مشاهدة النسخة كاملة : العبودية و الاستعباد ( عبد الله ولد أحمدو)


ابو نسيبة
12-29-2010, 07:11 PM
العبودية و لاستعباد ( عبد الله ولد أحمدو)

الاستعباد والعبودية مصطلحان يجري تداولهما كثيرا ويطفوان على السطح من وقت لآخر ويطرح حولهما الكثير من التساؤلات حول مدى التطابق والاختلاف فيما بينهما وعن مدى وجودهما أو وجود احدهما وإذا وجدا أو وجد أحدهما فما هي أهم تجلياتهما في واقعنا اليوم؟.
سنحاول ما أمكن الإجابة عن بعض أو جل هذه التساؤلات، لكن علينا أولا تحديد كل من المفهومين لنجد بأن الاستعباد هو تصرف يقوم الشخص من خلاله بوضع شخص آخر تحت سيطرته قسرا للقيام بالأعمال التي يطلبها منه دون عوض وفق مبدأ الطاعة العمياء دون أن يكون لإرادة المستعبَد(بفتح الباء) دور لا في تحديد بداية العلاقة ولا مضمونها ولا نهايتها وهو ما ينتج عنه سلب تام لحريته في كافة مراحل العلاقة. أما العبودية فهي الحالة التي يكون فيها الشخص على درجة من الولاء تفرضها مقتضيات علاقة تختل فيها موازين الحقوق والالتزامات. وهنا يمكن القول بأن العبودية قد تكون ناتجة عن الاستعباد لكنها قد لا تكون كذلك، بل نتاج علاقة أخرى تربط طرفين تفرضها ظروف معينة وتلعب إرادتهما دورا – قد لا يكون متساويا- في تحديد معالم العلاقة بينهما, ويسود فيها منطق القوي والضعيف وتنقص فيها الحقوق التي يتمتع بها الطرف الضعيف -أو تنعدم- مقارنة مع الالتزامات التي عليه.
فعلاقة الاستعباد بالعبودبة هي علاقة الجزء بالكل فقد توجد العبودية حيث لا يكون هنالك استعباد وإنما هنالك هضم للحقوق ناتج في غالب الأحيان عن اختلاف المركز الاقتصادي أو المعنوي للطرفين، تنتج عنه علاقة غير متكافئة بينهما، حتى إن البعض يصنف علاقة التبعية (Le lien de la subordination) في عقد العمل على أنها نوع من العبودية لكن هذه العلاقة من أهم خصائص عقد العمل المعتمدة في أغلب التشريعات اليوم ولا يمكن قيام عقد العمل بدونها.
وهنا نشير إلى أنه وبالرغم من الوضوح المبدئي للفوارق بين المفهومين إلا أن الكثيرين لديهم خلط بينهما، لذلك وجب التوضيح والاستقراء من خلال المظاهر الموجودة في واقعنا والتي يمكن تصفيها في هذه الخانة أو تلك.
الاستعباد لم يعد موجودا....
يجمع الكثيرون على أن الاستعباد لم يعد موجودا في مجتمعنا اليوم وذلك نتيجة لعدة تراكمات منها الثقافية والاجتماعية والقانونية فمن الناحية الرسمية تم سن قوانين تحرمه وتجرم مرتكبيه وسخرت الدولة وسائلها للقضاء عليه، ومن الناحية الاجتماعية لم يعد مقبولا وتجاوزه الزمن، فلم يعد هنالك من يريد ممارسته ولا من يقبل أن يمارس عليه، وإن وجدت منه حالة شاذة فإنها تماما كبقية الجرائم التي بالرغم من تجريم القانون لها وكذلك المجتمع فإن ذلك لا يعني ظهور حالة منها كحالات القتل والزنا والتي لا يعني ظهورها أن المجتمع يمارسها أو يتقبل ممارستها.
للعبودية مظاهر مختلفة....
انطلاقا من التعريف السابق للعبودية يمكننا ملاحظة أن هنالك مظاهر توجد بصورة أو بأخرى في مجتمعنا -كغيره من المجتمعات- ويمكن تصنيفها على أنها من أمراض المجتمعات تتجذر من مجتمع لآخر تبعا لمستوى الرقي فيه، وهذه المظاهر يصعب حصرها كما أنها في غالبها يصعب تكييفها نظر لغموض خصائص العلاقة التي تربط طرفيها لكنها ما يجمعها دائما هو وجود طرف ضعيف – ماديا أو معنويا نظرا لظروف معينة وطرف قوي وبالتالي اختلف دور إرادتيهما في تحديد معالم العلاقة بينهما انطلاقا من مراكز القوة لكل منهما فاختلت موازين الحقوق والالتزامات فيما بينهما وهو ما يمكن أن نسميه عبودية مبطنة وهو ما يمكننا أن نجد نماذج له في الواقع نورد منها:
- عمالة الأطفال بشكل عام، وظاهرتا (آلمودات) و متدربي الميكانيكا Les Mécaniciens apprentis بشكل خاص، ففي هاتين الحالتين يستغل الطفل دون أجر في الغالب وإن وجد عوض فإنه لا يتناسب دائما مع الخدمة المنجزة كما تمارس عليه في الغالب أنواع من التصرفات التي يمكن تصنيفها في خانة العبودية بالمعنى القانوني.
- علاقة ممتهني الدجل بمرتاديهم وهي في غالب الأحيان تصل إلى الاستغلال المادي والمعنوي عن طريق الترغيب والترهيب وإن كان المستغل لا يؤدي عملا ل-سيده- لكنه يدفع نتيجة عمله لحسابه وليست التمائم التي يعلقها المرتاد –في الغالب- سوى شريحة اشتراك (puce) يدفع صاحبها رسوما قد تكون مؤبدة مقابل إيهامه بدفع أخطار وهمية عنه أو جلب مصالح وهمية له.
- علاقة شيوخ الطرق بمريديهم، إلى حد ما ، مع تفاوتهم في درجة الارتباط بمريديهم لكنها قد تصل في أبشع صورها إلى خضوع تام يعمل صاحبه كل ما في وسعه لخدمة سيده في مستوى من الطاعة العمياء يفقد معه حريته، و في ارتباط تام(Une dépendance Totale) يستحيل معه تخلص التابع من تبعيته.
تلك نماذج من مظاهر لا تزال موجودة في مجتمعنا ويمكن تصنيفها على أن فيها بعضا من خصائص استغلال البشر لأخيه لكنها ليست استعبادا بالمفهوم الذي رأيناه لأن الضحية فيها اختار بإرادته الدخول في هذه العلاقة لظروف ما، وهذه الظروف هي التي تفرض عليه في وقت من الأوقات فقدان السيطرة على رسم تفاصيل العلاقة والتمتع بكافة حقوقه في جميع مراحل العلاقة.
وفي الختام تجدر الإشارة إلى أن هذه المظاهر تترسخ من مجتمع إلى آخر بعاملي الجهل والفقر وبالتالي يمكن تفاديها أو القضاء عليها عن طريق التعلم والتوعية بشكل عام و التمدرس بشكل خاص, والصبر على الأبناء في سن الدراسة حتي يبلغوا سنا يمكنهم معها إدراك ماهية الأعمال التي يقومون بها والأعمال التي يمارسونها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى التوزيع العادل لوسائل الدولة وثرواتها بين جميع مواطنيها وتفعيل وسائلها الرقابية، سواء على مستوى الرقابة السابقة أو اللاحقة.

نقلا عن موقع الوطن