مشاهدة النسخة كاملة : ساعة العرب واقفة (عبد العزيز المقالح)


أبوسمية
12-31-2010, 06:48 PM
قطرة ضوء
ساعة العرب واقفة (عبد العزيز المقالح)

تنخدع الأغلبية الساحقة من بني الإنسان بظاهرة الدوران اليومي لحركة الليل والنهار، وتعتقد هذه الأغلبية أن كل شيء وفقاً لتلك الظاهرة ثابت لا يعرف التغيير، ويتجلى ذلك الاعتقاد أكثر وأوضح لدى الشعوب الجاهلة الخاملة التي يمر الزمان بجوارها فلا تشعر بوجوده، ولا تنتبه لأهميته، ولا ما ينبغي أن تفعله لإثبات وجودها إزاء حركته التي لا تتوقف ولا تتكرر مياهها . ولعل الفارق الأبرز بين شعوب وأخرى لا يتجسد في شيء، كما يتجسد في أن البعض منها يدرك قيمة الزمن فينصرف إلى العمل ليل نهار، وبعضها الآخر لا يدرك هذه القيمة ولا يشعر بها فيتخلى عن دوره المطلوب كإنسان فاعل في هذا الوجود، كأنه بتصوره العبثي للزمن يرفض أن يتزحزح قيد أنملة عن واقعه الراكد المتخلف بما يجعله الأقرب إلى الجماد منه إلى الإنسان الحي .
ومع نهاية عام وبداية آخر، يتوقف المهتمون متسائلين عن العلاقة الملتبسة بين الإنسان والزمن، وعندما تتصادم الآراء وتختلف التقييمات والقراءات تجاه ما استطاع الإنسان وما لم يستطع إنجازه في الفترة المحددة المسماة عاماً، وفي إطار من التفاؤل تبدو الصورة مثيرة لتساؤل أكبر: أي الفريقين كان الأقرب إلى التقاط ما هو أكثر تمثلاً وانسجاماً مع الواقع؟ ومن إعادة النظر في عدد الكتابات التي تناولت بالقراءة الجادة الحصيلة التي خرجت بها الأعوام الماضية عربياً ودولياً، نجد أن طابع التشاؤم هو الغالب والأقرب إلى حقيقة ما حدث، في حين أن الرأي المتفائل لم يعتمد على دراسة الواقع بقدر ما اعتمد على الأحلام والأمنيات .
وكيفما كانت النتائج فإن الأسوأ يتجلى بوضوح في تلك التكهنات المتعلقة بالمستقبل، سواء منها المتفائلة أو المتشائمة، فقد تجاهلت أن حركة الزمن وسيرورة الأيام لا تعترف بالقراءتين معاً .
وما من شك في أن العمل وتراكم الإنجازات هما الشاهد على مرور الزمن، كما أن الهدف الأساس من كل قراءة جادة ينبغي أن تحكم على الناس والشعوب لا على الزمن، فما هو إلا إطار تقيس به الشعوب والأمم مدى ما حققته وما لم تحققه، وما تسعى إلى تحقيقه . والذين يهاجمون الزمن ويفترون عليه ويصفونه تارة بالرديء وأخرى بالأسود إنما يتخذونه شماعة يعلقون عليها فشلهم وعجزهم وتقصيرهم في العمل، بوصفه المقياس الصحيح للتقدم والتأخر والركود .
والغريب هو ما أوضحته الأعوام القليلة الماضية، وقد يكون في السنوات المقبلة أكثر وضوحاً من أن العرب لم يعودوا وحدهم الذين يشكون من ضآلة الإنجازات وسوء حصيلة الأعوام، فقد وجدت الشعوب المتقدمة نفسها في واقع لا تحسد عليه، وبلغت مخاوفها من المستقبل أضعاف مخاوف العرب الذين اعتادو أشكالاً فادحة من الخسائر المادية والمعنوية، وخرجوا في كثير من الأعوام الماضية بأقل من خفي حنين على أكثر من مستوى، ولم يحدث لهم ذلك بفعل الآخرين فحسب، وإنما بأفعالهم وبإرادتهم وبعجزهم المزمن على إدراك طبيعة التغيرات، وما عليهم أن يفعلوه لمواجهة ما تقتضيه من مواقف وإجراءات تحمل معها بعض الحلول لأوضاع تجمدت وصارت عتيقة أكثر مما ينبغي .
لن أقول شيئاً عن العام الذي انقضى، ولن أقول شيئاً عن العام الذي سيتأتي، ولن أصدق ما يقوله المنجمون حتى لو كانوا أساتذة كباراً في المراكز المرموقة والموكل إليها إعداد الدراسات المستقبلية، وما استطيع أن أقوله بكل وضوح إن ساعة الوقت عندنا نحن العرب لا تزال واقفة .

نقلا عن دار الخليج