مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا وسنة ساخنة


أبو فاطمة
01-01-2011, 05:37 PM
موريتانيا وسنة ساخنة

على إيقاع نغمة متفائلة دخلت موريتانيا سنة 2010 والكل يحدوهم الأمل في أن تختلف عن سابقتها التي تميزت بصراع عنيف على السلطة لم تستطع رئاسيات 18 يونيو 2009 أن تضع له حدا. فقد أعاد إطلاق سراح "رجال الأعمال" وتدشين الحوار مع السجناء السلفيين وإعادة فتح قنوات الاتصال مع المجموعة الأوربية، إلى الساحة شيئا من هدوئها في ظل حركية دبلوماسية –بدت واعدة- قادت رئيس الجمهورية إلى عواصم لم تألف في السابق زيارة مسؤولين موريتانيين سامين، وطرحت تساؤلات جدية حول نوايا النظام الالتحاق "بمعسكر الممانعة".
تساؤلات ضاعف من جديتها القرار المفاجئ في شهر مارس بقطع العلاقات مع الاسرائليين، قبل أن يتضح أن الطريق إلى بروكسيل ملتو أكثر من اللازم وأنه كان عليه أن يمر بكاراكاس وطهران وتلابيب. وشيئا فشيئا سيتضاءل الاهتمام بمعسكر الممانعة وستتبخر أغلبية التعهدات التي قطعت في مرحلته وسيضيع ملف الحوار مع السلفيين، في دهاليز التحضيرات لطاولة يونيو والمفاوضات المضنية من أجل إطلاق سراح الرهينتين الاسبانيتين.
وسيلهب تصريح متبجح لوزيرة الخارجية –خلال مهرجان 20 مارس- حول انتهاء صلاحية "داكار"، حماس وغضب المعارضة التي سترد عليه بعد حوالي شهر وقد حسمت أمرها بوقف كل أشكال الاتصال مع النظام ومطالبته بالرحيل الفوري عن السلطة. وستبدو البلاد لبعض الوقت وكأنها انزاحت مجددا نحو فوهة البركان. وسيدفع الوزير الأول بالأوضاع نحو الأسوأ عبر تصريحاته حول دور اللغة العربية التي أثارت نقمة الزنوج وتسببت في مواجهات داخل الجامعة.
ولن تكون طاولة بروكسيل في يونيو سوى محطة –تم الحصول خلالها على وعود بتمويلات تبلغ 3.2 مليار دولار- للعبور نحو وضع جديد تترك فيه الأزمة الداخلية -التي يستخدم فرقاؤها سلاح الاتهامات والتهديدات- مكانها لأزمة خارجية ستستخدم فيها مختلف الأسلحة المتاحة. بدأت تلك الأزمة في شكل تدخلات محدودة في الأراضي المالية –التي استدعي منها السفير الموريتاني في فبراير- مرة للاشتباك مع مهربي المخدرات ومرة أخرى للبحث عن مطلوبين من أمثال عمر الصحراوي، غير أنها دخلت منعطفا جديدا مع "هجوم الخميس 22 يوليو" على مواقع لتنظيم القاعدة داخل الأراضي المالية فيما وصف بأنه محاولة يائسة لإطلاق سراح الرهينة الفرنسي جرمانو.
هجوم أثار استياء الجزائريين لأنه مهد لدور فرنسي في مواجهة الإرهاب في شبه المنطقة، غير أنه أيضا أثار امتعاض الحلفاء الأسبان لأنه عرض حياة رهينتيهم للخطر إكراما لعجوز فرنسي لم يتضح لحد الساعة ما إذا كان توفي قبل العملية أم تم بالفعل ذبحه بعيد انتهائها انتقاما لمقتل سبعة عناصر من التنظيم. وسيتم تسريع الإجراءات الهادفة لتسهيل إطلاق سراح الرهينتين حتى ولو تطلب الأمر ارتكاب نفس جريمة الماليين التي أدت إلى سحب سفيرنا من باماكو.
وفي غمرة الاحتفال بنجاح صفقة إطلاق سراح الرهينتين، سترد القاعدة في الرابع والعشرين أغشت بسيارة مفخخة على ثكنة المنطقة العسكرية في النعمه. وأمام فشل الهجوم الانتحاري سيترصد التنظيم القوات الموريتانية التي ستكثف من نشاطاتها في الشمال المالي لغاية حصول معركة "حاسي سيدي" بعد يومين من اختطاف الرهائن الفرنسيين في النيجر. وبعد إيداع الرهائن في "مكان آمن" ستعود الجبهة للهدوء من أجل إعطاء فرص أفضل للمفاوضات.
وعلى خلفية "الحرب التي يخوضها الجيش" ستعرف منسقية المعارضة بعض الخلافات، وهي الخلافات التي ستؤثر على أداء المنسقية ولن يتم احتواؤها إلا نهاية السنة مع رحيل حزب عادل باتجاه الأغلبية ومراجعة التكتل لموقفه من النظام. وسيظل نواب المعارضة في الجمعية الوطنية يمثلون طليعة الفعل المعارض، والدليل الأكثر وضوحا على وجود مناهضة فعلية لسياسات الحكومة، وعلى وجود إرادة فعالة لتعرية هذه السياسات وإحراج المسؤولين عنها.
وستشهد سنة 2010 تمرير قانون الإرهاب المثير للجدل، مع أن بعض من وجهت لهم تهم على أساسه سيتم التفاوض حول مقايضتهم برهائن. وستوافق الحكومة على تطبيق قانون الشفافية المالية وإن لم تنشر ممتلكات رئيس الجمهورية كما ينص على ذلك القانون. وسيصدر قانون تحرير الفضاء السمعي البصري وإن بقى حبيس أدراج الوزارة الوصية، كما ستصدر مدونتا الصفقات العمومية والوقاية الصحية في ظرفية تزدهر فيها الصفقات الممنوحة بالتراضي وتتفشى الأوبئة (الملاريا، حمى الوادي المتصدع).
وسيتواصل الجدل خلال السنة حول تنامي ظاهرة الحبس التحكمي، وستصدر أحكام على صحفيين تتراوح بين الحكم بالسجن لسنتين نافذتين وغرامة 300 مليون أوقية، فيما سيشير تقرير منظمة الشفافية الدولية إلى تراجع مرتبة البلاد من 130 إلى 143، وستؤكد منظمة العفو الدولية على استمرار انتهاج التعذيب بصفة شاملة في موريتانيا في التحقيق مع المعتقلين.
وستتميز سنة 2010 بأنها سنة اكتشاف أو إعادة اكتشاف الهويات، حيث سيتواصل الجدل خلالها –وأحيانا بكثير من التجني والعاطفية- حول ملامح الخريطة الجديدة التي يتم رسمها للبلاد انطلاقا من تعددية مفترضة لهويات مكونات شعبها. وسيفضي هذا الجدل حتى الآن لاعتقال رئيس الحركة الانعتاقية مع مجموعة من مناصريه في ما عرف بقصية مفوضية عرفات.
وبالموازاة مع كل ذلك تستعر حرب في الخفاء ضد المستهلك الموريتاني، عرفت فيها أسعار المواد الأساسية ارتفاعات مذهلة وصلت في بعض الأحيان إلى نسب تتجاوز 100 % كما هي حال السكر والقمح ولحوم الأسماك... وقد تميزت أسعار الوقود بأنها الأكثر تقلبا خلال السنة حيث ارتفعت أسعارها خلال هذه السنة 13 مرة. وهي الحرب التي لم تستثر أية جهود مرئية من طرف السلطة للتخفيف من حدتها باستثناء التدخل المحدود الذي حصل خلال شهر رمضان.
وقد كان من المتوقع أن يشكل تخليد الذكرى الخمسين لعيد الاستقلال الوطني الحدث الأبرز خلال العام، غير أن الدواعي الأمنية وضغط الأزمة المالية جعلت يوم 28 يمر كغيره من أيام شهر نوفمبر الذي أسندت لوسائل الإعلام العمومية خلاله مهمة كتابة وترسيخ تاريخ جديد للبلاد على شكل قوس ينغرس رأسه في الأرض منذ مرحلة التأسيس لكي لا يظهر إلا في المرحلة الحالية. وقد تميزت التلفزة بالإصرار على تشييع هذا الاستقلال إلى مثواه الأخير على أنغام لحن جنائزي كلما أرادت الإعلان عن أحد البرامج المخصصة له.
فهل كانت التلفزة تعي ما تفعله؟ وهل ستختلف سنة 2011 عن سابقتها من حيث تحويل الشعارات الطموحة إلى واقع يتجاوز حدود شارع جمال عبد الناصر؟ ذلك بكل تأكيد ما سيعد به الوزير الأول بعد أيام أمام البرلمان في خطاب يأمل الموريتانيون أن لا يزعجهم بالتوقف طويلا أمام إنجازات غير مفهومة مثل مقاطعة انبيكت لحواش وقرية ترمسه أو إنجازات مبتورة أعطت نتائج عكسية لما كانت تعد به مثل القضاء على الأحياء العشوائية والحرب على الفساد.

نقلا عن أقلام حرة