مشاهدة النسخة كاملة : العام 2010 : الاتحاد الأوروبي غاب عن العالم (غسان العزي)


أبو فاطمة
01-02-2011, 04:57 PM
العام 2010 غاب الاتحاد الأوروبي عن العالم (غسان العزي)

لطالما عبر الأوروبيون عن طموحهم أن يتكلموا بصوت واحد في المحافل الدولية . ومن المفترض أن هذا الطموح قد تحقق بالفعل في العام ،2010 لكن منذ تعيين كاترين اشتون رئيسة للدبلوماسية الأوروبية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2009 إلى تأسيس “جهاز العمل الخارجي الأوروبي” وتعيين موظفيه الكبار بعد ذلك بعام واحد، فإن الدول الأوروبية لم تبرهن على قدرة فائقة على التضحية بالمصالح الآنية على مذبح المصلحة الأوروبية العليا، كما أن أشتون نفسها لم تبين عن كفاءة منقطعة النظير أو عن فهم عميق للرسالة التي تحملها أو للمهمة الصعبة التي كلفت بها .
إن تشكيل جهاز خاص بالدبلوماسية الأوروبية وإن كان تقدماً يصعب تصوره في الأمس القريب فإنه لا يعني أن الاتحاد الأوروبي بات يحظى بسياسة خارجية مشتركة . إذ إن معاهدة برشلونة نفسها والتي دخلت حيز التنفيذ في بداية ديسمبر/ كانون الأول 2009 بعد مفاوضات طويلة مضنية، لا تقدم تصوراً واضحاً للسياسة الخارجية التي ينبغي أن تكون واحدة في أوروبا .
صحيح أنه جرى اجتياز خطوة مهمة عندما تم تعيين شبكة من 136 سفيراً أوروبياً في العالم، وأنه تم تشكيل مركز لإدارة الأزمات تحت قيادة مكتب “وزيرة الخارجية” الأوروبية أشتون، لكن ذلك لن يحل المشكلة المزمنة، فالاتحاد الأوروبي لا يزال يمارس تأثيراً محدوداً في الساحة العالمية . وفي العام 2010 كان الغائب الأكبر عن الملفات الدولية الاساسية، في الشرق الأوسط، حيث دارت مفاوضات غير مباشرة ثم مباشرة فلسطينية “إسرائيلية”، فشلت بسبب عجز الولايات المتحدة عن إقناع حليفها “الإسرائيلي” بتجميد مؤقت للاستيطان . وكان يمكن للاتحاد الأوروبي أن يؤدي دوراً إيجابياً لو كان له ثقل أكبر في الميزان الدولي . كذلك فإنه لم ينجح في مساعدة واشنطن في صراعها مع طهران في الملف النووي . وهو ينسحب تدريجياً من أفغانستان بعدما انسحب من العراق . وينبغي البحث جيداً كي نعثر للاتحاد على إنجاز دولي واحد، ربما يكمن في المساعدة على تحقيق تقارب بين صربيا ومقاطعتها القديمة كوسوفو التي أضحت دولة مستقلة .
وهكذا ففي غياب سلطة فاعلة في الساحة الدولية يمكن لكاترين اشتون الاستناد إليها فإنها لابد أن تشعر بضعف شديد عندما تنبري للدفاع عن المصالح أو السياسات الأوروبية . فبماذا يمكن لها التهديد في الواقع؟ هل سلاحها الماضي سيكون نسخة عن معاهدة لشبونة مثلاً؟ وسيلة الضغط التي يمكن أن تلجأ اليها؟ هل تكون بإغلاق سفارة أوروبية في بلد ما؟ في الماضي القريب أدى الاتحاد الأوروبي دوراً مهماً في المفاوضات العالمية حول التغير المناخي، لكن فشل قمة كوبنهاغن في ديسمبر/كانون الأول 2009 قضى على ما كان عالقاً من أوهام في رؤوس بعض الأوروبيين . وقد تاثرت كثيراً معنويات أوروبا وثقتها بنفسها جراء ذلك، فمهما كانت أهمية دول في الاتحاد مثل ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا، فهي لا تستطيع أن تمارس ثقلاً حاسماً في الساحة الدولية من دون الاتحاد ككل . فالحقيقة التي يعرفها الجميع أنه بعد الحرب العالمية الثانية فقدت هذه القوى الأوروبية الكبرى مكانتها السابقة كمركز للعالم . والاتحاد الأوروبي اليوم أضعف من أن يقود هذا العالم وأكبر من أن يبقى معزولاً عما يجري فيه، وهذه معضلة حقيقية يعيشها بصعوبة بالغة . فمع ناتج داخلي إجمالي يزيد على الثمانية والعشرين في المئة من الناتج الاجمالي العالمي يمكن وصف الاتحاد الأوروبي بأنه عملاق اقتصادي، لكنه قزم سياسي . وبذلك نفهم لماذا تفضل الولايات المتحدة أو البرازيل أو الصين أو روسيا على سبيل المثال، أن تتعاطى بشكل منفصل مع كل دولة أوروبية بدل أن تتكلم مع الاتحاد كوحدة موحدة .
لقد انشغل الاتحاد الأوروبي في العام المنصرم بالأزمة المالية التي ضربت دولاً عديدة فيه وكادت تطيح باليورو، وهي أزمة خطرة هددت وجوده وصرفته عن السياسة الخارجية . لكن غياب هذه الأخيرة لم يكن في يوم من الايام بسبب الأزمة الاقتصادية أو المالية أو ما شابه . إنه يكمن في عدم الاتفاق على هوية الاتحاد نفسه، هل هو كونفيدرالية دول، أم فيدرالية على غرار الولايات المتحدة أم مجرد سوق كبير كما يريد البريطانيون؟ ينبغي على الاتحاد أن يحل أزمة الهوية هذه ويقرر ما إذا كان يريد الاستمرار في التوسع إلى البلقان، وما إذا كان يفكر جدياً في ضم تركيا مستقبلاً أم الاكتفاء بشراكة استراتيجية وعلاقة مميزة معها، وما مستقبل العلاقة مع الأمريكيين لاسيما في حلف الأطلسي . وغير ذلك من القرارات التي لابد منها قبل أن يصبح بالإمكان الشروع في بناء حد أدنى من السياسة الخارجية أولاً والدفاعية تالياً .
هذا كله بعد التأكد من مصير العملة الموحدة، وهي النجاح الأوروبي الأبرز، والتي على بقائها بات يتوقف بقاء الاتحاد نفسه على قيد الحياة .

نقلا عن دار الخليج