مشاهدة النسخة كاملة : تركيا والتغريب ( محمد نور الدين)


أبوسمية
12-31-2010, 07:02 PM
تركيا والتغريب ( محمد نور الدين)

أطلق وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو مواقف لافتة تعكس الجانب الأكاديمي في شخصيته أكثر من الجانب السياسي . كان داود أوغلو يتحدث خلال اجتماع مع أكثر من أربعين كاتباً وصحافياً تركياً في جولة تقييم للعام 2010 .
وفي وقت تلتقي فيه التقييمات على أن المحور التركي قد توجه إلى الشرق أكثر منه إلى الغرب، جاءت مواقف داود أوغلو لتعلن العكس تماما أو على الأقل لتعيد الأمور إلى نصابها حين قال إن تركيا لن تكون دولة مواجهة في التحالف الغربي، لكن بوصلتها دائماً هي تجاه الغرب . وأتبع ذلك بتقييم آخر وهو أن مستقبل تركيا هو في أن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي وأن مستقبل الاتحاد الأوروبي في الوقت نفسه في أن تكون تركيا عضواً فيه .
في هذه النقطة يمكن القول إنه قياساً إلى ظروف تركيا الداخلية قبل الخارجية فإن المسار الأوروبي وحده الذي ضمن لتركيا حتى الآن إنجاز إصلاحات سياسية أسهمت في تعزيز الحريات والديمقراطية وقلصت من تدخلات العسكر ونفوذه السياسي .
لكن هذه العملية ليست جزئية بل متكاملة ولا يمكن أن يكتفي حزب العدالة والتنمية بإصلاحات تناسب بعض أهدافه من دون أن يواصل السير في الإصلاح بما يخدم المسار الإصلاحي لكل تركيا والتي لا يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يختصرها لا بحزبه ولا بنظرته إلى القضايا .
إن اعتبار مستقبل تركيا في العضوية في الاتحاد الأوروبي مسألة مهمة جداً لأنها الوحيدة في ظل الظروف الداخلية التركية وفي ظل الجمود الفكري في العالم الإسلامي، التي يمكن أن تنقل تركيا من بلد نام إلى بلد متقدم وحديث .
اما مسألة التغريب فاعتبر داود أوغلو أن تركيا عرفت حتى الآن أربع مراحل من التحديث كانت كلها في اتجاه الغرب .
الأولى في مرحلة التنظيمات العثمانية بين عامي 1839 و،1856 والثانية مع مصطفى كمال اتاتورك عندما أسس الجمهورية واعتمد العلمنة والاصلاحات بدءاً من العام 329_g والمرحلة الثالثة هي مع اعتماد الديمقراطية في نهاية الأربعينيات وانضمام تركيا إلى المؤسسات الأوروبية من حلف الناتو إلى المجلس الأوروبي وغير ذلك .
لكن الذي يمكن التوقف عنده هو أن داود أوغلو يذكر أن المرحلة الرابعة هي مرحلة حزب العدالة والتنمية الذي قاد إصلاحات نوعية قربته أكثر من الاتحاد الأوروبي .
تطرح هذه الآراء وجهة مختلفة ليست جديدة بالكامل لكن يمكن أن نسجل عندها بعض الملاحظات:
إن مرحلة التنظيمات والتغيير في القوانين العثمانية آنذاك وبالطريقة التي تمت لم تكن نتيجة قناعة وتوجه عثماني نحو الغرب، بل كانت نتيجة ضغوطات غربية على السلاطين من أجل تخفيف النزعة الإسلامية في القوانين وبما يتيح المزيد من التغلغل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدولة العثمانية . والدليل على ذلك أنه عندما أتيحت للسلطان عبد الحميد الثاني الفرصة ألغى الدستور الذي أعلن عام 1876 وسلك سياسة إسلامية تمثلت في فكرة الجامعة الإسلامية وبناء خطوط السكك الحديدية من اسطنبول إلى بغداد والى الحجاز .ولم تكن هذه السياسات الإسلامية إلا ردة فعل واعتراضاً على مرحلة التنظيمات التي فرضت فرضاً على الباب العالي . وبالتالي لم يكن هذا التوجه الغربي إن جاز التعبير حينها سياسة رسمية أو عملية للدولة .
أما في المرحلتين التاليتين، أي مرحلة أتاتورك وما بعد الحرب العالمية الأولى فيمكن القول إنه بالفعل كانت هناك سياسات تغريبية لكنها كانت خطرة للغاية على هوية تركيا نفسها وعلاقاتها المشرقية .
لكن المثير للتوقف ان داود أوغلو وضع سياسة حزب العدالة والتنمية في سياق التوجهات الغربية لتركيا بما يدفعنا إلى الاعتقاد أن سياسات حزب العدالة والتنمية اليوم ليست سوى استمرار للنهج التغريبي الذي بدأ بالتنظيمات ومرّ بعهد أتاتورك .
مثل ها التصور يضفي حقانية على مراحل التغريب السابقة التي لم تفعل في جانب كبير منها سوى تشوية الهوية التركية بل محاولة لسلخها عن محيطها الطبيعي الإسلامي والمشرقي .
إن اعتبار مرحلة حزب العدالة والتنمية مرحلة تغريبية أيضاً يسيء إلى صورة الحزب والى جهود تركيا من أجل التصالح مع محيطها بعد عقود قاربت القرن من العداء .
ان محاولات “العدالة والتنمية” تحديث النظام السياسي شيء، واعتبار ذلك تغريباً شيء آخر .
ولا أعتقد أن أحداً في تركيا يعارض التحديث وجعل تركيا دولة متقدمة بكل المقاييس، ومن ذلك عضويتها في الاتحاد الأوروبي، لكن أيضاً لا أحد يريد لها أن تكون في معسكر التغريب وما يتطلبه من مواقف لا تنسجم غالباً مع هوية تركيا ومحيطها الطبيعي .

نقلا عن دار الخليج