مشاهدة النسخة كاملة : عندما يبكي الزعماء (أمجد عرار)


ابو نسيبة
01-05-2011, 10:31 AM
عندما يبكي الزعماء (أمجد عرار)

رغم أن البكاء ظاهرة إنسانية يستوي فيها الرجل والمرأة، الكبير والصغير، القائد والجندي، إلا أنه يكاد يكون في العرف العام متاحاً ومشروعاً للطفل والمرأة، وعادة ما ينطلق تعليق جاهز عندما يبكي رجل فيقال “تبكي مثل طفل”، أو “تبكي مثل النساء”، وهذا في واقع الحال تشخيص يتجاهل أن داخل كل إنسان طفل حتى يبلغ من العمر عتيّاً، ويتجاهل اشتراك الرجل والمرأة في امتلاك قلب ومشاعر وأحاسيس مهما بلغ التفاوت بينهما .
حوادث قليلة تلك التي بكى فيها زعماء، منها ما هو ردة فعل تلقائية على حدث ما، ومنها ما هو مفتعل لاستعطاف الشعب وتمرير موقف ما، أو إعطاء الانطباع بالصدق حين يكون الكذب والنفاق سيّد الموقف، وفي هذه الحالة لا يكون البكاء هو ذاته الحالة الانسانية، إنما حالة تحيلنا فوراً إلى مستنقع التماسيح .
عشيّة مغادرته موقعه، كان الزعيم البرازيلي لولا دا سيلفا على موعد مع الدموع ثلاث مرات، لكن دموع ابن الأمازون لا علاقة لها بما يحويه أعرض نهر في العالم من تماسيح، بل بالعامل البسيط الذي عاش طفولة بائسة وحمل معه كل معانيها ودلالاتها إلى موقعه الرئاسي، فلم يتسلل القصر إلى عشّة الفقراء في قلبه ووجدانه، ولم يصدّع نهر الحياة الجديدة مبادئ رجل تحوّلت البرازيل في عهده إلى ثامن قوة اقتصادية وأحد الأماكن الأكثر استقراراً سياسياً واقتصادياً .
من الطبيعي أن يبكي الرجال عندما يكونون رجالاً، وهكذا هو لولا الذي كان يتحدّث بلغة غلبت عليها العواطف أمام حشد من أبناء مسقط رأسه، أحد المناطق الأشد فقراً في البرازيل، البلد الذي يشغل نصف مساحة أمريكا الجنوبية ولديها حدود مشتركة مع تسع من دولها وهي غويانا وفنزويلا وسورينام وغويانا الفرنسية والأوروغواي والأرجنتين وبوليفيا والبيرو وكولومبيا .
البرازيل من أكثر الدول في العالم تغيّراً ثورياً نحو الأفضل، فهي لم تحتمل المرحلة الملكية سوى تسع وسبعين سنة قبل أن تتحول إلى جمهورية، ولم يصمد النظام العسكري فيها لأكثر من تسع عشرة سنة ابتداء من 1964 وتخلصت منه عام 1985 لتشهد أول انتخابات رئاسية بالاقتراع العام المباشر عام ،1989 وها هي محظوظة بأن يحكمها زعيم من أبنائها قادم من تحت، وأن يغادر منصبه التكليفي مرتاح الضمير، مسلّماً الأمانة لأول امرأة تحكم بلد المئة وثلاث وتسعين مليون نسمة .
مرّة أخرى نحن أمام نموذج لزعامة تحمل الأمل للبشرية بأن الشر وإن طغى لا يمكن أن يحتكر كل البشر، وأن الشيطان مهما تجبّر لا يغوي كل الناس، وأن كل هذه العجرفة التي تتملّك دول النهب والاستغلال ستصبح جزءاً من الماضي، لأن التاريخ يصعد ولا يهبط، ولأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، ولهذا فإن العديد من الإمبراطوريات التي طغت وظلمت وتوسّعت فوق الجماجم وبحور الدم، انكمشت أو اندثرت، وما مصير ما تبقى منها سوى مسألة وقت .
فعاصمة البن وسحر كرة القدم، كانت مستعمرة برتغالية لثلاثمئة واثنين وعشرين عاماً . كيف حال المستعمِر والمستعمَر الآن، وماذا بقي من الإرث الاستعماري غير اللغة التي لا تعترف بأن لها صاحب بمجرد أن تحتل الألسن؟ .

نقلا عن دار الخليج