مشاهدة النسخة كاملة : نابليون الحقير { حسن ولد المختار }


ابن تيارت
12-28-2010, 05:05 PM
نابليون الحقير/ حسن ولد المختار
يجول في خلدي هذه الأيام الكثير من الأفكار الرائعة السوء!.... أتوجس حينا من الخطر المحدق وأترقب الفرج المحتوم أحيانا فكظم الغيظ و الإحساس بالغدر ما زالا أكمل الوصفات لخلق هذه الحالة النفسية الاستثنائية التي تنتابني بقوة الآن.
إنها حالة التحفز والرغبة في الإيذاء وهي كما تعلمون حالة وجدانية راقية وصل إليها قبلي فيكتور هيغو الذي قرر بعفوية الشاعر دعم لويس بونابرت (إبن أخ نابليون بونابرت الذي مات سجينا) في الانتخابات الرئاسية الفرنسية 14 ديسمبر 1848 مسبغا عليه من خياله الخصيب الكثير من الصفات التي كانت تعبر عن الآمال التي عقدها الشاعر العظيم علي الرجل أكثر منها وصفا حقيقيا لهذا السياسي المتسلق البارد العواطف والانتهازي إلي آخر الرمق.
لقد كنت أريد أن أري في الجنرال ولد عبد العزيز محبا للديمقراطية وسادنا لهيكل الحرية ! لم لا وقد خلصنا من ليل معاوية الطويل، وشراهة اعلي المنقطعة النظير وها هو يعرقل نهم حيزبون سيدي ولد الشيخ عبد الله.
كان هيغو يري في استعانة بونابرت الحقير بالجيش لإقناع الساسة والبرلمانيين المترددين باللحاق بركبه هندسة راقية توفر الشجاعة للجبناء وتعيد للفرنسي شيئا من كرامته ! وكنت أريد أن أرى في صحوة ما يعرف بالكتيبة البرلمانية الموريتانية تفاعلا لكيمياء الحرية !
فما أجمل أن يتنطع نائب رعديد من نوع ولد محم لمجابهة رئيس الجمهورية ! وما أروع أن يتجاسر خدم بيروقراطيون من نوع ولد الزامل و اقريني و محمد علي شريف وكل نواب الحوض الشرقي في لحظة ثورة لإقالة الحكومة و محاكمة عقيلة الرئيس !
كان هيغو يسمع في صوت بونابارت المبحوح واقعية رجل الدولة الثائر! وفي بذاءاته صراحة الثائر وكنت أريد أن أسمع في فحيح ولد عبد العزيز ثورة نابليون الأول وفي شتائمه التي يوزع يمينا وشمالا جموح كاسترو و عنفوان شافيز !
كنت أتصور أن إقالة ولد عبد العزيز في السادس من آب أغسطس محاولة وأد للحرية فسيعود ولد محم وأقرانه إلي جبنهم المعهود وقد تفتح السجون و ربما تنصب المشانق.
عندما أخرج سيدو ولد الشيخ عبد الله من اللعبة تنفست الصعداء فسنسن دستورا جديدا يغير المؤسسات وسيتحول البرلمان إلي المكان الوحيد للسياسة ذلك ما كان يقوله بونابارت الموريتاني وذلك ما كنت أريد أن اسمع.
تنكر لويس بونابارت علي كل أصدقاءه ونكث بكل عهوده فور تسلمه للسلطة لم يحارب فكر الملكية إذ سرعان ما توج نفسه إمبراطوريا لفرنسا باسم نابليون الثالث يوم 2 ديسمبر 1852. صادر أملاك الناس وخلط المال العام بخزينته الخاصة وخنق الحريات الفردية وتحول برلمان فرنسا إلي نادي خطابي يتسابق فيه الناس بالدعاء و التبجيل لصاحب الجلالة !
قلص ميزانية الإنفاق العام وشرع في بناء شوارع مرصوفة وبهية الأضواء شقها البارون هوسمان بكلفة بالغة أنهكت خزينة الدولة ورعايا الملك الجديد دفنت كل الخطابات السياسية تحت الانقاض ورميت أفكار مونتسيكيو حول فصل السلطات وحقوق الناس في مجاري المياه الجديدة باهظة الكلفة وانتشر غبار كثيف في باريس غبار سام لوث العقل الفرنسي إذ تحول الكتاب إلي مصفقين والثوار إلي طبالين يجوبون الشوارع الجديدة يسبحون بحمد هذا المليك الحصيف قليل الثقافة وحسن النية.
ساعتها رحل هيغو من فرنسا إلي دروب المنفي الطويلة والموحشة.... هيغو الذي حلم لبرهة من الزمن أنه سيكون وزيرا لثقافة الرئيس الفارس! نعم غادر هيغو فرنسا وخرج علي الناس بهجائه المرير لذلك المتلبس بجريمة تلويث العقل الفرنسي وتسميم الوجدان الفرنسي المعنون بنابليون الحقير.
لم استطع أن أغادر موريتانيا لأسباب لوجستية محضة لكنني غادرت نواكشوط عائدا أدراجي إلي أرض البداية والبداوة بعيدا عن أوحال المدينة و شوارعها الجديدة وعديمة الذوق.. هذا المنفي الاختياري يجنبني سموم تنفس الغبار الجديد وأعراض الوباء النابليوني المتفشي في نواكشوط هذه الأيام.
نعم لقد دمر ولد عبد العزيز كل أحلامنا بغد أفضل وديمقراطية حقيقية في ربوع موريتانيا والأفجع من كل ذلك قتله للكبرياء والترفع في جل الموريتانيين من أقصي اليسار إلي أقصي اليمين.
عاد محمد ولد شيخنا وصالح ولد حننا إلي الضفة الأولي من نهر الريبيكون. الشابان اللذان أسمعانا في فجر الثامن يونيو سيمفونية الخلاص، تلك الموسيقي الرائعة التي اختلطت فيها مراجل الغضب بضجيج الدبابات وأصوات المدافع وهي تدك حصون الخنوع وقلاع الذل، عادا إلي ما وراء النهر ليكتفي ولد شيخنا بدور شيخه ولد بيدية (رئيس الشيالين في الميناء) وليتقمص صالح شكل مباركة بنت الشح في تمجيد وتأييد رئيس الفقراء.
قطع إسماعيل ولد أعمر النهر سباحة في إيابه وهو جهد مفهوم لمن نسف الجسر وراءه ناسيا كل أفكاره وكتاباته الجريئة والنيرة حول التداول علي السلطة و النظام البرلماني ليلقى أمامه صديقه و حبيبه محمد يحظيه ولد بريد الليل يجلس القرفصاء لا كالكاتب الفرعوني المبحلق في السماء متفاديا عار الأرض بل كالقرد الحكيم بالهند صاحب الأيادي الستة يدان علي العيون لأنه لا يرى، يدان علي الأذنين لأنه لا يسمع و يدان علي الفم لأنه لا يتكلم.
دوما علي نفس الضفة استطعت أن أميز بصعوبة بالغة مختار إبراهيما صار لا كالوريث الشرعي لأشعار الشهيد تين يوسف غي وأنوار الفقيد كان صيدو وبلاغة المرحوم مورتضي ديوب... لا إطلاقا، بل رأيته يلتوي حينا ويشير بيديه أحيانا كمغني زنجي من فئة التروبادور الوضيع يبحث عن نفس أو رحمة في ذلك الغبار الخانق الذي جثم علي الضفة المسمومة من النهر.
غير بعيد عن موقع إبراهيما صار تجمع بعض الناس تحت شجرة قبيحة وقليلة الظلال لا هي شجرة تفاح ولاهي شجرة زيتون لعلها شجرة زقوم، يحيطون بمحمد ولد ابيليل الذي أسند ظهره علي جذع الشجرة مترامي الأطراف تحتها ميزت منهم النواب كان حاميدو بابا ومحمد ولد ببانة ومحمد الأمين ولد الشيخ والدكتور عبد الرحمن ولد الطلبة و غيرهم كثير... ويلهجون جميعا بترتيله جديدة غير واضحة المعالم يلعب فيها ولد ابيليل دور المايسترو قائلا بين الفينة والأخرى وحدوه وحدوه ويكرر الجمع لا رئيس إلا عزيز! لا رئيس إلا عزيز!
في الجادة الكبيرة التي كانت يوما عمارات بلوكات اصطف الكثيرون في وضعية تشبه المصطفين لصلاة العيد يؤمهم محمد يحي ولد الوقف الذي انثني راكعا ثم مال إلي السجود لكنه لم يسجد بل شرع بوضع إصبعه في بلعومه محاولا التقيؤ وكذلك فعل المأمومون
طالت الوضعية في الحين الذي كان ولد ارزيزيم يزمجر في المصلين طالبا منهم الإسراع بالتقيؤ فبادرته سائلا عن سبب وجوده فهو ليس إماما ولا مؤذنا أجابني هذا اجتماع لحزب عادل وهو مخصص لتقيؤ الأفكار السامة التي دخلت أجسادنا وعقولنا خلال أيام المعارضة !
ميزت بين الساجدين المتقيئين ديدي ولد بيه ويحي ولد سيد المصطف وببها ولد احمد يوره..... إلي أن لفت نظري ولد ارزيزيم و هو يصرخ في وجه سيدني سوخنا شبه الساجد قائلا: أسرع بالتقيؤ أنا أعرف انك ممثل بارع وحيلك لا تنطلي علي.
أسرعت بخطاي قبل أن يتطاير علي رذاذ المتقيئين فقد اقتربت صلاة العصر فدلفت شارع المصارف الربوية ومنه إلي الجامع السعودي وتوضأت وحمدت الله ودخلت المسجد من الباب الغربي في انتظار وقت الصلاة هنالك فاجئني وجود الإمام ولد حبيب الرحمن وهو يلقي درسا يتحدث فيه عن ضرورة حرمة شق العصي علي السلطان المتغلب وأن من يقوم بذلك كافر مرتد وغير ذلك من أدبيات التزلف التي صكت أسماعنا من ألف سنة ونيف. فصليت العصر وحيدا وخرجت من الباب الشمالي وأنا ألعن نابليون الحقير الذي أعادنا إلي أسوأ مما كنا عليه فتخلصت من كل ثيابي وقفزت في نهر الريبكون وعند ما وصلت لضفة الرفض كنت عاريا تماما ونظيفا تماما فطفقت أخصف علي من ورق جنة الحرية واكتب لكم عليه مما كتب هيغو العظيم عن نابليون الحقير.. الحقير جدا


"""عن تقدمي"""