مشاهدة النسخة كاملة : جبهة المقاومة والتحرير


أبو فاطمة
02-06-2010, 08:19 AM
جبهة المقاومة والتحرير




فهمي هويدي






أدري أن الحديث عن “حماس” هذه الأيام، إذا لم يكن مسبة واتهاماً، فإنه قد يصبح في مصر على الأقل وقوعاً في المحظور، واعترافاً بالتخابر مع “محور الشر” العربي، لكن أما وقد أصبحت أحد عناوين المرحلة، فلا بأس من المغامرة بالخوض في الموضوع لتحرير الالتباس فيه.



(1)



أغلب الظن أن كثيرين لا يذكرون أنني كنت أول من اشتبك مع برنامج حماس حين أعلن في شهر أغسطس/آب عام ،1988 بعد ثمانية أشهر من انطلاق انتفاضة الحجارة، وقتذاك نشر لي “الأهرام” في 1/11/1988 مقالاً كان عنوانه: “فلسطين المحررة قبل فلسطين الإسلامية”. وهو المقال الذي لم يرحب به آنذاك بعض الناشطين الإسلاميين في الاردن، الذين نشرت الصحف لهم تعليقات وردوداً على الفكرة التي دعا اليها، ولخصها عنوانه. ذلك أنني انتقدت الخطاب الدعوي في البرنامج المعلن، الذي اعتبر فلسطين وقفاً إسلامياً يتعين الدفاع عنه لاستعادة الهوية الاسلامية للبلد، التي طمسها الاحتلال “الاسرائيلي”. كنت اعلم ان حماس لها جذورها الإخوانية التي تمتد الى منتصف الثلاثينات (في القرن الماضي بطبيعة الحال). وان البناء التنظيمي للحركة ظهر في عام ،1946 واشتد عوده بعد مشاركة حركة الإخوان في حرب عام 1948. وخلال الفترة منذ عام 48 الى عام 67 الذي تم فيه احتلال “اسرائيل” لما تبقى من ارض فلسطين، ظل جهد الإخوان محصوراً في الدعوة والتربية. وحين أدى الاحتلال الى قطع صلاتهم بالإخوان في مصر، فإنهم أسسوا في عام 1973 ما سمي “المجمع الاسلامي”، الذي ظل ملتزماً بنهج التربية والدعوة، الأمر الذي كان محل انتقاد من جانب الرموز الفتحاوية. وانصب النقد وقتذاك على عزوف عناصر المجمع عن المشاركة في مواجهة الاحتلال بدعوى انتظار الوقت المناسب، رغم سعة انتشارها في القطاع. ولكن هذا الوضع بدأ بالتغير ابتداء من عام ،1980 الذي خرجت فيه تلك العناصر الى الشارع، حتى كانت انتفاضة عام 1987 التي القى الناشطون الإسلاميون بثقلهم فيها. ومن رحمها خرجت حركتا حماس والجهاد الإسلامي، لتنخرط بقوة في الحركة الوطنية الفلسطينية.



خلاصة وجهة النظر التي عبّر عنها المقال الذي نشر قبل عشرين عاماً، انه في العمل السياسي، والنضالي بوجه أخص، يتعين الانطلاق من الفريق وليس الفصيل. وأن القوى الوطنية يجب أن تحتشد لتحقيق الأهداف العليا حسب أولوياتها، التحرير في الحالة الفلسطينية، بصرف النظر عن توجهاتها الفكرية. بالتالي فإن الحديث عن فلسطين الاسلامية في بلد يرزح تحت الاحتلال يعد استباقاً غير مبرر، فضلاً عن أنه قد يثير خلافاً يشتت الجهد بما قد يصرف الناس عن هدف المرحلة المتمثل في التحرير. حيث المطلب الملح هو حشد الجهود وليس بعثرتها.



(2)



منذ برز دور التيارات الإسلامية في انتفاضة عام ،1987 بدا أن هناك متغيراً جديداً في الساحة الفلسطينة يمكن أن ينافس حضور “فتح” وهيمنتها. وثمة إجماع بين المحللين على أن هذا المتغير كان له دوره في الإسراع بإجراء مفاوضات أوسلو التي انتهت بتوقيع الاتفاق الذي تم في البيت الأبيض وحضره كل من ياسر عرفات وإسحاق رابين في سبتمبر/أيلول من عام1993 ورعاه الرئيس كلينتون. ونقل عن أحد القادة “الإسرائيلين” آنذاك أنهم حين وجدوا أنفسهم مخيرين بين التعامل مع أبو عمار أو مع حماس فإنهم فضلوا الأول باعتباره “أهون الشرّين”.



بمقتضى الاتفاق تم إنشاء السلطة الفلسطينية وعاد ياسر عرفات إلى غزة في عام ،1994 حيث انتخب رئيساً للسلطة وتمكنت فتح منذ ذلك الحين لا أن تهيمن على الفضاء السياسي الفلسطيني فقط، وإنما على جزء من الأرض الفلسطينية أيضاً.. الذي لا يقل أهمية عن ذلك أن الاتفاق كان بداية لانخراط قيادة فتح في التسوية السياسية في الوقت الذي اختارت فيه حماس وحركة الجهاد الإسلامي نهجًا آخر انحاز إلى خط المقاومة. ولأن الاحتلال كان لايزال قائماً، فإن حماس والجهاد بموقفهما المقاوم بدآ بكسب الشارع الفلسطيني، وتعاظم ذلك الكسب بمضي الوقت بفعل عوامل عدة، منها استمرار تحديها للعدو “الإسرائيلي” بعمليات تمت داخل “إسرائيل” ذاتها، وشعور الفلسطينيين بالإحباط حين أدركوا أنهم لم يجنوا شيئاً من اتفاقيات أوسلو، وفشل المحادثات التي أجراها في كامب ديفيد عام 2000 الرئيس الفلسطيني مع رئيس الوزراء “الإسرائيلي” إيهود باراك بحضور الرئيس كلينتون. وهي الخلفية التي فجرت انتفاضة عام 2000 التي اشترك فيها مختلف الفصائل الفلسطينية، وانتهى المشهد بُعيد ذلك بحصار الرئيس عرفات في رام الله، وتسميمه هناك ثم وفاته في عام 2004.



بعد التخلص من أبوعمار، انتخب محمود عباس رئيساً للسلطة، وانتهج خطاً أدى إلى القطيعة والمخاصمة مع الخط الذي تبناه إزاء حماس والجهاد، ثم بدا فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي في انتخابات عام 2006 أمرًا مفهوماً (حصلت على 74 من 132 مقعدًا بالمجلس التشريعي)، وهذا الفوز نقل التنافس بين أبو مازن وجماعة السلطة المحيطين به وبين حكومة حماس الى مستوى الصراع. خصوصاً أن السلطة كانت ماضية في مسلسل التسوية السياسية إلى حد كان مثيرًا لقلق قوى المقاومة وحماس في المقدمة منها. ولكي تمضي عجلة التسوية كما كان مخططاً ومرسوماً، كان لا مفر من إزالة عقبة حماس وما تمثله، وبات معروفاً الآن ما كان للأمريكيين من دور في محاولة إقصاء حماس وحكومتها وإخراجها من المسرح السياسي. وهي المحاولة التي أجهضتها حكومة حماس باستعادتها زمام الأمور ومن ثم سيطرتها على القطاع في صيف عام 2007 ، الأمر الذي شكل تحدياً آخر لها هناك.



(3)



حينما استقر الأمر لسلطة حماس في القطاع أصبح لها أربعة أوجه؛ الأول: أنها بحكم الأصل حركة إسلامية تشكل فرعاً لجماعة الإخوان المسلمين. الثاني: أنها حركة مقاومة تعد جزءاً من النضال الوطني الفلسطيني. الثالث: أنها فصيل يمثل أغلبية في المجلس التشريعي. الوجه الرابع: أنها سلطة مسؤولة عن إدارة القطاع يفترض أن ينضوي تحت مظلتها مختلف شرائح وقوى المجتمع هناك.



الأطراف المعنية بالشأن الفلسطيني تعاملت مع حماس في القطاع من الزاوية التي لاءمت سياساتها ومواقفها. فمصر اعتبرت حماس جزءاً من “الجماعة المحظورة” وخاصمتها لهذا السبب. كما رفضت منها فكرة المقاومة انطلاقاً من كونها ترتبط بمعاهدة “سلام” مع “إسرائيل”. وأبو مازن وجماعته خاصموها لأنهم ضد المقاومة ولأنهم هزموهم في الانتخابات التشريعية. “إسرائيل” ومعها الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية التي خاصمتها لأنها حركة مقاومة. أما سوريا فقد أيدت حماس لأنها حركة مقاومة بالدرجة الأولى - إيران ساندتها لأنها مقاومة ولأنها حركة إسلامية. أما تركيا فإنها تعاملت مع حماس باعتبار أنها فصيل حاصل على الأغلبية في المجلس التشريعي، حتى إن رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان أبدى دهشته أكثر من مرة لمقاطعتها رغم فوزها بالأغلبية في انتخابات حرة. (للعلم: الموقف نفسه عبر عنه جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في حوار أجرته معه مجلة “نيوز ويك” عدد 27 يناير/كانون الثاني الماضي).



اللافت للنظر في هذا السياق، أن مساندة سوريا وإيران لحركة حماس أصبحت تهمة تجرح بسببها، في حين أن الطرف الآخر المخاصم لها مؤيد من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل” والرباعية الدولية. وبالمناسبة فإن أبواق حملة التعبئة المضادة على الصعيدين الإعلامي والسياسي درجت على القول إن حماس تنفذ “أجندة” إقليمية (غمزًا في إيران)، وهو ما نفاه المقال الافتتاحي لمجلة “نيوز ويك” (في 14/1 الماضي)، حيث قال رئيس تحرير المجلة فريد زكريا إن حماس ليست صنيعة لإيران. والذين يروجون لذلك الادعاء لا يعرفون أن بين حماس وإيران نقاط اتفاق وأخرى للاختلاف، وأنهم شأنهم في ذلك شأن أي حلفاء، على اتفاق في بعض الأهداف المرحلية دون الأهداف النهائية، وللعلم فإن “الأجندة” الأخرى المقابلة التي نرى آثارها على الأرض ليست مما يطمأن إليه. على الأقل، فالأجندة الأولى إن وجدت فهي ظنية بالأساس، أما الثانية فهي قطعية ولا مجال للشك فيها، وما حدث في التعامل مع العدوان “الإسرائيلي” الأخير في غزة خير شاهد على ذلك.



(4)



المشكلة الكبرى التي تواجه حماس في مسيرتها السياسية أنها، رغم أنها طورت افكارها واصبحت اكثر التصاقاً بالعمل الوطني، فلم تتخلص بعد من إطار وثقافة “الفصيل”. لذلك فإنها لم تنجح في تحالفاتها مع القوى الوطنية الفلسطينية لتتبنى مشروع الدولة. وهو داء أصاب الكثير من الحركة ذات الأصول الإسلامية. صحيح أن هناك أطرافاً يهمها إفشال مثل هذه التحالفات، إلا أن الساحة الفلسطينية أصبحت لا تحتمل استمرار انفراط عقد الصف الوطني، علماً بأن المجلس الوطني الفلسطيني لم ينعقد منذ 20 عاماً منذ التأم آخر اجتماع له في الجزائر عام 1988.



لقد دعا إعلان القاهرة الذي صدر في عام 2005 إلى تفعيل وتطوير منظمة التحرير، وقرر تشكيل لجنة خاصة لهذا الغرض. لكن هذه اللجنة لم تجتمع حتى الآن رغم تحديد أعضائها. وكانت النتيجة أن الشعب الفلسطيني لم تعد له مرجعية يطمئن إليها، في الوقت الذي تتعرض فيه القضية لخطر التصفية، وفي حدود علمي فإن المثقفين الفلسطينيين الوطنيين المقيمين بالخارج يتداولون هذا الأمر فيما بينهم الآن، وان هناك تيارًا قوياً بينهم يدعو إلى تشكيل جبهة للمقاومة والتحرير، ينتظر أن تعلن في دمشق خلال شهر مارس/آذار القادم. وهو تطور مهم لا ريب، لأن الأمل بات معلقاً على استمرار الصمود والمقاومة، في ظل التئام الشمل الفلسطيني تحت أي راية تتبنى الحلم المؤجل. وتتمسك بثوابت القضية، دونما عبث أو تفريط.


نقلا عن الخليج الإماراتية

saad
02-06-2010, 08:39 AM
شكرا على نقل المقال .... سأحاول قراءته لاحقا بإذن الله

hamees
02-06-2010, 09:10 AM
وفي حدود علمي فإن المثقفين الفلسطينيين الوطنيين المقيمين بالخارج يتداولون هذا الأمر فيما بينهم الآن، وان هناك تيارًا قوياً بينهم يدعو إلى تشكيل جبهة للمقاومة والتحرير، ينتظر أن تعلن في دمشق خلال شهر مارس/آذار القادم. وهو تطور مهم لا ريب، لأن الأمل بات معلقاً على استمرار الصمود والمقاومة، في ظل التئام الشمل الفلسطيني تحت أي راية تتبنى الحلم المؤجل. وتتمسك بثوابت القضية، دونما عبث أو تفريط.

بشرك الله بالخير مقالة رائعة فالبداية لم افهم ان كانت انتقادا او تاييد لكني فالنهاية اكتشفت انها نقد المحب لا اكثر ولااقل

شكرا لك ابو فاطمة دمت لنا

camel
02-06-2010, 01:38 PM
مقال جميل يؤرخ لمرحلة من الحراك السياسي بين حماس وأعدائها
شكرا أبو فاطمة

أبو فاطمة
02-07-2010, 06:58 AM
أشكر كل المعلقين المهتمين بالقضية الفلسطينية وأسأل الله لي ولهم التوفيق