مشاهدة النسخة كاملة : مواحق الطاعات


أبو فاطمة
02-07-2010, 04:32 PM
أصول مواحق الطاعات ح 1

http://www.essirage.net/sys_images_news/ImgNew_13_01_2010_22_17_45.jpg (http://www.essirage.net/sys_images_news/ImgNew_13_01_2010_22_17_45.jpg)
بقلم الأستاذ :جمال زواري أحمد

إن المؤمن ما خُلِق إلا لغاية عظيمة، وهي أن يعيش في ظلال عبودية الله - عز وجل - ويتلمَّس أسبابها ويوفِّر لنفسه شروط القيام بها على أحسن وجه، ويوظِّف كلَّ وسائل الثبات على طريقها، إلى أن يلقى ربَّه وهو عنه راضٍ، غير مبدِّل ولا مُغيِّر، تظهر ثمارها وآثارها في قوله وفعله، وخُلقه ومعاملته، في سرِّه وعلانيته، في كل حركاته وسكناته؛ قال - تعالى -: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
يقوم المؤمن بكل ذلك؛ استجابة لأمر الله، والتماسًا لحسن المآل والمصير، {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88- 89]، ورغبة في أن يحشر في زمرة أهل العبودية المكرمين في جنات النعيم: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].
عند ذلك يكون قد نال مراده، وحقق أمنيته التي طالما تغنى بها وعمل لها، وقدم دلائلها وأعطى عربون النزول بساحتها، وهو يردِّد مع ذلك العاشق الولهان:
يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا طَيِّبَةٌ وبَارِدٌ شَرَابُهَا
ويحدو مع الآخر المتيَّم:
أَنْ تُدْخِلَنِي رَبِّي الْجَنَّةْ هَذَا أَقْصَى مَا أتمنى
وهو يدرك أن أعظم الغبن وأسوء الخسران: أن يخبره الله في كتابه بأن الجنة التي أعدَّها لعباده المتقين عرضها السموات والأرض، ثم لا يجد فيها موضع قدم، كما روي أن رجلاً من الصالحين قام يصلي بالليل، فمرَّ بقوله - تعالى -: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين} [آل عمران: 133]، فجعل يرددها ويبكي حتى أصبح، فقيل له: لقد أبكتك آية ما مثلها يُبكي، إنها جنة عريضة واسعة، فقال: يا ابن أخي وما ينفعني عرضها إذا لم يكن لي فيها موضع قدم؟![1]
لذلك تجده حريصًا على تقديم الثمن، عاملاً بجدٍّ على تكوين رصيد كبير من الطاعات، وملء خزائنه بالحسنات، فلا يحقرن من المعروف شيئًا، ينوع مصادر حسناته، ويعدد مجالات طاعاته، يمارس العبودية المطلقة ويصطفُّ في قوافل أهلها، ويربأ بنفسه أن يكون من أهل العبودية المقيدة؛ كما قال ابن القيم - رحمه الله -: "الصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد، من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن.
والأفضل في وقت حضور الضيف مثلاً: القيام بحقه والاشتغال به عن الوِرد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل.
والأفضل في أوقات السَّحَر: الاشتغال بالصلاة والقرآن، والدعاء والذكر والاستغفار.
والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل: الإقبال على تعليمه والاشتغال به.
والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده، والاشتغال بإجابة المؤذن.
والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجدُّ والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع، وإن بَعُد كان أفضل.
والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال: الاشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك.
والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمع القلب والهمة على تدبُّره وتفهمه، حتى كأن الله - تعالى - يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ أوامره، أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك.
والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر، دون الصوم المضعِف عن ذلك.
والأفضل في أيام عشر ذي الحجة: الإكثار من التعبد، لاسيما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعين.
والأفضل في العشر الأواخر من رمضان: لزوم المسجد فيه، والخلوة والاعتكاف، دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم، وإقرائهم القرآن، عند كثير من العلماء.
والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادته، وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك.
والأفضل في وقت نزول النوازل وأذى الناس لك: أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم، دون الهرب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه.
والأفضل خلطتهم في الخير، فهي خير من اعتزالهم فيه، واعتزالهم في الشر، فهو أفضل من خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قَلَّله، فخلطتهم حينئذ أفضل من اعتزالهم.
فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه.
وهؤلاء هم أهلُ التعبُّد المطلق، والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدُهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه، يرَ نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجه واحد، وصاحب التعبُّد المطلق ليس له غرضٌ في تعبد بعينه يؤثره على غيره؛ بل غرضه تتبُّع مرضاة الله - تعالى - أين كانت، فمدار تعبُّده عليها، فهو لا يزال متنقلاً في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم، فهذا هو العبد المطلق، الذي لم تملكه الرسوم، ولم تقيده القيود، ولم يكن عمله على مراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها من العبادات؛ بل هو على مراد ربه، ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه، فهذا هو المتحقق بـ{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] حقًّا، القائم بهما صدقًا، ملبسه ما تهيأ، ومأكله ما تيسر، واشتغاله بما أمر الله به في كل وقت بوقته، ومجلسه حيث انتهى به المكان ووجده خاليًا، لا تملكه إشارة، ولا يتعبده قيد، ولا يستولي عليه رَسْم، حرٌّ مجرَّد، دائر مع الأمر حيث دار، يدين بدين الآمر أنى توجهت ركائبه، ويدور معه حيث استقلت مضاربه، يأنس به كل محقٍّ، ويستوحش منه كل مبطل، كالغيث حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها، وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر الله، والغضب إذا انتهكت محارم الله، فهو لله وبالله ومع الله، قد صحب الله بلا خلق، وصحب الناس بلا نفس، بل إذا كان مع الله عزل الخلائق عن البين وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها، فواها له! ما أغربه بين الناس! وما أشد وحشته منهم! وما أعظم أنسه بالله وفرحه به، وطمأنينته وسكونه إليه! والله المستعان، وعليه التكلان"[2].

كلما سمع أو رأى أو دُعي إلى باب من الخير والمعروف والطاعة والعمل الصالح، يزوِّد به الرصيد ويثقل به الميزان ويملأ به سجل صاحب اليمين - هرع إليه ولبَّى النداء وشمَّر عن ساعِد الجد، من غير كسل أو تقاعس أو تلكؤ أو تثاقل أو تأخر، ونال نصيبه من الأوائل، يتتبَّع مواسم الخيرات، ومحطات التزود الإيمانية التي يكرم الله بها عباده، فيستثمر فيها بجد، ويستغل زيادة الكرم الإلهي فيها، ويزداد كيل بعير، يرفع شعار الصالحين الذي يقول:
إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونَ
وَلاَ تَغْفَلْ عَنِ الإِحْسَانِ فِيهَا فَلاَ تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ
وَإِنْ دَرَّتْ نِيَاقُكَ فَاحْتَلِبْهَا فَمَا تَدْرِي الْفَصِيلُ لِمَنْ يَكُونُ
وَإِنْ ظَفِرَتْ يَدَاكَ فَلاَ تُقَصِّرْ فَإِنَّ الدَّهْرَ عَادَتَهُ يَخُونُ
وبعد أن يحقق كل هذا الفضل، ويكون كل هذه الثروة، يأتي عليه واجب أكبر ومهمة أعظم، ألا وهي تسييج رصيده من الطاعات والحسنات والعمل الصالح، وحمايته من الآفات، وضمان وصوله إلى الله - عز وجل - سليمًا معافًى من كل عوارض الإحباط، محفوظًا من كل طوارق الإفساد، محفوفًا بكل شروط ومسببات القبول، وصيانته من المواحق والمحبطات التي إن طرأت عليه وخالطته، جعلته في مهبِّ الريح مهما عَظُم وكَثُر، ونزعت بركته وحولت بوصلته، ليصبح وبالاً على صاحبه، فيتحوَّل من طوق نجاة وسعادة، إلى دليل إدانة وسبب شقاء، بعد أن كان حجة للعبد وجواز عبور به إلى الجنة، يصبح حجة عليه وسائق له إلى النار - والعياذ بالله.
فإن ضَمِن العبد قبولَ ولو جزءًا يسيرًا من عمله من دون محبطات ومواحق فقد أفلح، قال فضالة بن عبيد - رحمه الله -: "لأن أعلم أن الله تقبَّل مني مثقال حبة أحب إلي من الدنيا وما فيها"[3].
وقد حذَّرنا المولى - عز وجل - من هذا الأمر الخطير، ونبَّهنا إلى ضرورة التيقُّظ له، والعمل على النجاة من عواقبه، وتجنُّب أسبابه ومسبَّباته؛ فقال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم} [محمد: 33]، وقال أيضًا: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2]، وقال أيضًا: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23].



نقلا عن السراج