مشاهدة النسخة كاملة : فلسطين ومخيمات القهر والغربة ويتم الوطن


ام خديجة
01-02-2011, 05:04 AM
فلسطين ومخيمات القهر والغربة ويتم الوطن

http://img818.imageshack.us/img818/7871/204y.jpg

محمد خليفة

مأساة هذا العصر تتمثل في قضية فلسطين من حيث نشوئها وسياق تطورها وتداعياتها، فقضية اللاجئين الفلسطينين تعد أكبر جريمة بشرية في التاريخ ارتكبها الإنسان بحق أخيه الإنسان، فلم يسبق أن شرد شعب بأكمله من أرضه إلى أكثر من 40 دولة في العالم . فهؤلاء اللاجئون لم يعرفوا الحياة كما عرفها الآخرون، فهم يبصرون الغروب في إشراقة الفجر، وينتظرون الأمل عند قمة اليأس، وظلام الحيرة اللهيفة مدى الحياة، وكلما تجددت الذكرى ومضت الأيام، ولا أمل في العودة إلى الوطن، يعيشون قسوة المصير، في القلب مرارة لاينقطع نزيفها، فمنذ خلق البشرية لم يحرم شعب كما حرم الشعب الفلسطيني من العيش في وطنه، يعيش سنوات الغربة والهجر والعالم صامت يعطيهم أملاً بوهم وخيماً بضياع وسماً من شفاه النفاق السياسي ووادي المؤمراة .

فقد وصل عدد اللاجئين الفلسطينين في العالم إلى ما يقارب 6 ملايين ونصف المليون نسمة، بينما يتوزعون في الدول العربية بنحو 2،700،000 في الأردن، 000،460 في سوريا، 422،000 في لبنان، 394،000 في دول مجلس التعاون الخليجي، 245،700 في مصر، 35،000 في العراق، 27،000 في ليبيا، 24،000 في اليمن . وتوفر وكالة الأونروا المساعدة والرعاية لما يزيد على 7 .4 مليون لاجئ فلسطيني مسجلين لديها في قطاع غزة والضفة الغربية وسوريا والأردن ولبنان . ويضم قطاع غزة البالغ مساحته 360 كيلومتر مربع أكثر من 1،5 مليون شخص، ويقدرعدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا ب 1،1 مليون نسمة، أي ثلاثة أرباع السكان في القطاع، ويعيش حوالي نصف مليون لاجئ في ثمانية مخيمات معترف بها في غزة . وتضم الضفة الغربية البالغة مساحتها 5،000 كيلومتر مربع ما يقارب 2،4 مليون شخص، ويعيش ربع اللاجئين البالغ عددهم 771،000 لاجئ مسجل لدى الأونروا في 19 مخيماً رسمياً بينما يعيش معظم الآخرين في مدن وقرى الضفة الغربية .

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أصدرت منذ عام 1948 أكثر من خمسين قراراً بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومن أبرزها القرار 194 في 11 ديسمبر/ كانون الأول 1948 الذي ينص على وجوب السماح للاجئين الذين يرغبون في العودة إلى أوطانهم والعيش بسلام مع جيرانهم في أقرب تاريخ ممكن، أما الذين لا يرغبون في العودة فينبغي تعويض ممتلكاتهم وعما أصابهم من دمار وخراب، وذلك بموجب القانون الدولي أو بما يتفق ومبادئ العدل، وأن تلزم بذلك الحكومات أو السلطات المسؤولة، وبموجب هذا القرار تشكلت لجنة التوفيق الدولية وأوكل إليها تسهيل عملية إعادة اللاجئين إلى أوطانهم وتوطينهم ودفع التعويضات لهم .

لم يعانِ شعب في العالم مثلما عانى الشعب الفلسطيني، ففي أعقاب نكبة 1948 وتدمير “إسرائيل” ل 469 قرية وتشريد سكانها، هاجر الفلسطينيون من موطنهم وتشتتوا في مختلف بقاع الدنيا حاملين معهم معاناتهم وقضيتهم، فحينما غادر الفلسطينيون مدنهم وقراهم لم يكونوا يتخيلون يوماً ما قد يكون عليه مصيرهم في بلدان العالم، وهل سيعودون يوماً ما إلى فلسطين، ومنهم لا يزالون يحتفظون بمفاتيحهم . لقد تركوا منازلهم وهم يشعرون بالحسرة على الفردوس المفقود وعلى ما حل بهم من ضياع وتشتت، فالعائلة الواحدة أصبحت مشتتة في بلدان عدة، ما أصعب أن يسلب الوطن وأن يعيش أفراده خارجه ليواجهوا المجهول بينما يتجمع شتات العالم اليهود ليقيموا كيانهم في فلسطين أطهر بقاع الأرض التي أصبحت وطناً لشعب بلا وطن، فقد جاءوا اليها ليستوطنوها، إنها لمن أقسى مفارقات الحياة .

لقد مُزق الشعب الفلسطيني شر تمزيق وسفكت دماؤه في مجازر مروعة، وأصبح بلا كيان اجتماعي ولا هوية جماعية، بل إن معاناته تفاقمت في بلدان اللجوء، حيث حمل لقب لاجئ، ما جعل أوضاعه تزداد شدة وقسوة في ظل واقعه المرير، إذ لم تعهد الدول العربية في تاريخها ما يعرف باسم اللاجيء وبهذه الأعداد الكبيرة، فيما تحمل الإنسان الفلسطيني عبء التهجير وتبعات القضية الفلسطينية على مدى 60 عاماً، وأصبح اللاجئون الفلسطينيون أسرى المزايدات والمشاحنات الفلسطينية والعربية العربية والدولية أيضاً، ولا يمتلكون حق العودة إلى وطنهم . وما زالت قضيتهم معلقة والأنشطة الاستيطانية في المناطق المحتلة مستمرة وعملية السلام راكدة، فآلاف اللاجئين في العالم بمقدورهم العودة يوما ما إلى أوطانهم ما عدا الفلسطينيين الذين يعيشون الغربة ويتم الوطن والقسوة والقهر والزمن الضائع الذي يتعامل معه واللحظة الحاضرة وكل حزن الحياة في المخيمات لتمثل كل لحظة كوناً صغيراً للقهر والظلم والجحيم بمعاني الحياة، وذلك من خلال الهدم البالي المتجمد ونشيد الأغصان اليابسة وخريف الزمان والمكان وفواجع العزاء في الفضاءات الصامته وبرودة الموت التي تسري في عظام الأم الفلسطينية، وهي تشاهد أرضها ومنزلها والشبابيك السوداء المفتوحة على مصراعيها وشجرة الليمون، وهي تعمد النظر إلى عينيها بكل شرود، وقبل أن تبحر عيناها في بحر وطنها فلسطين القريب من مخيمات لبنان حيث لا مخرج من حبها لأرضها سوى الغرق، وتمسح دموعها قبل أن تمتزج أرضه بجحيم الاحتلال، حيث تحترق كل المشاعر لتولد شعوراً واحداً منذ 60 عاماً من الغربة والبعد عن الوطن وبكاء الضعف والحزن وحرمان الفلسطيني من العودة إلى وطنه، ورحلة الظلام للمتآمرين السياسيين ومشاحنات الصبية والمباغتات في الليل الأسود واللعبة المدمرة ومنعطفات المجهول، في محاولة النسيان المحمول على كفن الزمن الذي سينتهي بانقضاء الأعمار في غربة الوطن وجفاف أوراق الشجر التي تمتد بهامتها للفضاء لتروم العذوق على أعالي الرابيات، لا أرض ولا قبر، أخرجوا من وطنهم فلسطين عذراً إلى الشتات للعيش في يأس قاتل وغارب إلى الشيخوخة والحرمان وببرودة الماء في لجة المحيط وتراكمات الأمواج ومرفأ الأحلام السياسية المتصارعة على ضباب العدم وأشد لحظات المحنة وزفر المحتضر .

لا يعادل حزن أي شعب في العالم حزن الفلسطينيين خارج وطنهم بعد أن وصل عددهم إلى 7 ملايين تقريباً، فمتى يطالب المجتمع الدولي “إسرائيل” باحترام المعاهدات الدولية والامتناع عن طرد الفلسطينين، وأن يعمل على عودتهم إلى وطنهم؟ ذلك أن أي حل لا يضمن عودة اللاجئين المكدسين في خيام الدول العربية المجاورة لفلسطين إلى بلدهم ومساكنهم ليعيشوا بشكل طبيعي وآمن، يعني أن مبدأ الشر انتصر وسيكون ذلك بمثابة عار كبير على الإنسانية التي عانت كثيراً في الماضي من عجز الإنسان أخلاقياً عن عمل الخير، وهو عجز مرده إلى جهل العقل وبالتالي سيدفع الجميع فاتورة هذا الجهل، وستكون الدافع إلى حرب عالمية لن يسلم منها أحد .



كاتب من الإمارات


نقلا عن الخليج