مشاهدة النسخة كاملة : الفايسبوك والمعلقين على اعتقال بيرام (الحاج ولد ابراهيم )


أبو فاطمة
12-29-2010, 04:12 AM
الفايسبوك والمعلقين على اعتقال بيرام (الحاج ولد ابراهيم )

خلال متابعتي لردود وتعاليق الجالية الموريتانية على الشبكة الاجتماعية فايسبوك لاحظت أنها تتسم بشكل عام بالسطحية أحيانا والتشفي أحيانا أخرى والأدهى من ذلك والأخطر هو النبرة العنصرية المقيتة والألفاظ النابية التي يستخدمها بعض مرضى القلوب الراسبين في مدرسة التطور الاجتماعي لتشارلز داروين ضد بيرام وزملائه. ذكرتني هذه التعاليق في تشتتها وارتباكها بأغنية لنانسي عجرم الفنانة اللبنانية التي تغني فيها للأطفال وهي أغنية "شخبط شخابيط" والتي تلوم فيها عجرم إبنها حماده على توسيخ الحائط بشخبطات ولخبطات في غير محلها.
ذكرتني هذه التعاليق المرتبكة والحائرة أيضا بكتاب "الخطاب الخربشي: دراسة الهامش الاجتماعي والثقافي" للكاتب والسوسيولوجي المغربي محمد شراك يتحدث الكتاب عن طرق التعبير عن الهامش والمسكوت عنه ثقافيا واجتماعيا فبعض المعلقين على خبراعتقال المناضل بيرام وزملائه يستخدمون صفحات الفايسبوك لكتابة بعض النصوص الخربشية تماما مثل استخدام حركة ضمير ومقاومة اليسارية لبعض الجدران في العاصمة انواكشوط مع فارق كبيرفي المضمون.
إن ما يثير السخط والاشمئزاز هو أن أصحاب هذه التعاليق الشخبطية حسب تعبير عجرم والخربشية حسب تعبير شراك هم في أغلبهم شباب كما تفيد المعلومات المتوفرة على صفحاتهم وهذا فعلا ما أأسف له شخصيا. إن شباب موريتانيا الذين يبني عليهم الأمل في التخلص من بوائد العادات وظلام الخرافات مازال يعبر عن آرائه في قضية اجتماعية بهذه الجدية والخطورة بهكذا طرق طفولية وساذجة.
لاحظت أن هذه الخربشيات لا تناقش حدث اعتقال المناضل بيرام وزملائه من ناحية أخلاقية ولا قانونية ولا حتى الدينية. أي كون بيرام وزملائه معتقلون سياسيون يدافعون عن قضية يمتزج فيها القانون بالسياسة بالدين بالثقافة بشكل يفوق التصور. إن بيرام يدافع أو يتبجح كما يحلوا للبعض بالدفاع عن قضية تبذل الدولة كل مساعيها للتستر عليها بالنفي تارة والقوانين السطحية تارة أخرى مثل القانون النكتة الذي صودق عليه عام 2007.
إن البعد الديني للقضية التي يدافع عنها بيرام وزملائه هو مربط الفرس فيها وهو ما يطبع عليها نمط التابو السياسي والاجتماعي والديني. إن الخربشيات في صفحات فايسبوك تحاول جاهدة التهرب من نقاش البعد الديني لهذه الممارسة المقيتة بجميع المعايير وأولها معيار الدين الإسلامي الحنيف الذي فتح نافذة واحدة للرق وفتح أبوابا كثيرة للقضاء عليه. فلو توفرت بصيرة ثاقبة لفقهاء المالكية ولو فهموا حقا مقاصد الدين السامية فهما عقلانيا يواكب انجازات الإنسانية ويضع كل فتوى أو اجتهاد في سياقه الصحيح سواء في الزمان أو المكان الملائمين له لما كان أحد سيتذرع اليوم بالدين بحق أو عن غيره كي يعبد عبدا أو جارية. لو بحثنا مثلا عن ما يقابل اجتهادات المذهب المالكي الذي نتبعه في موريتا نيا حول مسألة الرق في العصر الحديث لوجدنا حقيقه صادمة تتمثل في التشابه الغريب بين هذه الاجتهادات وأطروحات الأنتروبولوجيين والإثنوغرافيين الذين نظروا لنظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا. فهناك سيد يملك وعبد مملوك الفارق الوحيد هو المبدأ الذي ينطلق منه كلا الاجتهاديين. اجتهادات المذهب المالكي تتسربل بلغة الدين أو اللاهوت بينما تستند نظريات الأفريكانية الراديكالية التي حكمت جنوب إفريقيا لغاية العقد الأخير من القرن الماضي إلى المرجعية العلمية في النظرية الأنثروبولوجية لبروفيسر علم العراق البشرية W. W. M. Eislein يورد كتاب طبقات ابن سعد (ج. 7 ص. 127) أحد الأمثلة التي تستند إليها اجتهادات الفقه المالكي حول ضرورة التمييز بين العبد والسيد وهو أن عمر رضي الله عنه كان يجبر الإماء على نزع حجابهن كي لا تتشبه الإماء بالحرائر. وأورد هذا الأثر ليس للطعن في عمر لأني أعتقد أنه من غير الإنصاف الحكم على اجتهاد صحبي جليل مثل عمر الفاروق بمعاير زماننا اليوم كما أنه من غير المنطقي أيضا حسب اعتقادي أن تجتر اجتهاداته تلك ولو بصغات أخرى من طرف أي كان لتكون مبررا لاستمرار ممارسة مقيتة بكل المقاييس. وهنا أؤكد أيضا أن هذا الاجتهاد هو لصحبي ولا يتعلق بمحكم الكتاب ولا صحيح السنة وصاحبه أيضا هو صاحب المقولة الشهيرة التي أوردها ابن كثير في تفسيره (ج. 1 ص. 468) التي تقول "أخطأ عمر وأصابت امرأة" أي أن احتمال خطأ هذا الاجتهاد وارد تماما ما مثل احتمال صوابه في زمانه ذالك.
وهنا أذكر بعض الخربشيين الذين اتهموا بيرام تارة بالردة وتارة بمهاجمة العلماء أنه ليس بكافر من يدعوا التصحيح أخطاء أفراد غير معصومين عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ولا عصمة الكتاب الذي جاء به وأذكرهم أيضا أن الإسلام ليس منة من أحد على أحد ولا حكرا على أحد وأنه على عكس ما يروج البعض فقد دخل الإسلام إلى غرب افريقيا في القرن الأول الهجري أي أربعة قرون قبل مجيء المرابطين الذين يستشهد بعض هواة تزييف التاريخ بمرورهم من هنا للتأصيل لشرعية العبودية في موريتانيا وهذا ما ثبت زيفه كل مرة نوقشت فيها هذه المسألة علميا بعيدا عن أهواء الإعتذاريين (Appologists) والمبررين على حد سواء.
يتهم الخربشيون المناضل بيرام "بمهاجمة العلماء" وفي هذه التهمة تصيد واضح وقص ولصق لما أطلعت عليه من آراء لبيرام حول اجتهادات المذهب المالكي حول العبودية ومسايرة جل علماء موريتانيا لهذه الاجتهادات وكذالك علي الأقل صمتهم عن إبداء النصيحة والفتيى حول هذه المسألة الحساسة في مجتمع يتبع سياسة النعامة في مواجهة المشاكل الحقيقة التي تهدد كيانه ووجوده. إذا كان الحديث عن مسألة الرق في المذهب المالكي وعجز "علمائنا الأجلاء" في موريتانيا عن إدانة هذه الممارسة المشينة والأخلاقية بجميع الأعراف إذا كان الحديث عن عجزهم وتأخرهم عن القيام بمهمة كلفهم بها الشرع وهي مهمة الإجتهاد والفتيى في المشاكل التي تطرح على المسلمين في حياتهم وعلاقاتهم ببعضهم إذا كان رفض عصمة هؤلاء "العلماء الأجلاء" ورفض احتكارهم للمعرفة والدين والحديث باسم الله ليصبح قولهم هو القانون وهو الدين وتصبح أشخاصهم هي المقياس وآرائهم هي الصائبة والمنزهة عن كل زيغ أو تملق إذا كان كل هذا يسمى ردة أو هجوما على العلماء فمرحا بالردة والزندقة. إن علمائنا الأجلاء الذين ينبري الخربشيون في الدفاع عنهم ويتهمون بيرام بالهجوم عليهم مازالوا لحد الساعة أو على الأقل من على السطح منهم حتى لا نقع في فخ التعميم مازالوا حتى الساعة ينأون بأنفسهم عن الحديث في مسالة مركزية تمس حرية الإنسان وكرامته التي حفظها له الخالق بقوله: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء، آية 70).
قد سبب سكوت "علمائنا الأجلاء" عن الحديث عن هذه الممارسة المشينة تحولها إلى تابو ديني وفقهي وبعد ذالك اجتماعي وسياسي في عصر فتاوى زواج المسيار وإرضاع زملاء العمل. إن السبب البين لهذا الصمت المخجل "لعلمائنا الأجلاء" هو كونهم مستوعبين تماما مثل أكثرية النخب الموريتانية داخل النظام القائم وهو المسئول الأول عن استمرار هذه الممارسة القبيحة. إن الخطاب الديني في موريتانيا مسيس حتى النخاع فالعلماء يبيعون الفتاوى لمن هب ودب ويتحدثون عن كل شيء إلا الأمور التي ينبغي لهم الحديث عنها والاجتهاد فيها. إن علمائنا الأجلاء يبايعون عليا في الليل وأبا سفيان في النهار. إذا كانت الموضة الرسمية هي إدانة الرق فليتأكد الخربشيون أن "علمائنا الأجلاء" سيكونون أول الحضور للوليمة وإذا جائت فترة تجرم فيها الدولة الصلاة أو الصيام لا قدر الله فتأكدوا أيضا أنهم أول من سيفتيهم بشرعية تعطيل هذه الفروض وليست فتوى تحويل المساجد إلى مخابز ببعيدة لمن ليست لهم ذاكرة سمكية. إن علمائنا الأجلاء يوظّفون في الوزارات ويستشارون في القصر الرمادي من الطقم العسكرية المتتالية ويفتون على المنابر بحرمة معارضة النظام صالحا كان أو طالحا مما يذكر بالحق الإلهي في الحكم في أروبا القرون الوسطى وصكوك غفران البابا جيوفاني دمديتشى المعروف بليو العاشر.
إن "علمائنا الأجلاء" الذين يفتون في الحيض والنفاس وما أكل السبع لا ينطقون ببنت شفة في ما يحدث للمستضعفين من الأرقاء الذين قلما تبزغ شمس يوم جديد إلا وجاء بيرام أو غيره بحالة جديدة منه تذكر بعبثية ووهن حجج -إن ارتقت أصلا لدرجة حجة- الشخبطيين والخربشيين التي تقول إن العبودية قد انتهت وما تبقى منه كفيل به الزمن ومن يتحدث عن العبودية اليوم هم انتهازيون يستغلون محنة طبقة معينة لخدمة أهداف خاصة. إن نموذج العلماء الذين نحتفي بهم ونحفظ لهم مكانا خاصا في ذاكرتنا كمسلمين هم علماء خدموا بالفعل قبل القول المعاني السامية للدين الحنيف ومقاصده العليا. إن أسطع نموذج في التاريخ الإسلامي هو عز الدين وسلطان العلماء وبائع الملوك الشيخ الفقيه العز بن عبد السلام رحمه الله ولكم جميعا أن تقارنوا مواقف العز بن عبد السلام قبل ثمانية قرون حول شؤون المسلمين الداخلية وحروبهم مع التتار والمغول والصليبيين الخارجية مع مواقف "علمائنا الأجلاء" اليوم حول حرمة معارضة السلطان أو مع مواقف من يرضون للحاهم أن تنمق صورة مجلس الوزراء مقابل مقعد دوار في مكتب مكيف.
النقطة الأخيرة التي أثارت إنتباهي في تعاليق الخربشيين على اعتقال المناضل بيرام هي إدانتهم له من خلال تلك الصور التي وزعتها "الشرطة الوطنية" والتي أصبحت وطنية فقط عندما أوقفت بيرام عند حده الذي لم يقول لنا الشخبطيون ما هو. إذن وبقدرة قادر أصبحت "الشرطة الوطنية" مقتنعة بقوة الصورة وقدرة الإعلام على إيصال الحقيقة وكشف المستور للجمهور. أذكر أصحاب الذاكرات السمكية الذين اتخذوا من الصور حجة لإدانة بيرام وزملائه مع أني متأكد أنهم كانوا ليفعلوا حتى بدون تلك الصور أن الشرطة التي وزعت تلك الصور هي نفسها التي اعتقلت الصحفيين ونكلت بهم صباح مساء وأخرهم طاقم قناة الحرة الأمريكية الذي اعتقل أتناء تصوير عمل وثائقي عن نفس القضية التي اعتقل بسببها بيرام.
إن الشرطة الوطنية التي وزعت تلك الصور والتي تلقفتها المواقع الالكترونية بدون أي تحفظ وكأن مصوريها هم من التقطها تلك الشرطة هي نفسها التي اعتقلت محمد نعمة عمر2008 محمد سالم ولد محمدو 2008 عبد الفتاح ولدا عبيدنا 2009 حنفي ولد الدهاه 2009 وغيرهم كثير. إن "الشرطة الوطنية" التي اقتنعت فجأة بحق الرأي العام في معرفة الحقيقة هي نفسها التي تحرمه من معرفة حقيقة عشرات جرائم التعذيب والموت والدفن السري في اقبيتها المظلمة المريعة. هي نفسها التي تعتدي بالضرب والسحل والاختطاف على الطلاب والحمالين والنقابات ولم تسلم من تنكيلها حتى النساء العزل في المسيرات المضادة للإنقلاب المشؤوم الذي جاء بطقم الفساد والديماغوجيين الذين يحكموننا الآن بالحديد والنار. هي نفس الشرطة التي آخر ضحاياها الشاب عصام ولد محمدو الذي قتل ودفن دون أن تودعه أمه المسكينة لاخر مرة. إذا رجعنا بالذاكرة أبعد من ذالك فإن "الشرطة الوطنية" هذه هي التي قتلت المواطنة الموريتانية المنقبة بعدما تسببت في اسقاط جنينها في يونيو 2005 وقد اتخذت الجماعة السلفية للدعوة والقتال الإرهابية مقتل المواطنة المسكينة كذريعة للهجوم على أبنائنا المرابطين في تخوم البلاد في حامية لمغيطي وتتحمل "الشرطة الوطنية" بأفعالها الرعناء والجبانة المسؤولية كاملة في إعطاء الذريعة لمجرمي الصحراء كي يقتلوا 15 عنصرا من جيش يطعنه الجوع والإهمال قبل أن يتحالف معهما الإرهاب الوحشي القادم من الشمال والشرق. في نفس الفترة وبعد نحو شهر من مقتل المواطنة تلك تم قتل مواطن بوركينابي في دار النعيم لأنه لم يدفع إتاوة ثلاثمائة أوقية لجامع قمامة تابع لبلدية دار النعيم وقد زعمت "الشرطة الوطنية" آنذاك أنه قد مات انتحارا دون أن تسرب لنا صورا عن كيفية انتحاره ربما انها لم تكن بعد على علم بقوة الصورة وتأثير الإعلام السحري على الرأي العام.
أخيرا إن ما يحز في القلب هو أن مجموعة الخربشيين هذه ليست من كبار السن الذين شاركوا في تعزيز وجود هذه الممارسة الدنيئة في مجتمعنا سواء من خلال الممارسة المباشرة مثل البيع والشراء أو من خلال التبرير أو النفي ولكنهم للأسف شباب يستخدمون آخر ما توصلت إليه قرائح البشرية من وسائل اتصال للتعبير عن آراء تعود للعصور المظلمة في تاريخ الإنسانية سواء باستخدام ألفاظ عنصرية نابية ضد بيرام وزملائه بل وحتى ضد الشريحة الأكبر التي ينتمون إليها وتارة بتقديم آراء مرتبكة يختلط فيها النفي والتبرير. ولكن رغم كل ذالك لاحظت وجود آراء تبشر أن في جيلنا الذي تتاح له ولأول مرة التعبير عن آرائه بحرية واستقلالية بعيدتين عن مقص الرقيب السياسي والاجتماعي أصوات تعتبر عن الحكمة والتعقل والوعي بخطورة هذه الممارسة القبيحة والمخزية في آن وذالك بالدفاع بشرف ومروءة عن هؤلاء المعتقلين الحقوقيين حتى لو اختلفوا معهم في الطرح الذي يقدمون به مظالم ومآسي فئة اجتماعية كريمة ومحترمة قدمت ومازالت تقدم لهذا الوطن العزيز من جهدها وعرقها رغم الجحدان والنكران. وأطمئن الجميع من يريد ومن لايريد لهذه التراجيديا ان تنتهي أن العاصفة ستنطفئ وأن شمس الحرية والانعتاق لا تحجها الغرابيل حتى وإن كثرت وان هؤلاء المعتقلين سيخرجون معززين مكرمين ومرفوعي الهامة تماما كما خرج مانديلا من غياهب سجون الآبارتايد بعد 25 سنة وكما خرج سمير القنطار بعد 30 سنة من غياهب سجون اسرائيل وكما خرج سامي الحاج من غوانتاناموالعم سام بعد 7 سنين. "يجهل الطغاة قوة الحرية، و لذلك لا يتورعون عن الدخول في الحرب ضدها" قول مأثور.
نقلا عن وكالة نواكشوط للأنباء