مشاهدة النسخة كاملة : حلم طالب جامعي على موعد مع باريس { قصة قصيرة }


hamees
01-01-2011, 11:55 PM
حلم على موعد مع باريس


http://www.gralon.net/meteo-france/paris.jpg



هنالك شيء ناقص ، ضحكة كانت تملأ المكان ، تملأ البيت وفضاء الجامعة حيوية وبساطة ، خفة ظل جميلة مع مسحة بشاشة دائمة ، عفوية وتلقائية في كل التصرفات ، فهم بسيط وجميل للدراسة والصداقة والحياة ، نعم هنالك شيء ناقص هنالك مقعد شاغر ومكان فارغ وكلمات صامتة و كأس شاي يبحث عن من يشربه ، وغطاء يبحث عن من يلبسه ، وتمرين يبحث عن من يفكر فيه ، وصمت يبحث عن من يكسره ، طرق على باب الفصل و خطوات مميزة وسلام من نوع خاص ، هنالك شيء ناقص ، شيء ينقص كل الأشياء شيء مفقود ،طعم مميز للحياة الطلابية للصداقة للزمالة للسهر على المذاكرة نكهة خاصة للتواجد في فصل دراسة .
صوت لم يبق منه إلا صدى تردده الجدران نداؤه وتعاليقه لم تعد سوى دمعة مؤجلة يذرفها كل واحد منا بعد ما نفترق ، دمعة بحجم أربعة سنوات من الصداقة والحب انصهرت فيها الكيانات والأرواح بعضها ببعض ، سنوات أربع جعلتها بسمته الدائمة والتي لم يبق منها إلا هيكلها مرتسما في كل مكان جعلتها عشرة عُمر ذابت فيها الحدود والحواجز بين الأشخاص والشخصيات بسمة خلطت الشرق بالغرب والشمال بالجنوب . ذلك العالم الجميل الذي شكلته شخصيته الجميلة معنا يبقى ألان باهتا مخطوف الملامح مشلول الحركة يتملكه ذهول الموقف وهذيان الأسئلة الصامتة ، يا الله ما كان بالأمس واقعا جميلا معاشا صار اليوم سؤالا محيرا بل ومؤلما ، أين هو؟ ليعطي ليسأل ؟ ليكتب الدرس ؟ ليجلس في مكانه المفضل ؟ كلها أسئلة تغشاها صمتة الغياب .أين هو ليعرف لنا إن كان الأستاذ سيأتي؟ ليقترح حلا ليأتي بسلسلة التمارين ؟ ليتجرأ لنا على الأستاذ ويسأله عن هذا الفكرة ، وكأن الأستاذ يبحث عنه ليأتيه بالطباشير ، لا تسأل عنه يا أستاذ ،ربما تحسب أنه سؤال بسيط يتكون جوابه من كلمة واحدة ، لكنه سؤال قاس جوابه بدمعة بحجم عمْر .
أين هو ليخفف ضغط هذا الجو المشحون ليقترح مباراة كرة قدم أو كأس شاي ساخن بدل وجع الرأس هذا مع العلاقات الرياضية والفيزيائية كما يقول هو دائما على روعة طريقة تعامله معها ،وكل هذه الأشياء عليها أن تنتظر كتب عليها أن تنتظر تماما ككل أشياءه هو، تنتظر مصيرها. هو لن يصل ليس لان زحمة
السير شديدة أو لأن الباص تأخر أو انه سيأتي سيرا على قدميه ، هو لن يأتي ليس لأنه قالها هذا الصباح أو لأن الأستاذ ممل والحصة لا تهمه ، لأنه مريض أو لأنه يشعر بالتعب ، هو لن يصل لأنه رحل رحل إلى ميعاد باريس .
حلمت أمه و أهله المتواجدون في أقصى شرق نواكشوط أن ابنهم الذي سافر إلى عاصمة الأحلام والتي هي بالنسبة لهم نواكشوط ليتابع دراسته في أكبر جامعة في البلد غير آبهة ما إذا كانت هي الوحيدة أم بين أخريات ، حلموا بأنه سيدرس في نواكشوط وسيتجاوز بطيبته و اجتهاده كل الصعاب ويدخل كل القلوب ، نعم تجاوز الابن أعوام الجامعة الأربعة بكل آلامها وأحزانها التي التهمتها سعة صدره ، والتهمت آلامنا وأحزاننا ، التهمتها لكن لم يمنع ذلك الرحيل من التهامه ، حتى لكأنه في تلك الأعوام الأربعة كان يتحكم في الزمن ، فجعل من أعوام أربعة عِشرة عُمر ، وجعل من الليالي الطوال لحظات قصيرة جميلة ، نعم دخل القلوب وخرج جامعة نواكشوط مرفوع الرأس لكنه خرج من بوابة مطار نواكشوط الدولي كما حلم دوما ليكمل دراسته ، خرج إلى ميعاد باريس ،ربما أمه لم تحلم تلك الأحلام الكبيرة العظيمة التي حلمها هو ،وكل ما فكرت فيه حين غادر بيتها البسيط و اخبرها انه ذاهب إلى نواكشوط لإكمال دراسته، كل ما فكرت فيه آنذاك ليس وجهته بل أملت ان ينجز ما ذهب من أجله غير عابئة بكل التفاصيل فأبنها فقط صار في الجامعة ، لم تفكر لا في باريس ولا في دكار ولا في أي مكان آخر غير نواكشوط ، كانت أحلامها بسيطة أن يدرس ابنها ويتخرج ويعمل ، نعم درس ابنها وجد واجتهد على أمل انه سيتخرج ويعمل لكنه سوف لن يصل ..لن يصل لأنه رحل ، نعم تخرج مرة ولكن التخرج الثاني سبقه الخروج من مطار نواكشوط الدولي .
على غرار الكثيرين ممن تقاسموا معه تعب الأيام وسهر الليالي طيلة تلك الفترة وما رسمته فيها الحياة من مشاهد لتتحول اليوم إلى مسرح أليم يعج بملامح الصمت القاتلة ، تراجيديا صارت ماثلة كدمعة تنزل رويدا رويدا إلى ما لانهاية ، على غرارهم نظر إلى تأشيرة دخول باريس عاصمة الأنوار بعد أيام من الانتظار شبه اليائس في الصفوف الطويلة أمام وفي السفارة الفرنسية في موريتانيا ، دفعت الأم ودفع الأهل كل ما يملكون لأن الحلم الآن أصبح اكبر فالابن ذاهب إلى عاصمة الأحلام هذه المرة ليست بالنسبة لهم و حدهم بل بالنسبة للعالم اجمع ، لا شك أن هذا ما فهمته الأم وهي ترى كل تلك الحركية و شبه الاحتفالية التي يبدو ابنهما محورها ، ابنك ذاهب إلى مكان جميل درس فيه الكثيرون وعملوا وعادوا سالمين غانمين ، شعرت ببعض الطمأنينة ، ترجمت هي هذه الفكرة ببساطة ، سيذهب ويعود بشهاداته و يعمل ويعوض على نفسه سنوات الجد والكد والتعب ، كان هذا يكفي بالنسبة لها لم تفكر حتى في ان يعوض عليها هي وعليهم جميعا شظف العيش تحت ضغط واقع الحياة المرير ،كل ما يهمها هو ان ابنها يعود أخيرا ، ولكن هل كان كل ما يهمها هو كل ما يشغل ميعاد باريس .
هما سنتان فقط وهذا الحلم يصير حقيقة ويعود الابن محملا لا بالعطور ولا القمصان ولا الفساتين الباريسية ، هي لا تهتم لذلك ، بل بشهاداته ويصير فخرا لأمه ، لأهله لأصدقائه ، لوطنه ، ربما كانت عينا أمه تبرق وهي تودعه لا تفكر أيضا في هذه الأشياء الكبيرة فهي تسمع أن الطلاب يذهبون ويدرسون ويعودون ، وهذا ما تريد أن يحدث مع ابنها ، لا تريد أمورا استثنائية ، نعم لم تفكر في أن الحياة تقوم على الاستثناءات ،لم تكن تعرف هذه الأم ولا الأهل ولا الأصدقاء أنهما ليستا سنتين فقط ، وأن الطلاب نعم قد يذهبون ويدرسون لكنهم لا يعودون دائما .
نعم كان يشتعل حماسة وهو يحدثنا عن نيته الرحيل وعن ماذا سيفعل ، ويضحك من نفسه وهو يصعد السلم السيار مثلا يصطدم بالأبواب الأوتوماتيكية ، أو في محطة المترو وعازف الكيتارة المتسول يعزف له لحن استجداء كما حدثوه يوما ، هل سمح له الوقت بصعود السلم السيار هل دخل الأبواب الأوتوماتيكية قبل دخوله غرفة التجهيز النهائية للميعاد ، نعم ربما لكن كانت كل تلك السلالم والأبواب تأخذه إلى المحطة الأخيرة ، والتي هي ليست محطة مترو ،بل محطة تعزف فيها باريس لحنا أليما قاسيا .كان يشتعل حماسة وهو يحدثنا عن تلك الرحلة وتصوراتها حولها غير عابئ بترتيبها في حياته ولا رقمها ، ولا مكانها فيها كما كان يعبأ دائما بالأرقام الرياضية وبمكانه المنفرد عنا على ذلك الكرسي قريبا من الأستاذ ، كانت شعلة الحماس تلك تتهيأ لتكون شعلة ألم و حسرة سنشتعل بها نحن لاحقا ونحن نتأمل ملامح مقعد لم يعد يجلس عليه إلا الفراغ ، أو أشياء من ذاكرة ماضي تجلد أحداث حاضر.
خرج من باب قاعة الانتظار في المطار مع بعض أصدقائه ومن لا شك سيتعرف عليهم في جلسة الانتظار تلك القصيرة ، خرجوا متجهين إلى الطائرة فهو عليه أن يلحق ميعاد اللحن الباريسي ، كانت أمه خارج المطار تستجدي السماء بعينيها ويديها تستأمنها على ابنها خارج المطار في أقصى نقطة من الشرق لكن لا شك انها كانت على تلك الدرجة من القرب روحيا ، هل كان أمانه في قاعة العرض في مقهى اللقاء الباريسيين، صعد السلم ينظر نظر خلفه وكأنه يريد من نواكشوط ان تضرب له موعدا كما فعلت باريس ، لكن لماذا لم تتغير ملامح نواكشوط لنظرته وبقيت جامدة في صمتها ، هل كانت تشعر بشيء؟!! ربما هي أول مرة يركب فيها طائرة ويرتفع كل ذلك العلو عن سطح الأرض محلقا بأجنحة أحلامه ، لا شك أنه فكر في تلك اللحظة بعد ما هدأ اضطرابه من أول تحليق حقيقي في حياته فكر في ان خطوة مهمة في طريق أحلامه قد تحققت وان شوطا لا بأس به قد قطع ، ما كان يفكر لا في صالات العرض و الأوبرا و الألحان ، أو أماكن اللقاءات و المقاهي ، كانت ليلة ابتهال هناك في أقصى الشرق فالأم تعرف أن الليلة بالذات يخوض ابنها تلك المغامرة لم تبخل بدعاء واستجداء يسهل أموره يحفظه ويحفظ له صحته وسلامته ، ولا شك أنها بفؤاد أم يتفطر قلبها لأول فراق بهذه الدرجة مع ابنها الذي ربته بين حجارة الشرق وبألبان ماشيته لا شك أنها قالت بلكنة شرقية محلية جميلة " إطول عمرك و إردك سالم ومعافي " . حطت به الطائرة في المطار هاهي باريس بأنوارها بأضوائها بحيويتها وضجيجها ببرج مهندسها ايفل ، لا شك انه حين خرج من المطار مدد أعضاءه بتلك التلقائية وهو يستنشق لأول مرة نسيم باريس العليل قال ولو صامتا: أخيرا باريس والدراسات العليا نعم كانت أخيرا ولكن هل كانت لمتابعة الدراسات العليا أم لحضور اللحن الباريسي .
بعيدة الآن الوالدة والأهل والوطن وبعد أن كان مواطن هو ألان أجنبي ، مفاهيم كثيرة ستتغير وممارسات ستتبدل وطقوس ستأتي وأخرى ستمضي، إلا أن ذلك لن يشكل عائقا كبيرا أما شخص مثله على مسحة البداوة الجميلة التي تعتريه ، لأنه شخص مبتسم ، والبسمة لغة كونية تتجاوز جميع الحدود والفوارق اللغوية والاجتماعية ، أشياء كثيرة وكثيرة لم يجربها من قبل وعليه ان يجربها كثيرا بل ان يعتادها ليكسب ود خاطفة أضواء اوروبا ، إلا أننا لا ندري إن كان ذلك قبل الموعد أو بعده.
فتحت باريس ذراعيها كما تفعل دائما لتغري وتبهر كل زائر جديد محاولة بدفيء حضنها الآني أن تنسيه برودة الصقيع المنبعثة من ثوبها ، ارتمى هو في هذا الحضن وراقت له باريس وراق لها وبدا يعيش الحلم بكل تفاصيله ، كانت الأحلام تكبر ..وتكبر والموعد يقترب ..ويقترب .
واطمأنت الأم والأهل على ابنهم القابع الآن في عاصمة النور لا شك انه يعرف جيدا كيف يتصرف وكيف يتعامل مع الشقر الأوروبي الساحر ، والبريق المغري ، لا شك كانت أمه بطريقة غير هذه تطمئنهم على ابنها كلما حدثوها عن صعوبة العيش في المجتمعات الغربية خاصة هذه الأيام ، بل على الأصح كانت تطمئن نفسها كلما هاجمها هاجس ما فهو تربيتها و صنعة يدها ولا يمكن ان ينسى كل ما علمته إياه من حب الوطن و الحفاظ على الأخلاق والقيم الموريتانية الأصيلة مع الحذر من الانغلاق على ذاته نعم علمته كل متطلبات الحضر والمدنية تلك بنفسها البدوية التلقائية ، اطمأنوا و بدأوا العد التنازلي لعودة الابن محملا بكل ما تمناه وتمنوه هم ، لكنهم لم يضعوا الموعد في الحسبان .
أسبوع اثنان ، شهر اثنان واعتاد الأمر وصارت باريس تبدو أكثر ألفة وجمالا من تلك الليلة التي دخلها أول مرة مقشعر البدن ، يشعر شعورا فظيعا بالغربة والوحدة ويبحث في الأشياء في الوجوه عن أي شيء أليف حتى أصدقائه بدوا في الزي الجدد غرباء ، بدأت الدراسة وكان كل شيء يسير على ما يرام وكما تحدث لنا هو يوما في نواكشوط عن كيف ستكون يومياته الباريسية ، يذهب إلى الجامعة , يدرس يصلى صلواته يراجع دروسه ومن مرة لأخرى يخرج ليتكشف بعض معالم باريس ، ويستعد لاستقبال اتصال الشرق الذي يلهمه الصبر على كل شيء ويسمع صوت أمه الذي لا يترك شعلة الحماس تلك تخمد ترى لا زال الأم ترفع ذلك الهاتف الذي لم تعتد إمساكه بعد إلى أذنها أم ان ميعاد اللحن الباريسي أسقطه ليسمعها اللحن . مضت الفترة الأولى من العام الدراسي والفترة الثانية ، ولا أجمل من باريس وأكثر روعة حين توليك بسمتها ، كان هذا هو حلمه يوم ذاك حين كنا في ذلك البيت كؤوس الشاي مبعثرة بعثرة سلاسل التمارين ، مع اللحن الموريتاني ما فكر ساعتها ولا تحدث عن أي لحن باريسي ولا أماكن لقاء باريسية ، في ذلك البيت حيث كانت بسماته ونكاته توزع بالمجان ، كان كل ما صعب عليه التمرين أو شعر بالتعب يقول بنبرته المازحة وكمن يستشعر صعوبة الأمر : اللهم اجعلني أعيش حتى اليوم الذي أرى فيه نفسي في جامعات باريس و أوروبا بعيدا عن هذا الضغط والحزن كانت تلك طريقته في التخلص من التمرين فقط ، كانت آنذاك مزحة فقط ، نعم بلغ اليوم الذي يجد فيه نفسه في باريس وجامعاتها و شوارعها بعيدا ليس عن الحزن والضغط وحدهما بل بعيدا عن كل ضجيج ، كان القدر على قدر مزحته متلاعبا بها قليلا ، كان ميعاد باريس يقترب ولا هو يعرف ولا باريس تعرف ، ولا أمه في أقصى الشرق الموريتاني لا تعرف شيئا لا عن باريس ولا مواعيدها ولا مقاهيها ولا لقاءاتها ومحطاتها .
ذات صيف باريسي جميل – وفي الصيف تكشف باريس عن كل محاسنها ومفاتنها – وتبدو في قمة غوايتها ، ترى هل كانت تستعد للموعد أم هي زينتها التي اعتادت في هذه المناسبة ، أم انه القدر إذن هو الذي كان يعدها ، هل كانت كل أضواء برج ايفل مختلفة الألوان وهو ينظر إليها تهيؤه للون العرض الباريسي الواحد ؟.
ذات صيف باريسي والسعادة القاسم المشترك بين باريس ونواكشوط حيث نحن والشرق الموريتاني حيث الأم والأهل يتسمعون أخبارا من باريس ، نعم كانت باريس جميلة مبتسمة فالعام الدراسي انتهى أجمل ما يكون وباريس بدت شيئا فشيئا أليفة ، هل كانت تستعد للوقت الذي ستنكر فيه وتتنكر كما لم يتنكر أحد ولا شيء من قبل ، بغية ان يفاجأ أما تركها تدعو وتبتهل لسلامة ابنها وعودته سالما غانما قرر ان يبقى أول عطلة صيفية له في باريس ، لا رضوخا لإغرائها وحبا فيها ، ولا كرها في ان يرى وطنا طالما تحدث لنا عن واجبنا تجاهه ، ولا ان يرى عيون أمه التي ستغرورق حتما أول ما تراه بعد عام من الغياب أم هل ان عينيها على موعد مع الغرق كما كان هو على موعد مع باريس، بقي في باريس – ربما أيضا لان ثمن التذكرة إن وجد أكثر هو حاجة إليه من الخطوط الفرنسية – بقي حبا في أن يعوض الأم ويحقق حلمها أسرع ما يكون لئلا يسبقه إليها قدرا ما ن لم يفكر ساعتها ان القدر لا يستخدم الطريقة الموريتانية في التشغيل والتعيين فهو على مسافة واحدة منا جميعا ،وينسي لقاء الأم والابن كل اللقاءات والمواعيد ، أم هل ان ما استبقاه في باريس لم يكن سوى موعد اللقاء الباريسي .
في طريقه إلى مدينة غير بعيدة من باريس ، كان مسافرا لان عملا صيفيا ذكر له هناك ، ذهب بأحلامه الكبيرة و أحلام صغيرة بعمر اشهر الراحة الثلاثة ، كان يركض بحيوية جميلة خلف أحلامه ومستقبله الذي كانت دائما عيناه تشي لنا بأنه مستقبل زاهر ، لم نعرف يوما ان ميعادا ما يمكن أن يحيل كل المستقبل والحديث عنه إلى عدم وكوابيس ، الحاضر كل ما نملك حتى الحاضر لا نملكه ، إذن هل الماضي هو نملك ، لا حقيقة نحن لا نملك شيئا و لكن علينا ان ندعي أننا نملك كل شيء لأن هذه هي الحياة ،كان يركض خلف أحلامه ، لم يكن يدري أنه يركض إلى الميعاد ، خل ان الميعاد ما كان باريسيا ؟ نعم كان باريسيا إلا أن باريس أرادته في ضواحيها و أرادت توقيته أن يكون في وداعه الأول لها ، ولو حتى حين .عفوا لا ليست باريس لا ، ولا هو ، وحتما ليست أمه التي يبدو ان تاريخ ميعاد باريس كان سابقا على دعوتها تلك عند وداعها ابنها .
كان ذلك في النصف الأخير من العام بداية الصيف الأوروبي الجميل حين جاء وقت اللحن الأليم و موعد اللقاء القاسي ، وانقلبت كل بسمات باريس دموعا مؤجلة سوف لن يجد الفرصة ليذرفها معنا ، ولتتحول ألفة باريس وحويتها وأضواءها الملونة إلى جمود ابدي ..سكون ..سكون ...ولون واحد.
حادث سير مريع و منظر بشع لا شك قطع بسماتهم وضحكاتهم على نكاته الجميل ، نكات لن يسمعه أحد بعد الآن ، نبرة صوته وهو يقرأ القرءان وهو يهجى عناصر المعادلة ، ملامحه وهو يفكر في الحل ، مشيه سكونه سكوته ، بسمته ، بصمته المميزة في كل شيء ، كل ذلك انتهى، لن يسمع بعد الآن ، لن يرى بعد الآن كل ذلك انتهى .......انتهى ...
ميعاد لم يسمح له فيه بقول كلمة إلا هتهتات أخيرة في المستشفى ونظرات اللحظة الأخيرة ، لا شك انه كان يبحث عن وجه أمه بين الوجوه المحيطة به ، شعور أفظع بالغربة حتى في لحظته الأخيرة ، كيف يودع الدنيا دون ان يرى حتى وجه من أتت به إليها ، كيف يريد ان يقول شيء لا شك أنه كان سيسأل عن ما أخرها ، كان سيوصينا بها ، لا انتهى عدد الكلمات المقدر له لفظها في الحياة ، يستمع ...يستمع هل يسمع صوتها بين ما يحيط به من الضجيج آخر ما سيسمعه من هذا العالم الدنيوي ، ثم لكأنها نادته من الجانب الآخر للسرير ، التفت عن الجميع وابتسم لكأنه ألتقاها رأى وجها ، سمع صوتها ، ابتسم ورحل ...رحل...نعم كما ابتسم هنا سيبتسم هناك لان بسمتك في وجهك أخيك صدقة، رحل ...رحل .
ثلاجة المستشفى قبل المثوى الأخير هنالك يبرد كل شيء لحدود التجمد الأحلام، الكلام، الزمان، المكان. أين هو ؟! اختفى، اختطفه ميعاد باريس وإلى الأبد، أين بسمته؟ نظرته؟ صمته؟ صوته أحلامه؟ أين ... وأين ... وأين ...؟؟؟ كفى أسئلة لان الجواب لكل شيء الآن هو انتهى ... انتهى ... عدم ...عدم ، التخرج والعمل كلها أشياء سبقتها أجندة باريس . الآن فقط يتأكد ان خروجه من مطار نواكشوط كان خروجه الأخير و أنه دخل مطار باريس مشتعلا حماسا وحيوية ليخرجه باردا جامدا هامدا يتأكد أن حديثه مع أصدقائه في باريس عن العمل المذكور كان حديثه الأخير ، لم يكن عامه الأخير في باريس عام تقديمه أطروحة الدكتوراه كما حسب هو وحدثنا يوما ، بل كان عامه الأول فيها هو عامه الأخير .
أمه مسكينة أمه لا أحلامه هو الكبيرة العظيمة تحققت، ولا أحلامها هي البسيطة ، كان ميعاد باريس بالمرصاد لذلك كله ، من سيخبرها ؟ كيف سيخبرها ؟ كيف ستكون ردة فعلها ؟ وكل شيئا أنهد في لحظة واحدة، بعد ان عاش في حضنها كل تلك السنين اختطفه عام واحد ، فلا هو رآها قبل رحيله ولا هي رأته لتستبدل دعائها ذلك عند وداعه الأول ب " اللهم تقبله عندك من الصالحين " حتى هذا الدعاء عليه ان يبقى مؤجلا ، وجوم وصمت يعم جزء باريس الموريتاني، وكل من عرفه الآن يعاند شعورا مهولا بالضياع بالضعف والحياة تعري حقيقتها كاملة ، إنها قصة نبنيها من خيالنا وهي لها واقعها ، تعري كل حقائقها لا بالنظريات والمحاضرات وإنما بالواقع الراقد في هذا التابوت الآن صامتا . نعم إنه هو من كان يضحك معك بالأمس سليما معافى لن تسمع ضحكته اليوم ولا غدا ، كان يمكن أن تكون أنت في مكانه تلك هي حقيقة الحياة ، هي مسالة زمان ومكان لا تدخل أنت في معادلتهما .الراقد في هذا التابوت هو نعم هو غرفته الضيقة في باريس سريره و أوراقه المبعثرة عليه ، جهازه المحمول الإناء حيث كان يسخن الماء للوضوء اتقاء لبرد باريس كما أوصته أمه كلها أشياء بقيت وحيدة ، رحل هو وبقيت أشياؤه .نعم هناك كان ينام ، هنا كان يجلس وأوراقه محيطة به ، هنا كان يصلي ، وهنا وهنا ، لن يفعل أي شيء من ذلك الآن ، مقعده في الفصل سيبقى شاغرا ، ثيابه أحذيته خزانته الإقامة التي تعب للحصول عليها ، ذهب إلى حيث لا يحتاج إلى شهادة إقامة أو جواز سفر ، الآن لا يحضر إلا هاء الغائب ، الذي سيغيب هو الآخر ، ولو من فترة لأخرى لأن ذلك من حقائق الحياة أيضا .
بعيدا عن حال الأهل والأصدقاء لا افتؤ أتذكر الأم من سيخبرها الخبر ؟!! ورد الخبر في الإعلام الموريتاني على هزالته إلا انه لمن يتولى المهمة لان الأم لا تهتم له ن فمن سيخبرها الخبر هل سيضطر ليضحك ألما ساخرا من القدر ومن ميعاد باريس مستذكرا النكتة القديمة عن الابن الذي عاد بعد عقود من الغياب وكان أبوه قد توفي وحين أرادوا ان يخبروه بطريقة غير مؤثرة انبرى احد القوم واستقبله في المطار وسأله : منذ متى لم تر أباك فرد عليه منذ عشرين عاما فقال له : سوف لن تراه أبدا . نعم يصل بنا الألم درجة معها لا يمكن إلا أن نسخر منه إذا أردنا ان نعيش ، ان نعبر .
نعم سوف لن تراه هي أبدا، ولكن لا مكان للنكات ولا للسخرية من القدر والفاجعة، ولا لكل فلسفات الألم والحزن ، لا مكان للنكات لان البسمة رحلت إلى الأبد . خرج شابا حيويا مليئا بالأحلام والطموحات وها هو يعود تابوتا محمولا متنقلا يتحدث عنه الجميع ، نعم ربما قد كان من أحلامه ان يتحدث عنه الجميع ولكن ليس على هذا النحو . ولم تنته بعد قصته مع المواعيد المؤلمة حتى بعد آخر موعد في حياته ، الطائرة التي ستحمل جثمانه تأخرت هي عنه أو تأخر هو عنها ، أو على الأصح تأخروا هم عن واجبهم معه حيا وهاهم يفعلونها وهو ميت عن قصد ربما أو عن غير قصد ، هو لم يتأخر لأنه الآن ليس رقما أساسيا في المعادلة الحية ولو انه محورها ، إنه الآن عنصر جامد .
علمت أمه لأنها في الأخير كان لابد ان تعلم ، لا يهمها المطار ولا الطائرات ولا المواعيد ولا الرحلات ، كل ما تعرفه ان ابنها رحل ماشيا على قدميه وعاد إليها جاثما في تابوت ، رحل عنها قائلا وداعا وعاد إليها وهو لا يستطيع ان يقول أهلا ولا يستطيع حتى ان يفتح عينيه ليراها وصلت الرحلة بعد تأخر أيام جاء مع صديق نهل من طيبته لم يتصور يوما انه سيسافر إلى جانبه وهو ليس بإمكانه أن يتحدث إليه أن يسمع منه ان يرد عليه ، لم يتصور أنه سيسافر معه وهو في صمته الأبدي ، هنا يستقر الجثمان يعانق أديمه بعد معانقات أليمة ، هو سوف لن يكون غدا في مسجد الجامعة ، لن يكون في الفصل ، وصوف لن يكون داخل البيت لأنه خرج منذ أيام من الحياة ، ولنا ان نتذكر فقط الأخ الطيب والصديق الجميل لنا ان نتعايش مع صدى بسماته مع كل ذكراه الجميلة لأنها في الواقع هي كل ما تبقى منه ، لنا ان نبقى غير بعيدين من أهله ، ونفكر في الحياة وبشاعتها حين تعري حقيقتها بكل وحشية ممزقة كل الأفئدة ،لقد رحل ...رحل ...رحل


القصة للكاتب: عبدالله ولد محمد عبد الرحمن..

mushahed
01-02-2011, 05:05 PM
شكرا أختي الكريمة على هذه القصة المكتوبة بالألم والوفاء معا

قصة كتبت الكاتب كما يقال

واستعرضت حقيقة يغفل عنها الكثيرون رغم أنها على مسافة واحدة منا جميعا


اللهم ارحم الفقيد وتقبله في الصالحين، ونية المؤمن أبلغ من عمله

ونرجوا أن يكون من الشهداء


----------


الشكر موصول لصاحب القلم الكاتب: عبدالله ولد محمد عبد الرحمن

ونتمنى أن تكون صفحات مشاهد نت ميدانا لكل المبدعين من أمثاله

تحياتي

najha
01-03-2011, 10:38 AM
رحم الله محمد صالح و جميع موتي المسلمين


شكرا لك تقبل تحياتي و شكري نيابة عن الأخ العزيز رحمه الله

hamees
01-03-2011, 12:48 PM
اللهم ارحمه واسكنه فسيح جاتك فعلا قصة مؤلمة مكتوبة باحرف الوفاء شكرا مرة اخرى للكاتب

شكرا مشاهد ونتمنى ذلك
نجاح لا شكر على واجب سررت بمرورك

عبدالله ولد محمدعبدالرحمن
01-04-2011, 06:05 PM
شكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــرا
على مروركم كاملين اخوتي اخواتي
سلمتم ودمتم

hamees
01-05-2011, 08:38 PM
شكرا عبدالله على المرور