مشاهدة النسخة كاملة : العراق ومشاهد المستقبل ....{الحسين الزاوي}


ام خديجة
12-29-2010, 08:43 AM
العراق ومشاهد المستقبل

http://img227.imageshack.us/img227/350/109az.jpg

الحسين الزاوي

يعرف العراق تطورات كثيرة ومتسارعة سيكون لها تأثير حاسم في مستقبله على المدى المنظور، فقد انتقل العراق من دولة مركزية قوية لها تأثير كبير في محيطها الإقليمي إلى دولة مهتزة الأركان تبني سلطتها التنفيذية على أسس عشائرية وطائفية، ويتدخل جوارها القريب بشكل حاسم في تشكيل مشهدها السياسي . وحتى الديمقراطية بألوانها البراقة والساطعة التي طالما أبهرت أعين الكتل السياسية في العراق وشكلت مرتكز خطابها البلاغي، صارت تمشي على رأسها وأضحت أقدام الديمقراطية العراقية ترفرف في السماء، بعد أن تحولت الأقلية النيابية إلى ممارسة دور اللاعب المحوري الذي يتجرأ على رسم خريطة التوازنات الهشة في البلد ويلوّح بإمكانية تلغيم المشهد من الداخل وصولاً إلى تفتيت الوحدة الترابية للبلد . فالتعددية السياسية التي دخلت العراق خلسة مقتفية آثار الدبابات الأمريكية، ما زالت تبحث عن مجتمع مدني يمكنه أن يؤطّر هذه الديمقراطية العرجاء، ولأن مثل هذا المجتمع لا يمكن أن يُؤسّس بقرار سياسي، فقد راهنت الطبقة السياسية الجديدة في العراق على تحويل التعددية المذهبية والطائفية إلى شعار زائف لتعددية سياسية لم تولد من رحم المجتمع العراقي، وإنما أفرزتها ظروف ميّزها وجود الاحتلال من جهة، وافتقاد النخبة الحاكمة للمشروعية السياسية التي تسمح لها ببناء دولة مركزية قوية .

وما يزيد المشهد العراقي غرابة هو أن القيادات السياسية لا تشعر في مجملها بالحرج حينما تعبر عن انتمائها الطائفي، بل ويذهب بعضها إلى التأكيد أنه يحاول تجاوز انتماءاته الحزبية والقومية من أجل الحفاظ على وحدة واستقرار الدولة والانسجام القسري للفريق الحكومي، فما عسى أن تكون قومية هذا الزعيم الذي ينتمي إلى العراق بوصفه يمثل امتداداً أصيلاً للهوية العربية والإسلامية؟ الأمر لا يحتاج إلى تقديم إجابة أو إجابات سجالية حادة، فالانتماءات الفردية للسياسيين في الديمقراطيات الراسخة ليس لها أي محل من الإعراب ولا تمارس أي تأثير في ثوابت هويتهم الوطنية . ولا نعتقد هنا أن الأصول المجرية للرئيس الفرنسي يمكنها أن تلعب دوراً حاسماً في توجيه سياسات بلده، مثلما أن الأصول الكينية والإفريقية للرئيس أوباما لا يمكنها أن تؤثر بشكل جوهري في رسم سياسات الولايات المتحدة الأمريكية .

وبالتالي فالمنطق السياسي السليم يؤكد أنه من أجل أن تعتلي سدة الحكم يكفي أن تكون عراقياً أولاً، ويمكنك أن تمارس بعد ذلك كل طقوس الهويات الجزئية حينما لا تقف عناصرها حجر عثرة في وجه تعزيز الوحدة الوطنية، فليست القوى الإقليمية أقل تعددية من الناحية المذهبية والعرقية، ولكنها تمتلك من القوة والشجاعة والإصرار ما يكفي من أجل خدمة أوطانها والذود عن مصالح شعوبها . وهنا علينا أن نذكر أنه ليس من الأخلاق السياسية في شيء أن يسعى البعض إلى استثمار الضعف السياسي الحالي في العراق بغرض الترويج لأطروحات ما كان لها أن تجد طريقها نحو التصريح العلني لولا ما أفرزه الاحتلال الأمريكي من مشاهد ضعف وهوان في جسم الدولة العراقية، خاصة أن الأقليات المذهبية والعرقية تملك من الحقوق في العراق ما لا تملكه الأقليات نفسها في دول الجوار، فيجب ألا يكون العراقي المنتمي إلى عرق أو طائفة معينة ملكياً أكثر من الملك .

لقد استغرق تشكيل الحكومة العراقية الحالية، رغم ما تحمله من تناقضات، الكثير من الجهد ونصيباً كبيراً من المقايضة التي فاقت في بعض الحالات ما كان يقتضيه السياق من تنازلات جدية . لكن إصرار الكتل العراقية الكبرى على التمسك بمواقفها، كلفها التضحية بقيم رمزية سيكون لها وقعٌ شديد على مستقبل الدولة في العراق، وفضلاً عن ذلك فإن الاتفاق الأخير، لم يفض باعتراف الكثيرين، إلى تجاوز كل الخلافات، فالتشكيلة الحكومية الجديدة ما زالت تتميز بضعف واضح، ولا يبدو أن عناصر التوافق هي من القوة بحيث يمكنها أن تصمد في وجه أعاصير الحسابات السياسية الضيقة التي ما زالت تتمسك بها أغلب الكتل السياسية .

ويمكن القول في هذه العجالة إن الأمة العربية تشفق كثيراً على العراق من مشاهد مستقبلية يمكن أن يفرزها راهنه المثخن بالصراعات المحلية والتدخلات الإقليمية والدولية، التي لا تريد أن ترى العراق وهو يتحول إلى قوة إقليمية كبرى، فسيناريو التقسيم يفرح أطرافاً كثيرة لأنها كانت ولا تزال تنظر إلى العراق بوصفه يمثل تهديداً جدياً لوجودها، خاصة أن أغلب الملاحظين الدوليين يتفقون على أن التوازن الإقليمي في المنطقة لن يتحقق من دون وجود عراق قوي وموحد، لكن الولايات المتحدة الأمريكية التي أزاحت العراق من معادلة الصراع العربي “الإسرائيلي”، لا يعنيها كثيراً موضوع التوازن في هذه المنطقة الحساسة من العالم، وسبق لها أن أوضحت في أكثر من مناسبة، أنه يمكنها أن تقبل بدور إقليمي أكبر لإيران في المنطقة وفي العراق، وعليه فستعمد الولايات المتحدة إلى تثبيت الأوضاع في صورتها الحالية، وتحديداً ما إذا تمكنت من الحصول على تنازلات إيرانية بشأن مستقبل ملفها النووي . ورغم كل ذلك فإن مكر العقل وتقلبات التاريخ يمكنهما أن يفضيا إلى إنجاز تشكيلات جيوسياسية وجيواستراتيجية جديدة يمكنها أن تكون في مصلحة العراق، خاصة إذا تسامى العراقيون فوق خلافاتهم المذهبية ووضعوا مصلحة العراق فوق كل اعتبار .



نقلا عن الخليج