مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا ... مجتمع يتدبلج في صمت


عبدالله ولد محمدعبدالرحمن
01-04-2011, 07:24 PM
موريتانيا... مجتمع يتدبلج في صمت






نواكشوط موريتانيا ـ من عبد الله ولد محمد عبد الرحمن في نهاية التسعينيات والسنوات الأوائل من العقد الأول من عام ألفين، كانت المسلسلات المكسيكية والاسبانية الطويلة تنتشر على كل شاشات التلفزيون، وكان وقت الزوال وقتا مستقطعا، وهو الوقت المنتظر من اليوم كله في أغلبية المجتمعات العربية، ولم يكن المجتمع الموريتاني على محافظته وتقليديته بنشاز، بل إنك كنت تجد العائلة الكريمة من رأسها إلى ذيلها، كبيرها وصغيرها، ذكرها وأنثاها شاخصة العيون إلى الشاشة، فالجدة لا تخفي إعجابها الشديد بالبطل الوسيم ذي العضلات المفتولة، ولا تخفي تعاطفها مع البطلة الرقيقة البريئة، أما البنت فهي ذائبة في حب السيد، وكانت في تلك الأيام أسماء الكس وكارلوس وماريا ومارينا واخوان وغيرها من الأسماء اللاتينية أسماء متداولة في كل مكان في سوق الأغذية والخضار، في الثانويات، في أسواق الملابس والملاحف، في الشركات والبنوك وطبعا في سكريتاريا الوزارات، كانت حمى المسلسلات المدبلجة تكاد تنتاب الجميع، وفي هذه الظرفية بالذات اهتز الكيان المجتمعي الذي كان متماسكا ملتفا حول خصوصيته وميزاته، فشاعت حالات الطلاق وحالات الخلاف لحد الضرب بين الأخوة والأخوات، وبين البنات وأمهاتهن وآبائهن، وانتشرت ممارسات غريبة وبدا المشهد يتكشف عن حقائق مرعبة وبدت اللوحة تفقد رونقها، ولو افترضنا ولو جدلا أن هذه المسلسلات غير موجهة ولا ذات أهداف خفية فإنها دراما ودور الدراما الأول هو تخدير المشاهد لينصهر في المشهد، لأن عملية الانصهار هذه ما لم تتم يبقى العمل الدرامي فاقدا لبعض مركباته، كانت عملية التخدير سارية المفعول، والثقافة التي كانت تروج لها هي ثقافة مختلفة كليا وغريبة على ثقافتنا، وأحيانا لا يقرها لا الشرع ولا العرف، وبدت هذه الثقافة تلقى تقبلا مذهلا وردود فعل متسامحة لحدود القبول، فكان المشاهد مثلا ملزما بالتعاطف مع البطلة حين تنجب ابنا غير شرعي من البطل أو غيره، لا احد ينكر ما في التطلع على ثقافة الآخرين، بل حتى ممارساتهم ولو الشاذة منها من فائدة، ولكن شريطة أن تكون ذا خلفية وذا ثقافة ذاتية تمكنك أن تميز الخبيث من الطيب لا أن تكون وعاء فارغا يصب فيه أول من هب ودب فضلاته وأوساخه الفكرية والحضارية والثقافية .
كان السر الأكبر في نجاح هذه الدراما في مجتمعنا هو الطابع الأسري الاجتماعي في هذا المجتمع وهو طابع غارق في القيل والقال حول زيجة فلانة وعرس فلان وطلاق فلانة وجمال تلك وعنوسة هذه وتناقل أخبار مثل هذه، خصوصا فئة الإناث. والقيل والقال حول البطل والبطلة والحاقدين والحاقدات عليهما كان دائما هو الموضوع الذي تدور حوله مواضيع هذه المسلسلات على تعدد أسمائها وأبطالها، فكان الخبر يوجد جاهزا إذن ليكون البديل ما لم يكن هناك خبر جديد، وبدل أن يبقى البديل فترة وجيزة، صار هو الأساس ورب ضارة نافعة فأقله ينشغل هؤلاء عن بعضهم البعض بكلارا ورودريغو وغيرهما.وبينما يتفرج هذا المشاهد ببراءة كانت أفكاره تتسمم بممارسات لا تمت إلى مجتمعه بأية صلة، خاصة أن هذا المشاهد كثيرا ما يكون من فئة معدمة ثقافيا وفكريا، ولا يمتلك أي جسم مناعي ثقافي قادر على التغلب على تلك الأجسام الغريبة، كان الحديث ومداره لا شيء سوى الحلقة مائة وخمسين من مسلسل كذا ومائة وتسعين من مسلسل كذا، وكانت الأسر تسافر إلى البوادي وتبقى على صلة مع أحداث المسلسل من خلال الهاتف وغيره، وأمور كثيرة تنم عن التخلف، كانت الظاهرة تكتسح المجتمع بشكل مرعب، ومع ذلك فالأمر لم يدع المعنيين للوقوف على حيثياته ولو من حيث الدراسة والتحليل على الأقل، تطور الأمر وسار مساره، استنفدت كل المسلسلات اللاتينية وحفظت اسماؤها وصار الحديث في أحداثها مجرد حديث معاد واسطوانة مشروخة فالجميع يحفظها .
بدأت بعد ذلك فترة مسلسلات يابانية وأحيانا صينية، إلا أنها لم تدم طويلا فدخل المارد العثماني على الخط، جاء العصر التركي مع الفتح والفاتحة مهند ونور حينها كالعادة دان الجميع لسلطان الأمير الجديد ووقع الجميع في غرامه وأميرته وبدأت المسميات اللاتينية تخلي المشهد لقواميس مسميات جديدة، حقق مهند ونور نسبة مشاهدة عالية، رغم غياب الإحصائيات إلا أن المتابع البسيط كان بإمكانه الوقوف على هذه الحقيقة، ومع كل ذلك فما حققه مهند ونور وما واكبهما وما لحقهما من المسلسلات التركية لم يكن بأي حال من الأحوال يقارن بما حققه المجدد مراد وأجزاء وادي الذئاب الأربعة، كان مسلسل مراد يدخل كل بيت وكل خيمة وأكاد أقول كل مسجد، كانت عجائز المدينة تزغردن له وفتيانها وفتياتها يدقون له الطبول ويستقطعون من حياتهم كل يوم ثلاث إلى أربع ساعات، كيف لا وهو لا تكفيه مشاهدة واحدة، بل لا بد من تتبع الإعادتين والثالثة حتى إن كانت هناك ثالثة، كان مسلسل وادي الذئاب حقا مرضا أو هستيريا أو أنفلونزا اجتاحت الجميع، ولم يكن احد ولا شيء قادرا على الوقوف أمام اجتياحه الجارف في كل بيت من بيوت الصفيح، أحياء الانتظار القصور المؤسسات، المطاعم والحوانيت، كان يتابعه صاحب التاكسي والبناء والخادمة والرياضي، وبين المرة والأخرى إذا ببعض مقاطع السيناريو تترد على ألسنة البعض ولو في صياغات مختلفة كيف لا وما من لا يتابع مسلسل مراد وكأنه خارج التاريخ وخارج الجغرافيا وخارج الدنيا، كان المجتمع نهما ويستهلك هذه الصناعات بشراهة، وكانت الطبقة المفترسة هي تلك ذات المستوى التعليمي والثقافي المتدني، بل والمنعدم أحيانا وهذا هو الخطير في الأمر .
متابعة المسلسلات ربما تكون أمرا عاديا مع خطورة بلوغ مرحلة الإدمان في هذه المتابعة، إلا أن الأمر غير العادي أن يجد هذا المجتمع الذي كان منغلقا على ذاته بالأمس أن يجد نفسه اليوم ينفتح على عالم من الممارسات التي تبرر أن تنجب البنت قبل الزواج وتتزوج الأم على الزوج وتقتل من أجل الميراث وتتزوج من اجله وغير ذلك هذا هو الأمر الخطير حقا .
إن الذي لا يمتلك خلفية ثقافية وهؤلاء هم الأغلبية الغالبة من مستهلكي هذه الدراما في مجتمعنا على غير العادة، ترتسم مشاهد هذه المسلسلات في أذهانهم ما يضطرهم للاعتماد عليها كخلفيات فكرية وثقافية، هذه الخلفيات التي هي في الأغلب لا تتناسب مع دينهم ومجتمعهم .
إن المدبلج لم يعد فقط المسلسلات، بل المجتمع الموريتاني هو مجتمعنا أيضا فهو منذ سنوات يعيش مرحلة من التدبلج وبإشراف خارجي دبلجة غير خاضعة لمعايير سليمة وتتم بآليات مستوردة، فالعادات والتقاليد والقيم كلها أمور صارت على المحك أمام هذا الواقع المريض، وما يجعل الأمر أدهى في موريتانيا كون هذا المجتمع على عكس مجتمعات كثيرة عاشت ما يمكن تسميته مرحلة الانفجار الأخلاقي والقيمي الذي يكشف كل الأوراق، على عكس هذه المجتمعات هو لا يزال يعيش مرحلة الاحتقان الأخلاقي والسلوكي والمسلكي، والانفجار قادم والويل، لمن يتفرج مثقفوه بصمت، من شظاياه .

camel
01-04-2011, 07:56 PM
شكرا lovelife على القصة الجزينة,
وعلى هذا السرد التاريخي للسموم التي يتجرعها مجتمعنا الموريتاني والتي أفرزت ظواهر لا أخلاقية في هذا المجتمع البريء
وشكرا أيضا على هذه الفقرة من القصة ( متابعة المسلسلات ربما تكون أمرا عاديا مع خطورة بلوغ مرحلة الإدمان في هذه المتابعة، إلا أن الأمر غير العادي أن يجد هذا المجتمع الذي كان منغلقا على ذاته بالأمس أن يجد نفسه اليوم ينفتح على عالم من الممارسات التي تبرر أن تنجب البنت قبل الزواج وتتزوج الأم على الزوج وتقتل من أجل الميراث وتتزوج من اجله وغير ذلك هذا هو الأمر الخطير حقا .)
والأخطر من ذلك أن هذه السموم تسقى للمريض المتلهف للدواء بعد إعجابه بالطبيب فيتجرع ذلك السم ينهم لا مثيل له
شكرا أخيى على هذه القصة الرائعة واللتي تحكي مآساة حقيقية في مجتمعنا .

عبدالله ولد محمدعبدالرحمن
01-05-2011, 12:16 AM
تماما عزيزي ، الانغلاق على الذات خطير ولكن الاخطر ان تنفتح على عالم البريق هذا حيث تسيطر الصورة والصوت وينفتح عليها بهذا النهم ، ان المجتمع الموريتاني يحتاج وقفة صمت وتاامل طويلة ...... لأننا مجتمع مستهلك ومائدته الاعلامية تالفة عذرا على التشاؤم لكن هكذا انظر الى اعلامنا وفي انتظار واقع جديد ان شاء الله
على كل انا من حسن حظي ان ابدا بكم 2011
سلمت ودمت