مشاهدة النسخة كاملة : قراءة على هامش حفل تخرج ...


عبدالله ولد محمدعبدالرحمن
01-09-2011, 05:01 PM
قراءة على هامش حفل تخرج ...
هذا المقال كان بمناسبة اختتام العام الدراسي الجامعي 2009-2010


تشهد بعض كليات الجامعة هذه الأيام ما يمكن أن يطلق عليه حمى حفلات التخرج ، فكل قسم وعلى مقاييسه ينظم حفلا توزع فيه المأكولات والمشروبات والكلمات الرائقات وتنتشر فيه الملابس الجديدة كل مظاهر الاحتفال بارزة ، بل وحتى الفنانين كان حضورهم علامة أخرى من علامات هذا الاحتفال الفنانين والفنانات من مختلف الأجيال ، ورغم أن حال هؤلاء المتخرجين ومستقبلهم أمور تثير القلق والمشاغل إلا أن الجميع كان ملزما أن يتقاسم معهم أفراحهم بغض النظر عن هوياتها .
فهل لحفل التخرج من جامعة نواكشوط معنى ؟! أقله أنا أحسب بأنه سؤال مشروع ببساطة لأن المتخرج ما لم يساعده جيبه وحظه هو متخرج من قسمه وخارج من بوابة كليته إلى الشارع ، إنها الحقيقة المرة التي لا يمكن لا تجاهلها ولا نكرانها ، نعم جميل أن نحتفل ولكن أجمل أو أنسب على الأصح أن نحتفل بسنوات أربع جمعتنا إخوة و أصدقاء تناولنا الحياة بمرها وحلوها تقاسمنا صباحات الأيام ومساءاتها ببسماتها ودمعاتها نحتفل بأيام عشناها وتقاسمنا الملامح فيه ملامح الانتظار والأمل واليأس والفرح والحزن والجدية واللامبالاة تقاسمنا فيها كل شيء هكذا أرى وكنت أجيب على كل تساؤلاتي وأنا أرى وجوها ترتسم عليها الأفراح وأنا متأكد أنها فقط لحظات استرقوها من مدى الحيرة و المجهول المرتسم أمامهم ، استرقوها ليتحدوا بها واقعا رغم يقينهم بأنه أقوى منهم إلا أنهم لا يريدون الاستسلام له ولا رفع الراية البيضاء متمسكين بخيط أمل يكاد يتلاشى من بين أصابعهم ،
نعم لا ينكر احد جمال لحظة تقف فيها أمام ذاتك وهي تحقق الإنجاز وتنهي رحلة العبور تلك الطويلة والشاقة إلى بر أمان ، ولا شيء أجمل من النهاية الجميلة في الدراما فكيف في الواقع ، ولكن لا شي أقسى من أن تجد نفسك مضطرا لتقف أمام هذه الذات نفسها بعد أشهر وهي محطمة يائسة تتساءل , أين أعوام أربعة قد تزيد من سهر الليل وقهر الأيام ، فلا تجد للأسئلة من أجوبة وقد تلاشى الخيط ، وما كان حلما صار كابوسا وما كان نعمة ومجدا صار نقمة ومرارة وكدا ، وبعد أن كنت الطالب الجامعي إذا بك البطال الذي لا شغل ولا مشغل وهنا تصير أضحوكة وحينها يتأكد لك أن كل تلك السنين لم تكن ذات معنى هكذا يقنعك الوسط حيث توجد ، فحين تبحث عن عمل سوف لن يشفع لك مؤهلك العلمي ولا مستواك سوف لن يشفع لك إلا وساطة ما ، وسوف تقلب الشركات و تجوب المكان والزمان جيئة وذهابا وتضع في كل مكان ملف ثم لن ينظر إليها إلا أنا الذي لا أدري إن كانت وضعت في الأرض أو في السماء، ثم يتملكك الإرهاق والتعب ثم لاحقا اليأس ، فتصير سائق سيارة أجرة أو حافظ دكان أو بقالة أو بائعا متجولا ، وهنا ليس العيب في هذه المهن بل العيب والإشكال في أن المتريز وما كان قد درس كل ذالك العمر سيكون الضحية شهر أو أقل وتصير كل تلك الدروس التي حفظت والتي فهمت والتي علمت وكل تلك العلاقات العلمية والمعطيات البديهية تصير بالنسبة لك أبجديات صينية لا تفقه منها ولا فيها شيئا ، وبعدها تكون مضطرا لتنكر أنك حاصل على المتريز بل قد تدعي أحيانا أنك ما مررت على مقاعد الدراسة قط أو أنك قاطعتها في فترة مبكرة ، ومن يعلم الحقيقة سيرمقك دوما بعين الشفقة القاسية تلك ، وستلاقيك الأيام مع مهنة بل مهن لتخصصك يشغلها من لم يحترق كل تلك الأعوام على مقاعد الجامعة ، حينها ستلعن الجامعة وأم الجامعة ، وستتمنى لو أنك تلك الأيام مارست مهنة أيا كانت مما أنت مضطر لممارسته اليوم لا شك لو أنك فعلت لكنت اليوم أفضل حالا ، و الأدهى أن الأمر لا يتعلق فقط بخريجي جامعة نواكشوط بل أولئك الذين كانوا أوفر حظا ممن تسنت لهم فرصة ما لإكمال الدراسة في الخارج فمن منهم اضطر للعودة أو عاد من تلقاء نفسه حبا في وطنه ، فعاقبه هذا الوطن على حبه إياه أشد عقاب وندم على أنه لم يبق يتسكع في شوارع داكار أو ضواحي تونس أو المغرب أو الجزائر أو أنه لم يبق يتسول على أرصفة فرنسا ، أقله هناك سيجد من يحترم شهادته وجهده، ولو أن هؤلاء مؤخرا يذكر للدولة أنها تحاول معهم شيئا ما لم يكتمل بعد لنفس السبب ففي المسابقة لا تزال المحسوبية والقبلية والوساطة والنفوذ هي الحكم فالذي يتسابق دائما ليس من دخل قاعة الامتحان بل من على كرسيه يتصل بفلان وفلان ويوصله فلان بفلان وهكذا فالغالب من هؤلاء هو من تترجح كفة موكله ليجيب على أسئلة المسابقة التي تبدو بهذه الوضعية إجراء بروتوكوليا أو شيئا من هذا القبيل فينجح ويروح المستوى العلمي ضحيتها لتروح لاحقا المناصب أو الوظائف التي يتسابق إليها هؤلاء فالجالس هناك يعرف كيف وصل ويعرف أنه بلا مستوى للوصول إلى هناك وما سيشغله لا حقا ليس منصبه ولا ما يتطلبه بل طريقة يستغله بها ليفعل مع أقرباء له ما فُعل معه هو.

وأنت تتفرج على حفلات التخرج هذه فدون تفكير كثير ستؤيد كلية العلوم والتقنيات التي لا تحتفل بالتخرج والطلاب لا يطالبونها بالاحتفال كونهم جميعا وإدارتهم متفقون بالإجماع على أن التخرج منهم لا يعني شيئا ما لم تخرج من عندهم إلى مطار نواكشوط الدولي وكلنا نعرف ما دون مطار نواكشوط، تؤيدها كون تساؤلات كثيرة ستملأ رأسك و ستعيش ظواهر مختلفة و تختلج بداخلك مشاعر مختلطة ما إن تبدأ تنظر من منظار آخر ، ففي هذه الحفلات مثلا تجد الطلاب يغفرون للقسم والإدارة كل خطاياهم وهم يعرفون حجمها من أخطاء في التصحيح وتأخير في النتائج وعدم تسهيل في الإجراءات كلها وعدم احترام لمواعيد ولا لأوقات - وهنا تجدر الإشارة إلى أن جامعة نواكشوط هي وحدها التي تعيش فيها الإدارة مرحلة مراهقة أبدية والطلاب مرحلة طفولة أبدية - ويغفرون للأساتذة كل ممارساتهم وهم يعرفون أن فيها السيئ من غياب وعدم اكتراث لغير ذلك ، و يبدءون يهللون لرئيس القسم والإدارة والأساتذة ، وترد الإدارة بالمثل وتبدو لك اللحظة لحظة مجاملة وتتساءل هنا لم لا تكون لحظة مساءلة أو مساءلة ومجاملة على الأقل ؟ ، ثم تقول ربما لحظة الفرحة أم أنها القيم الاجتماعية وأيا كان الصح كان على الطلاب أن يستغلوا هذا اللحظة وفاء لمسؤولياتهم أمام الطلبة اللاحقين فيبينوا للإدارة بعض عيوبها وما أكثرها علها تتوب في لحظة الغفران هذه. ثم سيبدو لك من بين الجموع رئيس القسم بملابس رسمية أحيانا وبملابس البيت أحيانا أخرى حسب تفاعله مع الموقف واحترامه له يقف أمامك وهو يعرف أكثر من غيره ما ينتظر هؤلاء، فيهنئهم على التخرج ومن يبالي من ماذا التخرج أو إلى ماذا ؟ وأفضلهم حالا من سيتمنى حظا أوفر لمن ستتسنى لهم فرصة إكمال الدراسة ، وحياة عملية موفقة للآخرين وهو متجاهلا عن أي حياة عملية يتكلم ؟ أما كان من الأجدى أن يطرح للدولة من جديد مشكلة هؤلاء الآخرين الذين من بينهم من لا تسعفه حالته المادية ، ومن لا تسعفه ظروف أخرى ، ويقترح لها بعض الحلول بدل التلاعب بالكلمات والشعارات الفارغة واسطوانة التمنيات هذه المشروخة التي سوف لن تقدم بالنسبة لهم ولا تؤخر خاصة أن أعواما من العِشرة جعلتهم يدركون حقيقة ما وراءها ، وبعد الكلمات الرسمية والغير رسمية تأتي شهادات التقدير وهي أمر جميل يؤديه المحتفلون حيث يكرم بعضهم بعضا و يعترف الطلاب لزملائهم بجهودهم فتقدم لمتفوقي القسم وللذين عملوا بجد طيلة الأعوام هذه ، فعلى الأقل في جامعة لا تعترف لمحسن بحسنة نكرم أنفسنا ، وتأتي نهاية المشهد بصور تذكارية هي أجمل ما في الاحتفالية حيث يؤرشف الجميع لفترة من عمره قضاها في وسط جامعي تحيط به أسرة جديدة ، وحيث ربما تكون هذه الصور دليل تعارف وحيد بعد عدة سنوات سيتخذ فيها الجمع مسارات مختلفة تتخذ بهم الحياة مسارات ترسمها هي لا تخضع لنظام ولا قانون أمام واقع متموج تحكمه الصدف والممارسات الرجعية .
وهنا وبعيدا عن الاحتفال والمجاملات والبسمات المسترقة و الملامح المفبركة على دولتنا أن تدرك حجم هذه الإشكالية وتدرس جوانبها المعقدة والمترابطة مع إشكاليات أخرى كثيرة ، وما دامت لم تتح الدراسات العليا ، تعرف كيف تستوعب هذه القضية وتحمي هذه الأجيال من مصائر أجيال سبقتها وتعرف كيف تستغل طاقاتها خاصة منها الشابة ، وتجعل حقا لاحتفالات التخرج معنى .

mubdi3
01-09-2011, 07:51 PM
مقال رائع أعاد لنا ذكريات الجامعة ومقاعد الدرس

سلمت يداك

عبدالله ولد محمدعبدالرحمن
01-10-2011, 12:27 AM
سلمت عزيزي وتلك ايام ليست للنسيان
سلمت ودمت
اجمل تحية
واطيب امنيه
بعام كله نجاح وافراح