مشاهدة النسخة كاملة : وداعاً جنوب السودان .... {عماد حسن}


ام خديجة
12-30-2010, 08:54 AM
وداعاً جنوب السودان


http://img515.imageshack.us/img515/2007/134215.jpg

عماد حسن


عند نشر هذا التقرير، يكون قد تبقى 9 أيام فقط على إجراء استفتاء مصير جنوب السودان الذي شغل الدنيا خلال العام الماضي وخصوصاً النصف الأخير منه، والسودان يودع العام غداً ويستقبل عاماً جديداً باحتفالين متناقضين، الأول باستقلال عن المستعمر الإنجليزي قبل 57 عاماً، والثاني بمكافأة المستعمر بتحقيق حلمه بانفصال الجنوب بعد نصف قرن من الشد والجذب والاستقطاب السياسي والاجتماعي والحرب الأهلية .

لم تتبق أية عقبات أمام إجراء الاستفتاء، فكل ما كان يقف عائقاً تمت ازالته أو تسويته، وحتى بطاقات الانتخابات التي كانت الرهان الأخير في أن تأخير طباعتها ووصولها سيؤدي إلى تأخير الاستفتاء وصلت إلى عاصمة الجنوب جوبا وعاصمة الشمال الخرطوم . وليست مصادفة أن يرسو عطاء طباعة بطاقات الاقتراع لشركة بريطانية من لدن المستعمر القديم، وبسرعة هائلة وفي وقت وجيز .فقد كلفت شركة (تال سكيوريتي برنت) البريطانية مطلع ديسمبر/ كانون الأول الجاري بطباعة مواد الاستفتاء وطبعت 5،7 مليون بطاقة في حين يبلغ عدد المسجلين نحو أربعة ملايين شخص .

وحتى العاصفة الثلجية التي ضربت أوروبا لم تقف عائقاً أمام الاستفتاء، وكان المنظمون يخشون أن تتسبب العاصفة التي عطلت حركة الطيران في بريطانيا في عدم قدرة الشركة الإنجليزية المكلفة طبع بطاقات الاقتراع على إرسالها في الوقت المحدد . وقال دينس كاديما رئيس وحدة الاستفتاء ببعثة الأمم المتحدة بالسودان في احتفال أقيم بمقر مفوضية الاستفتاء بالخرطوم “لقد أوفت الأمم المتحدة بوعدها بطباعة وتسليم بطاقات الاقتراع في 12 يوماً، والآن فإن بطاقات الاقتراع قد سلمت في كل من الخرطوم وجوبا” . وأضاف “باكتمال هذه العملية ستستمر الأمم المتحدة في توفير الدعم الجوي لإيصال مواد الاقتراع إلى مراكز الاقترع في المناطق النائية التي لا يمكن الوصول إليها بالبر، إن الأمم المتحدة ملتزمة مواصلة تقديم العدم لهذه العملية في إطار الجدول الزمني المحدد” .

وكما تكون الأمم المتحدة حاضرة في نهايات الأحداث الجسام لأي دولة، وتبدي مقدرة عجيبة في تسوية الأمور وتجييرها لمصالح بعض الدول، فقد اعلنت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ان الالاف من السودانيين الجنوبيين الذين يعيشون في الشمال يعودون إلى ديارهم في الجنوب قبل الاستفتاء المقرر له التاسع من يناير/ كانون الثاني ،2011 ووفقاً للمفوضية فان السلطات في جنوب السودان نظمت حركتهم عبر الطرق والسكة الحديد والسفن والطائرات . وقالت في بيان “خلال الأسابيع الأخيرة عاد نحو 55 ألف سوداني جنوبي إلى ولايات الجنوب، وأساساً ولاية الوحدة . كما استقبلت ولايات أعالي النيل وبحر الغزال الشمالية وجونقلي وواراب أعداداً كبيرة من العائدين” .

وتالياً يكون العائق الأساس الثاني في جدلية الاستفتاء قد انهار، رغم أن بيان المفوضية نفسه أشار إلى أنه “في مخيمات النازحين مترامية الأطراف بالخرطوم، حزم الآلاف من الجنوبيين أمتعتهم في انتظار المغادرة”، وأضاف أن العائدين الجدد يواجهون بيئة إنسانية هشة . لكنها شرعت في توزيع مساعدات على نحو 35 ألف عائد في بلدة أبيي وما حولها . ولم يغفل البيان الإشارة إلى أنه جاء أناس من الخرطوم بمساعدة السلطات المحلية وهم يستفيدون من المآوى الطارئة” . وانهم أيضاً حشدوا الموارد من أجل الاستجابة للزيادة المحتملة في الحاجات الإنسانية في أماكن أخرى من خلال شحن امدادات إنسانية ضرورية وتحديد المواقع مسبقاً، بما في ذلك في الدول المحيطة .

أما العائق الرئيس الثالث، والذي كان يحتل المرتبة الأولى قبل أن يتراجع مع مضي الأيام إلى المرتبة الثالثة، فقد انهار هو الآخر، حين بدأت حكومة الرئيس عمر البشير تسلّم بانفصال الجنوب، وبالتالي لن تقف أمام إجراء الاستفتاء بأية عوائق كما كان يعتقد من قبل، بل ان البشير نفسه فاجأ الجميع بتنازل نادر وغريب حين أعلن استعداده للتخلي عن حصة شمال السودان في نفط الجنوب إذا صوت الجنوبيون لصالح الوحدة . بالرغم من أن اتفاقية السلام نصت على تقسيم نفط الجنوب مناصفة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الجنوب . وأطلق البشير تباعاً وطاقمه الحاكم، تصريحات مفادها أن الانفصال آت لا محالة، وشرع الجميع في بحث قضايا ما بعد الاستفتاء، أو الانفصال وهو التعبير الأكثر دقة، بل ان البشير أعلن أن السودان سيطبق الشريعة بعد الانفصال .

وتبددت المخاوف من إمكانية عدم إجراء استفتاء جنوب السودان في موعده المحدد بالتاسع من يناير ،2011 حيث انهار العائق الرابع وهو اللوجستية، وأولها القدرة على تدريب موظفي الاقتراع في أقل من 10 أيام قبل الاقتراع، وثانيها تسليم بقية المواد اللوجستية، وهما تحديان انهارا كذلك بحسب تصريحات مسؤولي المفوضية والأمم المتحدة . حينما تمت الإشارة إلى وجود أكثر من 100 مراقب تابعين للاتحاد الأوروبي في السودان بناء على طلب الجنوب، سيقومون بتقييم كل جوانب عملية الاستفتاء بالإضافة إلى مدى مطابقة الاستفتاء لمعايير التصويت الديمقراطية، وتقييم الجوانب المتعلقة بالإمداد والتموين والجوانب الفنية للاستفتاء فضلاً عن مستوى الشفافية ونزاهة مسؤولي الاستفتاء، وبتقييم الأجواء السياسية والتطورات القانونية وكذلك التغطية الإعلامية للعملية ومعاملة النساء والأقليات . وطالما أن الأمم المتحدة ومنظماتها ستقوم بالتقييم فإن العائق الرابع يكون قد انهار كذلك .

الطعون الدستورية

وحتى العائق الخامس الذي كان يراهن عليه بعض المراقبين على أنه حائط الصد النهائي لافشال عملية الاستفاء وهو البرلمان “المجلس الوطني التشريعي” الذي ربما تدخل في اللحظات الأخيرة واخترق بقرارات دستورية، لم يخذل المراهنين على إجراء الاستفاء في موعده باعلانه قبل أسبوع واحد أن الجنوب “مفصول مفصول”، ولا يجدي ذرف الدموع، وعلى الجميع أن يتداولوا الآن في قضايا ما بعد الانفصال . وبدا بروز العائق السادس والأخير كأنما كلف البرلمان جهة أخرى بلعب دور البطولة النهائية حينما برزت قضية الطعون الدستورية .

وحينها لم يتبق سوى العائق الأهم والأخير، وهو الطعون الدستورية، وهو عائق أول باعتبار تعلقه بأولى خطوات الاستفتاء وهو تسجيل الناخبين، وهي قضية بدأت عاتية لكنها انزوت شيئاً فشيئاً وتم تجاوزها، لكنها عادت في نهاية المضمار، بعد أن قبلت المحكمة الدستورية بالسودان النظر بطعن محامين سودانيين يطالبون بالغاء إجراءات تسجيل الناخبين الذين يحق لهم التصويت، وبعض الممارسات أثناء فترة التسجيل والتي بدأت في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي وانتهت في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الحالي .

لكن حكومة الجنوب واجهت العائق الأخير بتصريح قوي من أعلى قياداتها قائلة “إن الطعون المقدمة ضد إجراءات التسجيل لاستفتاء الجنوب لا تبرر عدم إجرائه في الموعد المقرر” . واعتبرت الأمر “حيلة جديدة” لتأجيل استفتاء جنوب السودان، وقالت إنها لن تقبل بأي تأخير للاستفتاء مهما كانت أسبابه . وأكد نائب رئيس حكومة الجنوب رياك مشار أنه وفي حال اختلاف النصوص بين القانون والدستور واتفاقية نيفاشا - بشأن إجراء استفتاء تقرير المصير في الجنوب - فإن ما جاء في الاتفاقية الموقعة عام 2005 هو ما سيتم العمل به، في إشارة لضرورة إجراء الاستفتاء في موعده المقرر وهو التاسع من يناير العام المقبل .

وقد اتهم الجنوب حزب المؤتمر الوطني بالوقوف وراء الطاعنين في إجراءات التسجيل قبل أن يتراجع حماسه ويبدو هو الآخر كمن يريد إجراء الاستفتاء والخلاص من أزمته بأي طريقة . وحين ينشر هذا التقرير يكون العائق الأخير، طبقاً لتداعيات الأمور، قد تم تجاوزه مثل العوائق الخمسة السابقة، ولا يحفل كثير من المراقبين بإمكانية تصعيد الخلاف حول إجراءات الاستفتاء إلى المحكمة الدستورية، وما يمكن أن تسفر عنه أحكام المحكمة وتأثيرات تلك الأحكام على استمرار عملية الاستفتاء .

قمة لم تنجح

بعد أيام قليلة سيتجه نحو أربعة ملايين من سكان الجنوب، أو المفروض ان يفعلوا، للاقتراع على خياري الوحدة بين الشمال والجنوب أو انفصال الإقليم الجنوبي وتأسيس دولة مستقلة، فحتى بصيص الأمل الذي رافق زيارة اللحظة الأخيرة للرئيسين المصري محمد حسني مبارك والليبي معمر القذافي، تسرب من بين يدي المشفقين والمراهنين على أن الزعيمين العربيين الكبيرين سيغيران مسار الأمور ويدفعان بمنطقة وسطى كحل لخلافات الشريكين .

فقد تعهدت القمة الرباعية التي انضم إليها الرئيس الموريتاني مصادفة حينما كان يقوم بزيارة للسودان ببيان لم يترك عبارة قيلت من قبل في أهمية الوحدة والسلام والتعاون بين الشمال والجنوب مثل “إن الروابط العضوية بين الشمال والجنوب والتي تدعمها اعتبارات التاريخ والجغرافيا والثقافة والقيم الاجتماعية والمصالح المشتركة تستوجب من كافة الأطراف العمل على تدعيم واستمرار هذه الوشائج في جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء” .

بيد أن القمة انفضت من دون إعلان موقف معين حول قضية انفصال الجنوب، لكنها تعهدت ب “العمل على تنمية ودعم التعاون بين الشمال والجنوب والمساهمة الفاعلة في تنفيذ أهدافه وتحقيق التنمية الاقتصادية واعادة البناء في جنوب السودان وشماله وإقامة علاقات تعاون مستقبلي تستند إلى الروابط المشتركة والالتزام بتعزيز وتنمية الروابط الاقتصادية بين السودان وأشقائه بحكم اعتبارات الجوار والتاريخ المشترك والمستقبل الواحد” .

وفي الخصوص يقول أحد المراقبين “لم يعد بذي نفع طرح مبادرات جديدة ولا البحث عن سبل لإنقاذ وحدة السودان وتفادي تقسيمه، بل جاء القادة في محاولة أخيرة للاتفاق على رسم سيناريوهات اليوم التالي للانفصال ليس فقط لتجنيب المنطقة الانزلاق إلى الفوضى وعدم الاستقرار الذي لا منجاة لأي من دولها من تبعاته إن حدث، بل الاتفاق على أسس جديدة موضوعية للحد من تأثيرات الانفصال السلبية على الجميع، وتأمين فرص لخلق تعاون بناء بين الأطراف كافة يستند بالدرجة الأولى على حقيقة أن قيام دولة الجنوب أصبح أمراً واقعاً ولا مناص من الإقرار بذلك وضرورة التعامل مع المعطيات الواقعية، وليست المتوهمة، التي يخلفها .

وقبل وداع العام والجنوب، تبقى الإشارة ضرورية إلى أن حق تقرير مصير الجنوب لم يبرز فجأة في الأجندة السياسية السودانية، فقد تم رفضه من قبل القوى السياسية في مؤتمر المائدة المستديرة بالخرطوم في العام 1964 عقب انتفاضة أكتوبر، إلا أن القوى السياسية في السودان عادت ووافقت عليه فيما بعد، سواء كانت منفردة كما هي الحال في الاتفاق الذي تم بين حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي وزعيم الحركة الشعبية الراحل الدكتور جون قرنق، فيما عرف باتفاق شقدوم عام ،1994 أو كانت هذه القوى مجتمعة كما هي الحال في التجمع الوطني الذي وقع مع الحركة الشعبية اتفاقية أسمرا في العام 1995 والتي نصّت على حق تقرير المصير، أو أحزاب التوالي فيما بعد والتي ارتضت الدستور الانتقالي الذي تضمن اتفاقية السلام التي نصت على حق تقرير المصير .

والحال كذلك، نشر خبر صغير في صحيفة محلية مفاده أن جهة ما بالجنوب قامت ببيع حطام الطائرة التي كانت تقل د . جون قرنق رئيس الحركة الشعبية الراحل في رحلته الأخيرة، (سكراب)، إلى مستثمر أجنبي، ويعيب الخبر على تلك الجهة التخلص من حطام الطائرة الذي يعتبر دليلاً جوهرياً في التحقيقات حول أسباب حادثة وفاة قرنق، فيما يقول أحد المراقبين إن الجنوب الذي تخلص من قرنق والشمال والوحدة لن يبقي حطام طائرة ولو في متحف حربي يذكره باغتيال مؤسس اتفاقية السلام مع الشمال .

. . وماذا بعد؟

وبعد أن ذهبت العوائق أدارج الرياح، ذهب الجنوب، أو قل إن ذلك سيحدث بعد أيام قليلة، وبقيت دارفور، وسط تحذيرات من المخطط الغربي اليهودي لتقسيم السودان إلى 5 دويلات هزيلة، تواجه في نهاية العام قيداً زمنياً حدده الرئيس البشير بانتهاء مسلسل التفاوض مع حركات دارفور، على الأقل خارج السودان، ومع تلميح الحكومة بأن هناك تمديداً زمنياً “لتنفيذ الاتفاقات حول القضايا العالقة، إلا أن دارفور ستحتل مقعد الجنوب لتصول وتجول في العام المقبل بعد أن يكون الجميع نسوا أمر الجنوب، لتتربع مرة أخرى في أجندة الأزمات السودانية والدولية، وتبحث عن تقرير مصير، بعد ثمانية أعوام منذ أن حملت مجموعات متمردة السلاح مطالبة بمشاركة أكبر في السلطة والثروة .

ومن ذات العاصمة البريطانية لندن، أعلنت ثماني حركات مسلحة في إقليم دارفور اتحاد عملها العسكري والسياسي في جبهة سميت “تحالف قوى المقاومة السودانية في دارفور” . وهو تحالف كما قال الناطق باسمه “سيكون له ما بعده وسيسعى لإعادة تشكيل تركيبة الحكم في السودان”، كآخر إعلان يودع به السودانيون عامهم الماضي ويستقبلون العام الجديد الذي شهد انفصال الجنوب.


نقلا عن دار الخليج