعها كلها لفظ العلم ،وهذا العلم الذي يسخر السماوات والأرض للإنسان الضعيف ،سيبقي غريبا عنا ما لم ننقله إلي ملكنا بالتعريب ،ونعممه في شعبنا بالنشر ،ولا يمكن أن يصلنا به أو يدنينا منه كثرة المدارس ولا وفرة الطلاب ،فإن من المحال أن ننقل الأمة كلها إلي العلم عن طريق المدرسة،ولكن من الممكن أن ننقل العلم كله إلي الأمة عن طريق الترجمة ."
2ــ عدم استشارة ذوي الاختصاص وتهميش أهل الذكر في هذا المجال ,
3ــ عدم إعطاء التعليم الأساسي الأولوية التي يستحقها باعتباره اللبنة الأولي في الصرح التعليمي
4ــ الإرتجالية وانعدام التخطيط ,"ويتجلي ذلك في الإصلاحات-وفي اكتتاب وتكوين المعلمين.
5ــ عدم وجود دولة مؤسسات,مما جعل كل وزير يصبغ وزارة التهذيب بطابعه الخاص ،هذا فضلا عن عدم وجود رؤية واضحة أو نية صادقة للإصلاح ,وللقارئ الكريم أن يتصور كم من القرارات الإرتجالية سيتخذ في ظل أكثر من أربعين وزيرا تعاقبوا عليها .
6ــ تغييب التأطير,والإشراف التربوي وعدم إعطائه موارد مالية كافية للقيام بعمله علي أحسن وجه،
ولا أستطيع إحصاء كل معوقات العملية التربوية في بلادنا ولكن حسبي أن أشير إلي بعض هذه المعوقات ,التي تعتبر معرفتها،وإيجاد حلول لها خطوة لابد منها علي طريق الإصلاح المنشود .
وأعتقد أن أهم الإجراءات الأخرى التي يجب اتخاذها هي :
1ــ الرفع من مستوي أجور العاملين في قطاع التعليم ومواصلة دعمهم ماديا ومعنويا ,
2ــ الفصل الجدي بين مختلف أجنحة وزارة التهذيب بحيث يشرف ويسير ويدير كل قطاع أهله العارفون به ، فمثلا مفتشوا التعليم الأساسي والمعلمون هم الذين ينبغي أن يسند إليهم تسيير وإدارة وزارتهم وهكذا يشرف أساتذة التعليم الثانوي علي وزارتهم ...الخ.
وبذلك نضع الجميع أمام مسؤولياتهم فتتحدد الصلاحيات وينمحي التداخل الذي جر الكثير من عدم وضوح الرؤية وتدافع المسؤولية.
3ــ أن يكف الإداريون ,والمنتخبون وغيرهم ، عن التدخل في شؤون التعليم وأن يترك الأمر لأهله ,
إلي غير ذلك من الإجراءات التي يمكن ـ إن صدقت النيةــ أن تنتشل تعليمنا من وضعه المزري الذي يرزح فيه، وترقي به إلي مصاف الدول المتقدمة وما ذلك علي الله بعزيز .

نقلا عن الأخبار