مشاهدة النسخة كاملة : الرئيس الموريتاني يحتوي الأقليات والتناقضات


ابن تيارت
12-30-2010, 01:36 PM
الرئيس الموريتاني يحتوي الأقليات والتناقضات




حاولت الاحتفالية السياسية التي أقيمت بالعاصمة نواكشوط بحضور سياسي وإعلامي بارز مواكبة لانضمام قيادي إفريقي بارز إلى الأغلبية الحاكمة في موريتانيا أن تخفي دلالات وأبعاد قرار أحد أكثر أحزاب الأقلية الإفريقية عنصرية في موريتانيا الانضمام إلى التوليفة السياسية المساندة للرئيس محمد ولد عبدالعزيز، فقد جمعت المناسبة ألوان الطيف من مختلف التيارات تحت سقف واحد وإن بدت بتناقضاتها منسجمة فإن الفضل في ذلك يعود ل”كاريزما” الرئيس عزيز فقط في رأي أحد المحللين، فقد تمكن الرجل من استمالة المزيد من الفرقاء “ليجمعهم في جوف واحد”، لكن هل يستطيع كل من هؤلاء الحفاظ على التماسك والانسجام في ظل قراءات متباينة لكل منهم لواقع التعايش؟

وسط بهرجة وأضواء وبحضور قادة بارزين في الأغلبية الحاكمة، وقع رئيس حزب “التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة/حركة التجديد”، إبراهيما صار مختار وثيقة سياسية تقضي بانضمام حزبه للأغلبية الرئاسية، وقال إبراهيما بأن ما وصفه التوجه “البرغماتي للرئيس ولد عبد العزيز كان مبرراً كافيا لاتخاذه قرار مساندته حيث إنه (الرئيس عزيز) أثبت أنه “قادر على حل مشكلات موريتانيا المتراكمة منذ عقود وفي مقدمتها ملف المغارم الإنسانية” على حد تعبيره .

انضمام حزب “حركة التجديد” للموالاة يأتي بعد أيام قليلة على توقيع شراكة مماثلة للأغلبية الحاكمة في موريتانيا مع أحد أقطاب منسقية المعارضة الموريتانية يتعلق الأمر بحزب العهد الوطني للتنمية (عادل) الذي ترأسه رئيس الوزراء السابق في حكومة الرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله .
ويرى مراقبون أن رهان الرئيس ولد عبد العزيز في عملية ضم إبراهيما يكمن في رغبة الرئيس الموريتاني في احتواء الحركات الإفريقية الراديكالية التي يشكل صار مختار أحد تجلياتها، خصوصاً أن النظام الموريتاني بحاجة إلى فرض حالة من التوازن في علاقاته بالأقليات الإفريقية التي تشكل جزءاً مهماً من نسيج المجتمع الموريتاني، فكلما كان التوتر يلوح في طرف منها يكون من الضروري تهدئة الجانب الآخر . ويعتبر محللون أن حالة الغليان التي تحاول أطراف سياسية خلقها من خلال الحديث القديم الجديد عن الرق وضبط حالات عبودية في موريتانيا، واعتقال نشطاء حقوقيين واحتمال تقديمهم للمحاكمة كلها تطورات تجعل من الضروري في الوقت الراهن اتساع صدر الأغلبية للانسجام مع باقي الأقليات (التكرور، الصونكي، الولف) وتخفيف الاحتقان معها، ما يمكن من التعاطي بقدر من الأريحية والتأني مع ملف نشطاء سياسيين يتخذون ملف الرق غطاء لأهداف سياسية، خصوصاً أن المتورطين في الملف حظوا بإمهال من السلطات طيلة السنوات القليلة الماضية، وبحسب قياديين سياسيين بارزين في نواكشوط فإن الرئيس ولد عبد العزيز لا يريد أن يطغى منطق التجاهل لتلك الحركات على ضرورة استتباب الأمن وتطبيق القانون ضد الخارجين عليه، ما يقتضي عدم التساهل في التعاطي مع الملف قضائياً، وفيما يعتبر مؤيدو الرئيس ولد عبدالعزيز أي انضمام في الوقت الحالي للأغلبية يشكل نقطة مهمة باتجاه خلق جو من التفاهم السياسي لتطبيق البرنامج الانتخابي للرئيس ولد عبدالعزيز، يشكك آخرون في قدرة الرئيس على قيادة هذه السفينة بكل ما فيها من فجوات . وقد تعهد إبراهيما الحاصل على نسبة 7% من الأصوات في انتخابات الرئاسة لعام 2007 و 4% في رئاسيات 2009 بالعمل “مع قيادة حزبه ومناصريه على تطبيق جميع خيارات ولد عبدالعزيز في إطار الأغلبية التي انضم إليها حزبه بعد مفاوضات أثمرت عن مقاربة بين برنامج رئيس الجمهورية وأهداف حزب التحالف من أجل العدالة والديمقراطية/ حركة التجديد”، مؤكداً أنهم سيضيفون للأغلبية جهداً لتسريع تطبيق برنامج الرئيس وتعزيز الديمقراطية والعدالة والمساواة بين كافة الموريتانيين .

وأسهب مختار في الحديث في الاحتفالية أمام قادة الأغلبية، عن تاريخه السياسي واصفاً نفسه بالمناضل الذي قارع منذ أربعين سنة جميع الأنظمة وخصوصاً نظام ولد الطائع، ووصف إبراهيما الرئيس ولد عبد العزيز بالشجاعة لمواجهة مشكلات البلاد وقدرته الفائقة على تذليل العقبات في وجه تسويتها ومحاربته للفساد وعزمه على بناء دولة القانون، مشيراً إلى أن هذه أمور جعلته يخلص في دعمه ومساندته .

وقال إبراهيما “إن ولد عبد العزيز تميز عمن سبقوه باستعداده لمناقشة كافة القضايا بصراحة وجرأة” واستدل على ذلك ب”اعتذاره للأفارقة الموريتانيين الذين تعرضوا للظلم في عهد ولد الطائع وحرصه على عودة المبعدين منهم” .

ولا شك أن الرئيس الموريتاني كان أول الزعماء الموريتانيين يعترف ضمنياً بما بات يطلق عليه “ملف الإرث الإنساني” حيث يقول الأفارقة إن الرئيس الأسبق معاوية ولد الطائع قتلهم بالمئات وهجر الآلاف منهم، وقد صلى عزيز صلاة الغائب على أرواح من يعتقد أنهم أفارقة موريتانيون قتلوا في عهد ولد الطائع، ولم يتأخر صار إبراهيما في رد الجميل للرئيس عزيز حينما قرر الترشح لانتخابات 6 يونيو/حزيران 2009 الملغاة ثم انضمامه أيضاً هذا الأسبوع للأغلبية الحاكمة .
بيد أن المراقبين في موريتانيا لا يزالون ينظرون إلى أن الرابح الأكبر حتى الآن في هذه الخطوة هو الأغلبية الحاكمة فيما قد تكشف الأيام المقبلة عن بعض من تفاصيل ثمرة المعاهدة فهل سيدخل ممثلون عن حزب “حركة التجديد” في حكومة الأغلبية؟ وإذا حصل ذلك سيكون ثمناً كبيراً خصوصاً إذا ما علمنا أن حزب “عادل” المنضم حديثاً للأغلبية لم يشرك بعد في الحكومة لقاء موقفه .

واشتهر إبراهيما مختار رئيس حزب “حركة التجديد” بدعواته العنصرية التي عكستها مطالب ظل يرددها في الآونة الأخيرة وتمثلت في دعوته لتغيير اسم الدولة ونشيدها وعلمها، بل وإلغاء اللغة العربية كلغة رسمية للبلاد، كما عرفت عنه مواقفه المناقضة لتوجه للأغلبية العربية، وهي المواقف التي تترجم أفكار “حركة قوات تحرير الأفارقة الموريتانيين” (أفلام) المحظورة، والتي يعتبر صار إبراهيما مختار أحد مؤسسيها ومنظري طرحها . وتطالب الحركة في بعض شطحاتها الفكرية بإقامة دولة للأفارقة في موريتانيا وترسيم لغاتها وتحييد اللغة العربية وتقاسم السلطة وغيرها من الدعوات التي تعتبر الدينامو المحرك للنعرات العرقية في البلاد .

بل إن المراقبين يزعمون أن سبب شعبية إبراهيما داخل أوساط من أفارقة موريتانيا هو كونه الممثل الداخلي ل”حركة قوات تحرير الأفارقة الموريتانيين” (أفلام) .

وقد حاول إبراهيما في تصريحاته على هامش توقيع مذكرة الانضمام إلى الأغلبية النأي بنفسه عن تلك الأطروحات، وقال إن قراره كان على أساس الاقتناع بسلامة نهج ولد عبد العزيز في تسيير أمور الحكم، وأكد أن حزبه لم يدرج أبداً ضمن برنامجه المطالبة بحكم ذاتي للأفارقة في الجنوب الموريتاني ولا بتغيير النشيد والعلم الوطنيين، بل طالب باللامركزية في جميع مناطق البلاد .

وحتى تتبين تقاسيم العلاقة المستقبلية في ضوء انضمام حزب إفريقي راديكالي للأغلبية الحاكمة جاءت تصريحات مسؤولين في الأغلبية مباركة لنهج ابتلاع أحزاب المعارضة .

فقد اعتبرت الناها بنت مكناس، الرئيسة الدورية لائتلاف أحزاب الأغلبية ووزيرة الخارجية في الحكومة الموريتانية، أن انضمام حزب “حركة التجديد” إلى الموالاة “سيسهم من دون شك في تقوية وتجذير الديمقراطية في موريتانيا وتعزيز المساواة والعدالة والحرية بين كافة المواطنين” .

وقالت بنت مكناس “إنهم في الأغلبية يجددون التعلق الذي لا يتزعزع بقيم التضامن والوئام الأخوي وبتعزيز الوحدة الوطنية والعيش المنسجم بين مختلف مكونات المجتمع في احترام كامل لتنوعه العرقي والثقافي” .

وجددت بنت مكناس استعداد الأغلبية “لكل حوار صريح وبناء وصادق، هدفه تعزيز لحمة بناء موريتانيا الجديدة التي يتواصل إنجاز ورشاتها بخطى واثقة وثابتة تحت قيادة رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز'' . حسب تعبيرها .

بدوره اعتبر محمد محمود ولد محمد الأمين رئيس “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، الحاكم، انضمام حزب “حركة التجديد” إلى الأغلبية، حدثاً سياسياً في غاية الأهمية للعائلة السياسية للأغلبية، وقال إن حفل توقيع المعاهدة جاء بعد أشهر من المفاوضات التي توجت بتوحيد وجهات النظر حول مجمل القضايا الوطنية الكبرى، استعداداً للعمل السياسي المشترك، ووصف رئيس الحزب الحاكم القطب السياسي للأغلبية بأنه الأكبر في البلد، معرباً عن فرحتهم بحزب “حركة التجديد” واطمئنانهم إلى كونه سيشكل إضافة نوعية وكمية لهم، داعياً المعارضة إلى الحوار مجدداً، ومطالباً إياها بترك ما أسماه “التأزيم والتعطيل وتسييس القضايا الاجتماعية والتدخل في ملفات أمام القضاء” .

وتضمنت وثيقة التفاهم، اتفاق الأطراف على نتائج المنتديات العامة للديمقراطية، وتطبيق القانون المتضمن تجريم العبودية، وقضية العائدين من السنغال، ومتابعة تسوية الإرث الإنساني، ووضعية اللغات الوطنية ومكانتها في وسائل الإعلام العمومية، والمسألة العقارية . وفيما ينغمس مؤيدو الرئيس الموريتاني في نشوة ما بعد التحالفات السياسية مع أطياف أتت في معظمها مما تبقى من المعارضة المنقسمة على ذاتها، لا تزال الأخيرة تتخذ من ساحات البرلمان جبهة لتصعيد الهجوم على النظام وبرامجه وسياساته .

فقد طالب نواب من المعارضة الحكومة بالإسراع في تقديم مشروع قانون تحرير الإعلام المرئي والمسموع للبرلمان وذلك بعد أن تم تأجيله مرتين مشككين في جدية الحكومة إزاء فتح المجال السمعي البصري، وتنتظر عشرات الإذاعات الحرة والفضائيات إصدار القانون الذي من شأنه السماح بإطلاق إذاعات وتلفزيونات خاصة، كما استمر نواب المعارضة في استجواب الوزراء في عدة ملفات مفتوحة، وأعلنوا إصرارهم على استجواب رئيس الوزراء في ملف الفساد، وتهدف المعارضة من وراء هذا الاستجواب للتقليل من شأن ما تحقق في ملف محاربة الفساد الذي يعتبر من أهم ركائز خطاب الرئيس عزيز .

وواكبت المعارضة خطابها البرلماني الناقد، بخطاب بيانات محذرة من الآثار الخطيرة لاستمرار التصاعد المتزايد لأسعار المحروقات في موريتانيا على ضوء تاسع زيادة في أسعار المحروقات في غضون عام واحد .

فقد طالب “حزب اتحاد قوى التقدم” (اليسار) وهو عضو منسقية أحزاب المعارضة، من وصفها بالقوى الوطنية الحية بالتصدي ل”عجز النظام عن حل مشكلات البلاد المتفاقمة بمزيد من الوحدة والنضال والصمود” .
وانتقد الحزب بشدة “الصمت الرسمي إزاء استمرار التصاعد المضطرد لأسعار المواد الأساسية عموما والمحروقات خصوصاً”، وحمل الحزب اليساري في بيان أصدره، الحكومة المسؤولية عما قد يترتب من نتائج سلبية على الاستهداف الممنهج لإنهاك قدرة المواطن الشرائية الضعيفة أصلاً، بحسب تعبير البيان .

وبدوره شدد حزب “التكتل” الذي يترأسه زعيم المعارضة أحمد ولد داداه على أهمية تدخل السلطات للحد من الارتفاع المذهل لأسعار المحروقات في البلاد، معتبراً أن زيادة أسعارها غير مبررة .

بعثيو موريتانيا من جديد

وفي جديد الحراك السياسي هذا الأسبوع، كثف حزب “الصواب” (بعثيو موريتانيا) نشاطاتهم التعبوية للشارع من خلال مهرجانات وسهرات سياسية وثقافية تستهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من المنتسبين .

وكشف عبدالسلام ولد حرمة رئيس حزب “الصواب” عزم الحزب دخول البرلمان في الانتخابات التشريعية المقبلة، معتبراً أن عدم دخوله البرلمان المقبل إبان الانتخابات الماضية ناتج عن أخطاء تنظيمية وترتيبية .

ويرى مراقبون أن الحزب الذي تعرض لانقسامات كبيرة، وتوزع العديد من منتسبيه على أحزاب أخرى، أمام امتحان حقيقي في الانتخابات المقبلة، حيث إن بقاء الحزب خارج البرلمان المقبل سيؤكد ما تذهب إليه التحليلات عن تراجع شعبية البعثيين الموريتانيين وعودة التنظيم إلى مجرد “نخبة” تفتقر لأرضية جماهيرية تؤمن لها مكانة فاعلة في الساحة السياسية الموريتانية .

ولعل المساعي الكبيرة التي بذلها حزب “الصواب” خلال السنة الماضية لبناء تحالف “منسقية أحزاب العمل القومي الإسلامي” (تحالف ناصري، بعثي، إسلامي) والجهود التي يبذلها حالياً لتوحيد لوائح ترشح المنسقية في جميع الدوائر الانتخابية، من بين أمور أخرى أقنعت الحزب بضرورة دخول البرلمان، الذي بات المعيار شبه الوحيد لحجم أي كيان سياسي وتأثيره .
""""""""""""""""""""""""""""""عن الخليج"""