مشاهدة النسخة كاملة : البطالة وتسعيرة الجاسوس... {خيري منصور}


ام خديجة
12-29-2010, 09:05 AM
البطالة وتسعيرة الجاسوس


http://img232.imageshack.us/img232/9294/58566302.jpg

خيري منصور

يقال إن البغاء هو أقدم مهنة في التاريخ، لكن الجاسوسية تنافس هذه المهنة في القدم أيضاً، فهي اقترنت بكل الحروب، سواء أخذت شكل أحصنة طروادة على اختلاف صيغها وصهيلها الخشبي أم شكل العمل الفردي، وهناك جواسيس تحولت أسماؤهم إلى عناوين مراحل في تواريخ شعوب معينة كاسم الجاسوس اليهودي درايفوس في فرنسا الذي لم تنقطع الكتابة عنه منذ إسقاط الجمهورية حتى الآن، وكان لعلمي النفس والاجتماع دور بالغ الأهمية في تحليل وتفكيك هذه الظاهرة بدءاً من البحث عن جذورها ودوافعها، فكانت الأسباب تراوح بين الرغبة في الحصول على المال والرغبة في انتقام ما، أو الرغبة في مكاسب سياسية كما حدث للمتعاملين مع الاحتلال الألماني لفرنسا في أربعينات القرن الماضي وبالتحديد في ما أطلق عليه حكومة فيشي التي ترأسها المارشال بيتان في الجنوب الفرنسي .

وقد يكون الحديث الآن في عالمنا العربي عن شبكات التجسس خصوصاً ما ضبط منها في لبنان ومصر موسمياً، ومتزامناً مع الإعلان عن هذه الشبكات، لكن التجسس لم ينقطع يوماً، خصوصاً بالنسبة للكيان الصهيوني الذي يعاني من عدة فوبيات مزمنة، في مقدمتها الفوبيا الأمنية والخوف من المحيط العربي، سواء كان هذا المحيط قد أنجز معاهدات سلام أم عكس ذلك .

وما يتردد الآن إعلامياً في هذا السياق أكثره متكرر، لكن هناك نغمة جديدة إلى حد ما هي ربط الجاسوسية بالبطالة، خصوصاً بعد أن تدنت تسعيرة الجاسوس بحيث لا تزيد على ثلاثين ألف دولار في بعض الحالات التي تم الكشف عنها في لبنان .

بالطبع ما من تسعيرة دولية أو بورصة خاصة بالجواسيس، فهناك من فقدوا كل الروادع النفسية والاجتماعية والوطنية ووضعوا أنفسهم في خدمة أعداء بلدانهم . وخطورة هذا الربط بين البطالة والجاسوسية هي في تبرئة الجاسوس من الدوافع الأخرى غير المادية كالدافع النفسي والشذوذ الوطني .

وما يقال عن الحرة التي تجوع ولا تأكل بثدييها يصح بدرجة أعلى على الإنسان الذي يموت جوعاً وعطشاً ويرفض أن يقايض وطنه وتاريخه بثروات الأرض كلها، وليس معنى ذلك أن الإنسان العادي بحاجة إلى طاقة من البطولة الخارقة كي يتحصن ضد غواية فادحة كهذه، فالبشر فطروا منذ باكورة تاريخهم على الوفاء لديارهم سواء كانت خياماً أم جحوراً أم قصوراً، لأن من يفرط بأغلى ما ورث وتعلم ورضع لا يؤتمن حتى على نفسه، وهذه مناسبة لاستذكار عبارات خالدة للراحل بدر السيّاب الذي قال قبل احتلال بلاده بنصف قرن:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون

أيخون إنسان بلاده؟

إن خان معنى أن يكون . . فكيف يمكن أن يكون؟

هذا الربط الأزلي بين الكينونة والوطن تنبه إليه شاعر لا نعلم ما الذي كان سيقوله لو رأى تمثاله الحجري مثقباً بالرصاص، وجنود الاحتلال يمتطون أسد بابل على مرأى من الكون بأسره؟

ليبحث فقهاء البطالة الجدد عن ربط آخر غير هذا الربط بين الجاسوسية والخيانة من جهة والبطالة من جهة أخرى، فمن يموتون في سبيل بلدانهم وشعوبهم وأحفاد أحفادهم لا يعرفون هذا النمط الأخرق من الحواسيب، لأنهم ببساطة يموتون لكي يقدموا الحياة ومن أعمارهم أو ما تبقى منها على الأقل للآخرين .

الجاسوسية تظاهرة من صلب التاريخ سوف تستمر وتتطور أيضاً شأن كل الظواهر والفعاليات الأخرى مستفيدة من المنجز التكنولوجي لكن دوافعها لن تكون البطالة على الإطلاق، لأن معنى هذا الربط هو أن عشرات الملايين من العاطلين العرب هم بانتظار تسعيرة الجاسوسية ضد أوطانهم وتاريخهم وأبنائهم .


نقلا عن الخليج