مشاهدة النسخة كاملة : الأطلسي والوحل الأفغانية


ام خديجة
12-26-2010, 02:39 PM
الأطلسي والوحل الأفغانية
http://img43.imageshack.us/img43/2269/159fi.jpg

غسان العزي

على فراش الموت قال ريتشارد هولبروك، المبعوث الأمريكي إلى أفغانستان، إنه ينبغي وقف الحرب الأفغانية . كان هولبروك على حق، والجميع في الولايات المتحدة وخارجها يعرفون أنه يتحتم إنهاء هذه الحرب وفي أسرع وقت، لكن كيف؟ لقد فتح الرئيس أوباما باب النقاش على مصراعيه في العام الماضي بحثاً عن استراتيجية جديدة لحلف الأطلسي في أفغانستان أعلنها في أواخر العام الماضي وكلّف الجنرال ماكريستال بتطبيقها . هذا الأخير قدم استقالته (أجبر على ذلك) في يونيو/حزيران الماضي ليتسلم مكانه الجنرال ديفيد بترايوس . رغم ذلك كان عام 2010 الأكثر دموية في الحرب الأفغانية الدائرة منذ نهاية عام ،2001 كما أن هذه الحرب أضحت اليوم الأطول من بين كل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها المعاصر .

وكالمعتاد كان على الإدارة الأمريكية أن تعلن بلسان رئيسها عن مراجعتها السنوية لاستراتيجيتها المتعلقة بمسرح هذه الحرب والذي أضيفت إليه باكستان، فأصبح يسمى المسرح الأفغاني الباكستاني . بالطبع لم يكن مفاجئاً أن يعلن الرئيس أوباما أنه كان على حق حينما قرر في العام الفائت إرسال تعزيزات من 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان، حيث تسير الحرب على الطريق الصحيح وتحقق تقدماً مهماً ضد تنظيم “القاعدة” وطالبان في البلدين المذكورين، كما قال في خطاب وجهه من البيت الأبيض .

لكن أوباما لم يستطع الإنكار في الوقت نفسه بأن “الحرب في أفغانستان ما زالت عملاً صعباً للغاية ( . . .)، وأن التقدم يأتي ببطء وبثمن غال ( . . .) وهو هش ويمكن أن يتراجع”، مؤكداً ما ورد في التقارير الأمريكية العديدة وفي تصريحات وزير الدفاع ووزيرة الخارجية بأن ثمة عقبات كثيرة لا تزال تعترض طريق استراتيجيته التي يتطلب نجاحها المزيد من الجهود الأمنية والسياسية والاقتصادية والعسكرية .

والحقيقة أن المشكلة الأساسية التي لا تزال تواجه حلف الأطلسي في أفغانستان هي التعاون الباكستاني الضروري والذي من دونه لا فوز أمريكياً ممكناً في هذه الحرب . ورغم كل التطورات الدراماتيكية التي عصفت بباكستان منذ عام 2001 ومعظمها كان ناتجاً بالتحديد عن الاحتلال الأطلسي لأفغانستان وتداعياته على المحيط الإقليمي، فإن الجيش الباكستاني بقي متردداً في التعاون الحقيقي الفعال مع الأمريكيين وذلك بسبب هاجس يسيطر عليه وهو النزاع مع الهند . فهذا الجيش ينظر بعدم الرضا إلى التعاون الأمريكي مع الهند في غير مجال لاسيما النووي في وقت يمارس فيه الضغوط على الحكومة الباكستانية التي تصل أحياناً إلى حدود التهديدات المضمرة . كما أن الدبلوماسية الأمريكية لا تفعل شيئاً لجهة البحث عن حل سياسي للنزاع في كشمير في وقت تتعاظم فيه القوة الهندية من كل النواحي، وتبتعد فيه إمكانية العثور على حل سياسي لهذا النزاع الموروث من بدايات الحرب الباردة .

لقد كان من المستغرب أن يلمح الرئيس أوباما إلى التقصير الباكستاني، وأن يبدي كثير من المسؤولين الأمريكيين إحباطهم من عدم التعاون الكافي للاستخبارات الباكستانية معهم وهي صاحبة النفوذ الكبير المعروف في باكستان . وكان الجيش الباكستاني قد نشر 140 ألف جندي على الحدود مع أفغانستان بهدف التصدي لجماعات طالبان و”القاعدة” وغيرهما من الحركات المسلحة التي يقول الأمريكيون للباكستانيين إنها لا تهدد أمريكا وحلفاءها فحسب ولكن الأمن الباكستاني نفسه قبل كل شيء، وبالتالي فمن مصلحة إسلام آباد قبل غيرها القضاء عليها .

لكن باكستان تخشى قبل كل شيء من النفوذ الهندي المتنامي في أفغانستان أقله من الناحيتين السياسية والاقتصادية، وبالتالي فإن الاستخبارات الباكستانية تشعر بأن عليها أن تعمل على ترسيخ وتوسيع نفوذها لدى القبائل الأفغانية بدل أن تعمل على استفزازها إرضاء للأمريكيين، وعليها أيضاً أن تكون حاضرة في كل مفاوضات أفغانية أطلسية حول مستقبل البلاد . والأمريكيون يعرفون ذلك، من هنا تحاشى أوباما توجيه النقد المباشر للحكومة الباكستانية والدعوة فقط إلى المزيد من التعاون .

وكانت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي أعلنها أوباما في ديسمبر/كانون الأول 2009 تقضي بإرسال تعزيزات إلى الساحة الأفغانية مع تجديد الوعد بالانسحاب منها في غضون عام 2014 على أن يبدأ هذا الانسحاب في أواسط عام 2011 تمهيداً لتسليم الأفغانيين قمرة قيادة بلادهم . لكن المشكلة أن الفساد المستشري في صفوف الطبقة السياسية الأفغانية يجعلها عاجزة عن الحلول محل الأطلسيين المنسحبين ما يعزز المخاوف من عودة حركة طالبان لملء الفراغ كونها القوة الأقوى على الأرض والتي تقاوم الاحتلال وتكبده الخسائر فتجبره على التفكير في الانسحاب . ولكن طالبان ليست وحدها في الساحة الأفغانية لاسيما بعد أن صار هناك جيش وشرطة وأمن ومخابرات وطبقة سياسية جديدة موالية للغرب . وهذا ما يعزز احتمال نشوب حرب أهلية يعرف الجميع منذ اللحظة أنها ستنتهي لمصلحة طالبان، ما يعني عودة المشكلة الأفغانية إلى المربع الأول بعد سنوات الاحتلال الغربي الطويلة .

أما الانتخابات الرئاسية الأمريكية فستجري قبل إتمام هذا الانسحاب، وهناك من يراهن على أن الحرب الأفغانية ستكون سبباً بخسارة أوباما هذه الانتخابات، كما كانت الحرب العراقية سبباً بخسارة الجمهوريين الانتخابات الماضية، لاسيما أن أوباما أعلن أن الحرب الحقيقية على الإرهاب تكمن في أفغانستان وليس العراق . وقد يصيب المراهنون في هذا المجال أو قد يخطئوا لكن في الانتظار من المؤكد أنه في السنوات المقبلة سوف يبقى الأمريكيون وحلف الأطلسي يتخبطون في الأوحال الأفغانية وبعد انسحابهم المزمع في عام 2014 فإن العودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل نهاية عام 2001 هي المرجحة .

حرب جديدة خاضها الأمريكيون من أجل لاشيء .


نقلا عن الخليج