مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في واقع الحراطين


ام خديجة
12-26-2010, 12:33 PM
قراءة في واقع الحراطين

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__med_3.jpg

محمد ولد ختار
إن مبحث هوية "لحراطين" موضوع لاكته الألسن و تعهدتة الأقلام في الآونة الأخيرة, وكان القوم فيه بين عال و نازل و مضطرب بين هذا و ذاك. و لعل بعض المغالاة في مفهوم الوحدة الوطنية و تماسك المجتمع و التعايش السلمي اتخذت ذريعة إلى تهويل الأمر و تخويف الناس من تناول هذا الموضوع ليسلم الواحد من التصنيف في خانة اللاوطنية و خندق التطرف. ليس هذا فحسب بل الحصانة الدينية التي يتمتع بها الموضوع تشكل رادعا آخر أكثر صلابة و هيبة.

إن الدين الإسلامي الحنيف قد اتخذ مطية إلي تقنين الإستعباد و استساغ النخاسة و لعل هذا هو سر تحفظ الكثيرين حول الكلام في هذا الموضوع. و لا خلاف أن المرجعية الدينية هي أكبر موحد للشعب الموريتاني. و رغم ذلك فإن الكثير يتناسى أن أساس قوة الدين تكمن في العدل و المساواة و إعطاء كل ذي حق حقه و لا تكمن في إذابة و مسخ ثقافة أو إثنية في مجموعة معينة أخرى.

بعبارة أخرى الدين الإسلامي الحنيف يضمن التعدد الثقافي في حين يآخي بين جميع معتنقيه و يمدح وحدتهم وتماسكهم ممثلا ذلك بالبنيان المرصوص و موجبا تكافلهم الإجتماعي من خلال الزكاة و الصدقة و حق الجار و غير ذلك. و لعل خير دليل على ما أقول في مجال التعدد الثقافي هو أنه رغم عيشهم في كنف العرب, ظل بلال—رضي الله عنه— حبشيا و ظل صهيب—رضي الله عنه— روميا و لم يطلب من سلمان—رضي الله عنه— التخلي فارسيته و لم يتهم من تحدث عن ذلك بالمخرب أو الداعي إلى الإساءة إلى وئام المجتمع.

و من هذا المنطلق المبسط الطرح يمكن أن نتساءل ألا يمكن يكون البظاني بيظانيا و الحرطاني حرطانيا و يشكلان مع الزنجي مجتمعا مسلما قويا تحفظ فيه الخصوصية الإثنية و العرقية و يعلو فيه الإنتماء الديني كما تعايش الصحابة الكرام المذكورين آنفا –و غيرهم— مع إخوانهم من الصحابة العرب تحت مظلته صلى الله عليه و سلم؟ لماذا نحتاج لعروبة لحراطين لكي نحافظ على وحدتنا؟ لماذا كلما تكلم أحد عن قضية هذه الشريحة المهمشة و المغبونة في المجتمع اتهم بمحاولة المساس بوحدة المجتمع و تماسك شرائحه؟ هل مكتوب للحراطين و لمعلمين و إكاون وغيرهم من الشرائح المهمشة أن تظل تتذيل المنظومة الإجتماعية لا لسبب غير هاجس الخوف من المساس بالوئام الإجتماعي؟ ألم يات محمد صلى الله عليه و سلم ليحطم هذه الطبقية الوهمية في المجتمع؟ ألم تتذمر سادات قريش من مساواتهم مع عبيدهم و ضعفاءهم و قليلي الشأن منهم –في نظرهم؟ ألم تكن حادثة أسامة ابن زيد رضي الله عنهما, حب رسول الله صلى الله علية وسلم, خير دليل على محاربته التمييز و سنته في المساواة و تطببقه لمبدإ المآخاة؟
إذا كان البيظان يمكنهم إدعاء العروبة عرقا و ثقافة (و لا أنكر ذلك عليهم), فعروبة لحراطين العرقية و الإثنية –على الأخص—تكاد تكون مستحيلة. الحراطين على أكثر التعريفات رواجا و أقربها إلى الواقع و أكثرها تماشيا و انسجاما معه هم نتاج عبودية عنصرية ظالمة تفشت في هذه البلاد. يمكن أن يتبادر إلى ذهن القارئ أن هذه العبودية ربما كانت شرعية حيث أقر الإسلام مبدأ العبودية. و الحق –طبقا لفهمي الضيق و معرفتي المحدودة لكليات الدين—جاء ليحارب الإستعباد و الإسترقاق طبقا لسنة التدريج كما هو حال تحريم الخمر. و رغب في العتق و جعله جزء من حدود الله, فساوى جل جلاله بين كفارة الصيام و كفارة اليمين في العتق. و هذا –لعمري—لبرهان جلي على بغض الإسلام لمبدإ التعبيد و الحث على التخلص منه. و ليس هذا فحسب بل حرم جميع أسباب الأسترقاق إلا الأسر في حرب من أجل إعلاء كلمة الله. و لم يترك الحال على هذا فحسب بل طبق الرسول الأعظم إرادة الله في أسراء بدر. فكان التقسيم في الغنيمة المؤدي إلى العبودية آخر أحتمال أعطي للأسراء. تجدر الإشارة إلى أن أول أحتمال أعطي للأسراء هو الدخول في الإسلام الذي يضمن به الأسير حقوقه كاملة كأخ في الإسلام.

لقد جاء الإسلام إلى إفريقيا أول ما جاءها عن طريق القوافل و التجارالعرب فلاقى ترحابا من لدن الساكنة الأصلية. و لم يذكر أن معارك من أجل إعلاء كلمة الله قد حصلت على أديم هذه الأرض التي تعرف الآن بموريتانيا. وهذا يخلع لباس الشرعية الدينية عن أي عبودية في هذه البلاد. فما سبب العبودية إذن و لماذا وجدت عبودية أصلا؟
الجواب ,في نظري, بسيط. العبودية نظام أقتصادي عرفته البشرية في كل بقعة من المعمورة. و ليست موريتانيا بمعزل عن العالم من حولها. جاءت المجموعات العربية النازحة من الشمال و الشمال الشرقي و كان معظمهم من القبائل العربية. فوجدوا شعوبا بربرية و شعوبا أفريقية تعيش في هذي الأرض. فانتزعوا منهم الأرض بعد حروب مع القبائل البربرية و بما أن العرب جاءوا بالدين الإسلامي و تم التزاوج بينهم و بين القبائل البربرية فكان ما يعرف الآن بمجموعة البيظان. و بما أن البيظان هم الغالبون بدؤوا يغارون على القبائل الزنجية المجاورة فيأخذون أبناءهم و نساءهم عبيدا و إماء. ظل الأمر كذلك حتى تطور إلى أسواق نخاسة يباع فيها الزنوج. و هذا لا يزال حاضرا في ذهن الكثيرين. تحدثت إلى مجموعات كبيرة من لحراطين فتواطؤوا على هذه الرواية. بعضهم تجاوز إلى تسمية بعض الأسر التي كانت تمتهن النخاسة و جلب العبيد.

حديثي عن علاقة لحراطين بالزنوج لا يعني أبدا أن هم زنوجا و إن كانوا زنوجا في الأصل. وليسوا بيظانا ولاعربا. فلا تربطهم بالبيظان إلا علاقة الإشتراك في أغلب الموروث الثقافي رغم خصوصية لحراطين في هذا المجال. و أبسط نظرة على الفلكلور الموريتاني تفسر ما أقول. فمدح المصطفى صلى الله عليه و سلم و عزف النيفاره و أم أزغيبة و بنجه و لعب الدبوس ليست إلا أمثلة حية من الخصوصية الثقافية للحراطين. بإختصار لحراطين ليسوا بيظانا و لا زنوجا و إنما جسربين الإثنين. فهم حراطين إذن.
ربما تكون كلمة "احراطين" كلمة دونية –في نظر البعض— لما تحمل في طياتها من إيماء إلى العبودية و الدرجة الإجتماعية. صحيح لحراطين نتاج ظلم في مجتمع طبقي و مادام لحراطين هم الخدام و الخول فمن يتوقع أن يحصلوا على تسمية لا توازي مكانتهم في المجتمع. و لكن ما ينبغي أن يفهمه الحرطاني أنه لن يكون إلا حرطانيا و لعل أولئك الذين حاولوا طمس هويتهم بالهروب و الذوبان في البيظان أو الزونوج أعلم بالحالة النفيسية التي أتحدث عنها و تذكيرهم كلما سنحت الفرصة بعدم أنتمائهم إلى تلك الجهة. و كما يقول المثل الحساني "العبد إتم ألا عبد لعادت زمباحة أذهب" أحد الأمثلة على ذلك. الحل أن يثبت الحرطاني ابتعاده عن الجهل والأمية و غيرها من وصمات العار التي ألصقها التاريخ بشريحة لحراطين. و بالمقابل استبدال هذه الهنات بالفضيلة و مكارم الأخلاق و ذلك بالتمسك بتعاليم المحجة السمحة. فمحمد صلى الله عليه و سلم قال ملخصا رسالته "و إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" او كما قال علية الصلاة و السلام.

نظام العبودية لم يكن خاصا بالمجتمع الموريناني لا بل كان ظاهرة كونية. ولكن خصوصية العبودية الموريتانية جعلت منها مشكلا لا يزال الشعب الموريتاني يجني تبعاته في القرن الواحد و العشرين. و هذه الخصوصية تتمثل في عاملين إثنين أشرت لكل واحد منهما من قبل. الأول هو أن العبودية الموريتانية أخذت منحى عنصريا إذ يعبد عرق عرقا مختلفا. فالعبد الموريتاني أسود و لا يمكن أن يكون غير ذلك. و هذه الحقيقة مجتمعة مع عامل الندية حالت دون التزواج بين مجمعوعة لحراطين و مجمعوعة البيظان. و على خلاف العبودية في الدول الأخري إذ يعبد القوي الضعيف من نفس العرق في إغلب الأحيان و عند الإنعتاق من نير العبودية يذوب الشخص في المجتمع بدون مميز يميزه كلون بشرته. أما العامل الثاني فهو اضفاء الشرعية الدينية على العبودية الموريتانية مما أكسبها هيبة كبيرة لا في صفوف المستفدين منها فحسب بل في صفوف الضحايا كذلك. و هكذا تم ربط الإذعان للعبودية بإرادة المولى عز و جل فلاقت الترحيب و الإنقياد.

وهذه العبودية لا تزال تمارس في مورينانيا. و الحديث عنها ليس جرما و خروجا على المؤلوف. و السبب الذي دفعني إلى كتابة هذا المقال هو خبر قرأته على موقع "صحراء ميديا" بتاريخ الثلاثاء 21 دجمبر 2010 بعنوان "رئيس منظمة حقوقية يحذر من تدويل قضية الرق...." لقد فاجئنى المدعو محمد ولد امبارك رئيس منظمة مكافحة التطرف. ولد امبارك هذا ينكر وجود العبودية في موريتانيا حيث قال مشيرا إلى العبودية أو الرق "لا يوجد إلا في مخيلة الجماعة التي خططت ودبرت ونفذت الحادثة الأخيرة وبالتحديد بيرام وجماعته، وعليه فإن المنظمة تندد بهذا الشكل من المواقف وتشجبه و تستقذره". و أنا لن أرد على من ينكر العبودية في موريتانيا و خصوصا إذا كان موريتانيا, و لكن أذكره أن "امبارك" اسم تمنى يطلقه البيظان على عبدهم الجديد ليكون مباركا عليهم (مثله في ذلك مثل "امباركة اعلينة" و "أم الخير" و "بلخير" و غيره كثير) و أن "أولاد امبارك" لم يعودوا يطلقوا اسم امبارك مختصرا على أبناءهم فأضافوا إليها "محمد" لتصبح "محمد امبارك" فقط لئلا تختلط بأسم العبد "امبارك."

و إذا كان ولد امبارك يرى أن لحراطين "جزء لا يتجزأ من مجمعوعة البيظان" فهذا حقه و رأيه و لكن لا يجوزله أن يستنكر على حرطان آخر إن رأى عكس ذلك و يهاجمه. و أود أن أضيف هنا إلى أنه حري بمن يحارب التطرف و يرأس منظمة بهذا الإسم ألا يتطرف هو نفسه.


نقلا عن الأخبار