مشاهدة النسخة كاملة : القدس والخذلان العربي { بهاء رحال }


أبوسمية
01-14-2011, 07:14 PM
القدس والخذلان العربي ( بهاء رحال)

أرض القداسة والحضارة ومهد الرسالات السماوية وعاصمة التاريخ المنبعث من عبق التكوين في المواجهة.
دقت ساعة الخطر وصارت المدينة وجهاً لوجه في مرحلة الحسم التي أرادته دولة الاحتلال بهذا الشكل والسيناريو المعد مسبقاً وسط هذا الزمن البائس الذي فَقدت فيه القدس كل مقومات الصمود والتواصل، وعُزلت عن عمقها ومحيطها العربي والإسلامي وعاشت كل هذا الزمن الغريب المنكسر الذي أحاط بها من كل اتجاه وصارت القدس عاصمة العواصم وبلد الأنبياء بلا حجيج وبلا زائرين إلا القليلين الذين يجاهدون بإيمانهم عند كل صلاة حتى يتمكنوا من الوصول إلى أقدس بقعة بالعالم وليحافظوا على لغة المكان.
اليوم لا تجد القدس إلا على هامش المؤتمرات والندوات واللقاءات الحميمة بين الملوك والرؤساء والزعماء الحاضرين خجلاً، والوفود الرسمية والشعبية والمنظمات الأهلية التي تعقد ندوات شكلية دون فائدة، ترى فيها وجوهاً غريبة وأشكال مختلفة لا تحمل من القدس شيئاً، وتسمع قرارات لها طابعها المعهود بالشجب والاستنكار والتوسل ومعونات لم تصل بعد ولن تصل لأن الزمان صار مختلفاً وباتت عواصم المونديال أهم بكثير من القدس الباكية على هذا الخذلان الذي لم تعرفه من قبل عبر التاريخ، ولم تكن بهذه العزلة يوماً ولم تكن بهذه الغرابة التي تراها في زقاق القدس العتيقة كل يوم.
تزداد الهجمة يوماً بعد يوم، وتنكشف المخططات وتنجلي حقيقة الاستهداف الصهيوني المباشر للقدس بكل ما فيها من تاريخ وعراقة وقداسة وإيمان، ويتصارع الجند المدججين بالسلاح مع حجارة المكان ورائحة التاريخ المنبعث منها، يشددون من قبضتهم الحديدية حولها ويستحكمون بجدران من الأسمنت، كلما شعروا بأنها تنتصر عليهم وعلى قوتهم وجبروتهم، ثم يعودوا بالكرّة مرةً أخرى في محاولة منهم للالتفاف على التاريخ والانتصار على المكان.
في كل مرة تزداد الهجمة الصهيونية الإسرائيلية على القدس يتراجع الموقف العربي الرسمي والشعبي أكثر دون حياء، وتسقط نظريات الدفاع من الواجهة وتصير القدس تصرخ بوحدتها وعزلتها في محاولة منها لنفض غبار النسيان عن الذاكرة العربية التي تماهت مع الموقف الرسمي الآخذ بالنسيان المطلق، وفي كل مرة تزداد خطط الاحتلال وعمليات التنفيذ على الأرض ويتوسع البناء الاستيطاني الهادف إلى تغيير الطابع التاريخي والجغرافي والديني في المدينة التي تقف في المواجهة وحدها بينما تترقب الأمم الغربية والعربية لحظات الصراع القائم بين حجارة المكان وقداسته والجند المستوردين لتغييب المكان تزوير التاريخ فيه.
تتواصل الهجمة التي تقودها "إسرائيل" بجندها وسياسييها وخرافاتها وعلمائها وأموالها وتسخر كل الإمكانيات لصالح الاستيلاء على كل شبر في القدس بينما ينشغل العرب في همومهم المونديالية وقضاياهم الهامشية وملذاتهم التي تصرف عليها مئات الملايين من الدولارات بينما لا يصل للقدس دولاراً واحداً، هذا هو حال الأمة التي تفاخر بأمجادها ولا تتوانى عن الحديث عن تاريخها في كل المحافل بينما تترك القدس عاصمة التاريخ ورافعة المجد في قبضة أعداء الحياة، فأي أمه هذه التي لا تسعى للحفاظ على مقداستها، وأي أمة هذه التي تنفق ملايين الدولارات لاستضافة بطولات كرة القدم ولا تنفق دولاراً واحداً لمواجهة الهجمة الاحتلالية على القدس.
الأمة التي لا تحافظ على قداسة مقدساتها لا تستحق الحياة.

نقلا عن المركز الفلسطيني