مشاهدة النسخة كاملة : العنف ضد الفلسطينيين (علي الغفلي)


أبو فاطمة
01-04-2011, 11:34 AM
العنف ضد الفلسطينيين (علي الغفلي)

إضافة إلى العنف المباشر الذي استمر الشعب الفلسطيني يتعرض له على مدى العقود الماضية، والذي ظل يتسبب في إيقاع الضحايا في صفوفه في صورة سقوط الأعداد الضخمة من القتلى والجرحى على يد الاحتلال “الإسرائيلي” الآثم، فإن هذا الشعب يرزح تحت أشكال أخرى من العنف غير المباشر، والذي تتعدد مصادره، ولا تقل آثاره المدمرة بأي حال عن الآثار القاتلة التي يخلفها العنف المباشر الذي يمارسه الاحتلال “الإسرائيلي” ضد الفلسطينيين . قد لا تتسبب أشكال العنف غير المباشر ضد الشعب الفلسطيني في قتل أو جرح أفراده، ولكنها تتسبب بشكل مؤثر في حرمانهم من تحقيق الحياة السياسية الكريمة التي يمتلكون مقوماتها ويستحقون معايشتها .
يمكننا القول إن عملية السلام في الشرق الأوسط، التي بدأت قبل نحو عشرين عاماً، تبرز كواحد من أهم مصادر العنف غير المباشر ضد الشعب الفلسطيني . لا يمتلك هذا الشعب بشكل منفرد فرصة حقيقية في إزاحة الاحتلال “الإسرائيلي” من خلال النشاط المسلح، وذلك نظراً للفجوة الهائلة في القدرات العسكرية لدى الجانبين، ولذلك فإن واقع الحال يشير إلى أن النشاط الدبلوماسي في إطار عملية السلام هو السبيل الوحيد من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من الحقوق السياسية الفلسطينية . يستحق الشعب الفلسطيني بشكل مطلق أن يحقق أقصى المكاسب السياسية من خلال عملية السلام، وذلك بعد أن جرده التواطؤ الغربي والتخاذل العربي من خيار المقاومة المسلحة، بيد أن عملية السلام عجزت بعد عقدين من الزمن عن تحقيق أهدافها، سواء على صعيد تقليص الاحتلال أو صعيد منح الفلسطينيين المكاسب السياسية التي يتطلعون إليها .
قد يبدو القول إن عملية السلام تحولت إلى مصدر للعنف غير المباشر ضد الفلسطينيين مستغرباً، ولكن عندما ندرك مدى أهمية دبلوماسية السلام كبديل يكاد يكون وحيداً بالنسبة للشعب الفلسطيني، ونعي أبعاد الفشل الذريع الذي منيت به عملية السلام، ونتصور مدى خيبة الأمل المؤلمة التي تسيطر على أرواح وعقول أفراد الشعب الفلسطيني، فإننا نقف على حقيقة مرّة، مؤداها أن الفرصة الواقعية الوحيدة المتاحة أمام ملايين الفلسطينيين من أجل تحقيق هدفهم السياسي المشروع قد تلاشت، وأن المسؤول الأكبر عن ضياعها هو الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي شوهت دور الوسيط النزيه وتمسكت بدور الحليف المناصر للحكومة “الإسرائيلية” على الدوام .
ويتحدد المصدر الثاني للعنف غير المباشر ضد الشعب الفلسطيني في القيادة الفلسطينية . إن المشروع السياسي الضخم الذي وجد الفلسطينيون أنفسهم بصدد تحقيقه، والمتمثل في تحرير الأراضي المحتلة وإقامة الدولة المستقلة على ترابها يتطلب وجود القيادة الفاعلة، التي تمتلك الرؤية المناسبة لتحقيق الأهداف السياسية، وتستطيع أن تعبئ الإمكانات المتاحة والكامنة من أجل الوصول إليها . وبشكل صريح، لا يمكننا أن نتصور على الإطلاق أن ينجح الفلسطينيون في استعادة حقوقهم السياسية من دون وجود هذا النوع من القيادة . وفي ظل الظروف الإقليمية والدولية التي كانت في معظم الأوقات غير مؤاتية بالنسبة لإنجاز المشروع السياسي الفلسطيني، فإنه لا يمكننا المبالغة في تصوير أهمية الدور الذي ينبغي أن تلعبه القيادة الفلسطينية من أجل النجاح في تنفيذ أهداف الشعب الفلسطيني .
بيد أن الحركات والعناصر الفلسطينية التي تتصدى حالياً لمواقع القيادة لا تمتلك المواصفات المطلوبة، سواء على صعيد الرؤية القيادية أو على صعيد الآليات التنفيذية، وهي في أحسن الأحوال لا تتعدى مجرد زعامات، يعتريها العديد من نقاط الضعف . ويمكننا المضي مطولاً في سرد مثالب معسكر “السلطة” في رام الله ومعسكر “السلطة” في غزة، ولكن التناحر العميق بينهما، والذي يقاوم جهود المصالحة، ويبقي الوسط الفلسطيني على حافة الحرب الداخلية، ويمهد للاحتلال “الإسرائيلي” الاستمرار في إقصاء حلم الدولة الفلسطينية يوضح بشكل أكيد أننا أمام زعامتين لا تعملان في صالح الشعب الفلسطيني . إن المحصلة النهائية هي أن الزعامة الفلسطينية، بجانبيها المتمثلين في سلطة فتح وحكومة حماس، تمارس بدورها العنف غير المباشر ضد عموم الشعب الفلسطيني، وذلك من خلال استئثارها بمراكز السلطة أولاً، وفشلها في تحقيق أي من أهدافها المعلنة ثانياً، إضافة إلى عجزها عن تحقيق الهدف الحقيقي والأصيل والمتمثل في تحقيق حلم الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة التي يستحقها، ونجاحها فقط في تحقيق أسوأ الكوابيس الفلسطينية المتمثلة في الانشقاق الداخلي .
لا يمكننا الحديث عن العنف غير المباشر ضد الفلسطينيين من دون أن نتطرق إلى دور الطرف العربي في صياغة هذا النوع من العنف . ويمثل الدعم العربي عنصراً حاسماً في مساعدة الشعب الفلسطيني على تحقيق هدفي تحرير الأرض وإقامة الدولة، ولا يمكن تصور الاستغناء عن هذا الدعم مهما تعاظمت القدرات الفلسطينية الذاتية أو تأصلت روح التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية . ظل الشعب الفلسطيني يتطلع إلى التفهم والدعم العربيين طيلة عقود النضال المسلح وسنوات التفاوض الدبلوماسي، والأرجح أنه سوف يستمر مؤمناً بأهمية هذا الدور الذي ينبغي أن تلعبه الدول والشعوب العربية من أجل مساعدته على تحقيق حلمه السياسي . واقع الحال، من أسف، أن الدعم العربي الفاعل والمؤثر غائب إلى حد بعيد، وهو لم يكن مؤثراً بشكل إيجابي في خلال الحالات التي تدخّل فيها في شؤون القضية الفلسطينية . وفي الوقت الذي يحتاج الشعب الفلسطيني إلى كافة أشكال الدعم السياسي والدبلوماسي من الأخوة العرب، فإن طائفة من الدول العربية ترى أن التورط بشكل أكبر في القضية الفلسطينية يهدد بتقويض أهداف التنمية الداخلية لديها، بينما تنشغل طائفة أخرى من الدول العربية باهتمامات أخرى تتصل باستدامة أنظمة الحكم فيها، أو وضع ترتيبات التخارج من النظام الجمهوري وتوريث السلطة، وتنتاب الدول العربية المخاوف من ردة الفعل الأمريكية الغاضبة تجاه التدخل العربي في صياغة القضية الفلسطينية في المرحلة الحالية . ومن المؤكد أن الدول العربية لا تقدم الدعم الفاعل المطلوب منها تجاه معالجة أوجه المعاناة السياسية والإنسانية لدى الشعب الفلسطيني، على الرغم من أن في مقدورها القيام بواجبها في هذا الصدد، وهي بذلك تمارس العنف غير المباشر ضد الشعب الفلسطيني .

نقلا عن دار الخليج