مشاهدة النسخة كاملة : مظلومون.. من أسواق النخاسة إلى أسواق السياسة


ام خديجة
12-28-2010, 04:05 PM
مظلومون.. من أسواق النخاسة إلى أسواق السياسة

http://img502.imageshack.us/img502/3870/indexphprexresize180w23.jpg

محمد ولد سيد محمد

تلك قصة شريحة من شرائح هذا المجتمع، وقع عليها الظلم والحيف كغيرها، ولكن بجرعة أكثر، تاركا وراءه واقعا لا تزال مخلفاته ماثلة للعيان.

وقع ذلك أيام كانت هذه البلاد تتسمى ببلاد "السيبة" فانتشرت فيها أسواق النخاسة، كان الإنسان فيها يباع بأقل ثمن - قدم من الملح - كان البعض يبرر ذلك بمنطق القوة والقهر، وإن كان المقهور حرا مثله، قد يكون شريفا ولكن لون بشرته لا يشفع له، وقد لا يكون.

ونوع يسوغه ببعض النصوص الشرعية التي لم يحسنوا فهمها ولا دلالاتها ولا حتى أسباب نزولها، لم يفهموا أن الإسلام جاء ووجد الرق شائعا بين الناس بأبشع صورة، في مجتمع المكانة فيه للقوي المتغطرس، قانونه الظلم والحيف، فجاء الإسلام بنصوص رادعة واضحة، قال تعالى:>>يأيها الناس إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم<< أشارت الآية الكريمة إلى العلاقة التي ينبغي أن يكون عليها الناس، علاقة تعارف وتعاون، ونفع وانتفاع، وحدد ميزان الأفضلية لا مكان فيه للون ولا لعرق ولا لشيء من هذه الألقاب الطينية، وإنما هو التقوى.

مطلوب الناس فيه كلهم سواسية، ثم تعاقبت النصوص تعالج هذه الظاهرة فجففت جميع منابعها، وألغت كل الوسائل التي كان يتم من خلالها الاسترقاق، كالتغلب واللون ولم تستثني إلا بابا واحدا وهو الكفر، ووضعت ضوابط للاسترقاق، فتنفس الأرقاء الصعداء، والتفوا حول نبي الإسلام القائل "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".

فانبرى من هذه الشريحة رجال أفذاذ أشداء، تحطمت الصخور على ظهورهم و لانت سياط جلاديهم، لكنهم ما ضعفوا وما استكانوا، منهم بلال بن رباح وآل ياسر، ياسر وسميه اللذان كانا أولا شهيدين في الإسلام، بشرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة >>صبرا آل ياسر إن موعدكم الجنة<<.

ثم سار على هذا الهدى وهذا السلوك خلفاؤه الراشدون من بعده فأقاموا دولة العدل والحاكم الأجير، فأعلن الفاروق مقولته الشهيرة >>متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا<< فما أحوج الذين لازالوا يصرون على استعباد الناس أن يتدبروا هذه الكلمات الخالدة.

لكن ما كادت أن تختفي أسواق النخاسة حتى طفا على السطح استرقاق جديد بأسلوب جديد، المضحك المبكي أن هذا الاسترقاق جاء في صورة الدعوة إلى الحرية والانعتاق، وفي شعارات براقة خداعة تلامس تطلعات هذه الشريحة، ثم ما تلبث تلك المطالب والشعارات أن تكون جسرا يعبر من خلاله أولئك إلى سدة السلطة وتقاسم كعكة طالما تداولها قلة القلة، وتناسوا تلك المطالب واكتفوا بسن قوانين وإصدار تصريحات لا تغير ولا تعدل، هذا إن كانوا من الذين لازالوا يقتنعون أن ثمة رق، ظنوا أن تلك القوانين المجتزأة تكفي لإنصافهم أمام التاريخ.

تمر الأيام ومخلفات الرق لا تزال بادية أنى يممت وجهك تجد واقعا ماثلا أمامك، جهل يعشش، فقر مدقع، بطالة تنتشر، واقع ناطق معبر عن إنسان خذله القريب قبل البعيد، في بلد ثرواته كثيرة لكنها دولة بين الأغنياء فحسب.

إلى دعاة الحرية والانعتاق، كفى مراباة ومزايدة إن كنتم أصحاب حق ومبدأ كما تزعمون فعيشوا بين الضحايا، انشروا العلم فيهم، انشروا فيهم الكرامة، علموهم كيف تأخذ الحقوق، وأنها تنتزع ولا توهب ولا سبيل إلى انتزاعها إلا بالعلم والعمل والبذل والعطاء، والإخلاص للمبدإ والاعتدال في الطرح.

إلى الذين يبكون على الماضي ويتأوهون حسرة عليه، ماض الاستعباد، والاسترقاق والاستغلال، معان بعضها يفسر، ومجملها يعبر عن وحشية الإنسان حين ينتكس عن الفطرة، ذلك زمان ولى وعهد انقضى >>تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعلمون<<.

إلى أولاء وأولئك.. إن مجتمعا يجمعه الإسلام حري به أن تذوب فيه وتنمحي كل النعرات والحزازيات والفوارق، وتشرق في ربوعه شمس الإخاء والمحبة، يشع سناها بالإيثار والحب والتعاون والتعاضد، فتتشكل - كما تشكلت - لوحة جميلة فريدة فيها يسمع آذان بلال، ومرابحة صهيب، وإنفاق عثمان، وعدل أبوبكر والفاروق، وفروسية علي.
لن تتشكل هذه اللوحة ولن تتحقق تك اللحمة إلا إذا أخذت الدولة بكامل مسؤوليتها اتجاه شعبها، فنشرت في ربوعه العدل والمساواة، والعدل يتطلب من الدولة إنهاء ظاهرة "آدواب" وإنشاء مدن تمتلك مقومات الحياة.

ينصهر فيها أبناء الشعب الواحد متساويين في الفرص فرص التعليم والصحة والتوظيف والأمن، حتى يشعر الجميع أن الوطن وطنه، ويلحظ الكل حنان الدولة، فيتعمق عنده الانتماء، أما أن تبقى هذه الأهداف نظرية وأن تستخدم منها جرعات مسكنة، فنحن حينها نخادع أنفسنا ونلعب بنار متى يضرم فتيلها سيتحسر الكل ويندم ولاة حين مندم.


نقلا عن الأخبار