مشاهدة النسخة كاملة : الكتاب في زمن العولمة الإعلامية وأدلجة الثقافة (محمد المرابط )


أبوسمية
01-11-2011, 08:05 AM
الكتاب في زمن العولمة الإعلامية وأدلجة الثقافة (محمد المرابط )

لقد كان الكتاب أول صاحب للإنسان، فبواسطته تفقه في الدين وتبحر في العلوم ورفه عن نفسه وتسلى، واطلع على الطريقة التي بموجبها تعيش الشعوب وتفكر، من خلال ما كتب عن عاداتها وفنونها ومؤسساتها، والمقاييس والمفاهيم والقواعد التي تنظمها، ودرس أحوال الأمم والشعوب ذات الأثر العميق على المسيرة البشرية. والبوم أصبح الكتاب يقف على مشارف ثقافة عالمية تتجه نحو تعميم نموذجها، فهل يستطيع الكتاب الصمود أمام ما يعرف بتحديات إيديولوجيا العولمة؟.
إن العولمة الإعلامية، أحدثت ثورة كبرى وخاصة في مجال الإنترنت التي تعيد القارئ بـ"كبسة زرّ" إلى روابط تفيده في أيّ موضوع كان، وهو ما حدا بالكثير من الباحثين إلى الوقوف عند إشكاليّة واقع ثقافة الكتاب أمام ثقافة الانترنت، ومدى محافظة الكتاب على دوره. في الواقع يجب الإقرار بأن الكتاب قد تقلّص اعتماده أحياناً من قِبل البعض أو في بعض المواقف، ولكن مع ذلك بقي دوره الأساسي قائما في المعرفة والتعلم ، كما واكب تقنيات الاتصال الحديثة ، حيث أصبحت هناك كُتُب منشورة على الانترنت، الأمر الذي يؤكّد أنّ الانترنت لم يأتِ ليُلغي هذه الوسيلة أو تلك وإنّما كلّ وسيلة تكمّل الأخرى، وإن كان البعض من ذوي الاختصاص في هذا المجال ينبه إلى أن التجول في الإنترنت عبر المواقع لا يخدم ذاكرة المتجول ولا يساعدها على الحفظ، منبهين إلى أن جيل اليوم فقد مبادرة فتح القواميس وأمهات الكتب ليبحث فيها عن ضالته، وأن الإنترنت زادت في تشطير وتجزئة جمهور القراء بعد ما فعلته وسائل الاتصال الأخرى. هذا على الرغم من أن هؤلاء يعترفون بأن الإنترنت تدعم الثقافة والانفتاح على الآخر وتزيد في سرعة الاطلاع على العديد من النصوص المكتوبة بما في ذلك الكتب. لا شكّ أنّ ما يلاحظ من عزوف عن القراءة والكتاب لا يتعلق بسهولة الحصول على المعلومة عن طريق وسائط الاتصال المتعددة فحسب، وإنما له أسباب أخرى تتعلّق بأنماط التأليف وعدم قدرتها على مسايرة التقدم في مجال وسائط الاتصال الحديثة وما صاحب ذلك من تغير في الأمزجة والأذواق التي يشهدها العالم، إذ يقر البعض بوجود قطيعة معرفية بالأساس بين ما ينتج من كتب و قارئها، ولعل مرد ذلك إلى إغراق بعض المؤلفين في السقوط في الرداءة ممّا حفر خندقا ذوقيا بين الكِتاب والمتلقّي، وبالتالي أصبحت هناك أزمة ثقة بين دور النشر وبعض الكتّاب الذين ترى تلك الدور أنهم لا يملكون مصداقية، لأن مصداقية الكاتب تكمن في رصيده من الإنتاج والإبداع، بالإضافة إلى أن الكثيرين يحمّلون دور النّشر مسؤوليّة كبيرة عن حالة الكتاب المتردية وذلك لتغليبها البعد التجاري الصرف في عمليّة انتقائها لما تنشر، وغياب الشفافية المالية في تعاملها مع المؤلفين.
وهكذا فالتراجع ليس مطلقا إذا، وإنّما هو عزوف عن متابعة إنتاج لا يملك مصداقية لأنّ الكاتب الحقيقي في الوطن العربي بات عملة نادرة أمام الرقابة التي تبقى على رأس معوّقات الإبداع لأنّ الحرية هي الشرط الكافي للتنمية الثقافية.
لكن الممارسة في الوطن العربي تترك الكتاب على قوائم الانتظار فترة طويلة لتعطيه شهادة ميلاد أو تؤشّر على موته قبل أن تدركه الأبصار. وهذه عقلية لا زالت تعشّش في الوطن العربي وهي لا تدرك أحيانا، وتغض الطرف أحيانا أخرى، عن أنّ العالم بات مخترقا من كلّ الزوايا بفضل ثورة الاتصالات. وأنّ المؤلف فقد قدرته على تحريك جمهور لم يعد يتحمّس للشعارات. فكلّ من الكاتب والجمهور تعرّضا لتغيّرات في العمق بدّلت كلّ الوقائع القديمة، أمام تحديات محاولات أدلجة الثقافة من خلال تعميم نموذج واحد لها.

نقلا عن الأخبار