مشاهدة النسخة كاملة : الإعلام العمومي بين التطوير ومؤشرات التراجع


ام خديجة
12-25-2010, 07:46 PM
الإعلام العمومي بين التطوير و مؤشرات التراجع


http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__anvar.jpg

عنفار ولد سيدي ولد الجاش/طالب في المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط

منذ ظهوره معاصرا لاستقلال الدولة ظل الإعلام الموريتاني العمومي يتأرجح بين التصفيق والتطبيل للنظام الحاكم، وآلة يمرر منها أجندته ويروج من خلالها لسياساته، وبين تلك المؤسسة ذات الارتباط الوثيق بالمجتمع بمختلف أطيافه محاولة إشراك الفئات الأخرى في هذا الإعلام، سياسية كانت، أو مجتمعا مدنيا، غير أن الحالة الأولى كانت دائما السمة الغالبة في معظم الأحيان، دون أن ننسى الانفتاح الذي بدا واضحا من قبل الإعلام العمومي خلال الفترة الانتقالية على مختلف ألوان الطيف الأخرى في المجتمع الموريتاني.

وقد خلفت هذه الحالة أي حالة المبالغة في تبعية الإعلام للنظام الحاكم مهما كان ذلك النظام وتهميش الآراء المعارضة له هجرة العديدين له ومن ثم سحب بساط الثقة من مختلف ما يقدمه من أخبار ومواد إعلامية أخرى.

وكثيرا ما كانت مؤسسات ذلك الإعلام تكيل لأي نظام أطيح به أنواع الشتائم وتتهمه بأبشع الاتهامات وعلى ألسنة صحفيين كانوا يمتدحونه في الماضي.

ولئن كان هذا الإعلام قد شهد تطورا مهمًا مقارنة مع الحالة التي كان عليها في الماضي سواء من ناحية الأداء المهني أو من ناحية المعدات والوسائل التي تتوفر عليها مؤسسات القطاع ذا التكلفة العالية، طبعا مع تحفظات كثيرة على ذلك التطور، يبقى دون التطلعات وعاجزا عن أداء الدور المنوط به، وليس طبعا ما تريده له الأحكام التي تعاقبت على موريتانيا على مدى خمسين سنة الماضية.

وقد ذهب وزير الإعلام الموريتاني الأستاذ حمدي ولد المحجوب كثيرا في توضيح حالة الإعلام الموريتاني عندما قال في رده على رأي بعض البرلمانيين "إن الإعلام العمومي ليس على المستوى، لكن هناك مساع لتطويره"1.

غير أن تلك المساعي تصطدم ببعض من العوائق التي لا يزال من الحتمي على وزارة الاتصال الانتباه إليها للتحسين من أداء وجودة الإعلام العمومي، منها ما يتعلق بالكادر البشري من حيث تطوير أدائه المهني، ومن حيث تحسين الوضعية التي يعيشها، ومنها ما يتعلق بالوسائل والمعدات التي يتوفر عليها الإعلام العمومي، ومنها ما يتعلق بتعامل الإعلام مع بعض المواضيع أو غضه الطرف عن بعضها الآخر وضرورة إ شراك الجميع في هذا الإعلام، وأخيرا الرفع من مستوى الميزانية المخصصة لمؤسساته وخاصة الإذاعة والتلفزة.2

- الحرية والمشاكل المرتبطة بالصحفيين

حسب تقريها السنوي حول الخروقات والانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون في العالم، ذكرت منظمة مراسلون بلا حدود أن موريتانيا حافظت على مكانتها ( المرتبة95) في الترتيب العالمي لحرية الصحافة في وقت لم تسلم الدول المجاورة لها من التراجع باستثناء الجزائر( المرتبة 133).

وجاء في تقرير المنظمة للسنة الماضية أن قانون الإعلام الموريتاني من أحسن القوانين الموجودة في المنطقة المغاربية، وهو أمر جيد بالنسبة لبلد عمر صحافته لا يزيد على العقدين ( في ما يتعلق بالمستقل منها أي المكتوب) وخمسة عقود ( بالنسبة للإعلام الرسمي العمومي).

غير أن هذه الحرية التي يتوفر عليها الإعلام الموريتاني سواء من حيث السماح للصحفي بالوصول إلى المعلومة أو من حيث معالجة بعض القضايا التي كانت في الماضي من قبيل " المحظورات" لا تكون كافية ما لم تكن حقوق الممارسين لهذا الحقل مصونة بشكل كامل بحيث إنه في نفس الوقت الذي يكون فيه الصحفي خاضعا لسلطة من هو أعلى منه، يبقى متمتعا بالحقوق التي تترتب على ممارسته لهذه المهنة وكل الوسائل المشروعة للمطالبة بحقه دون أن يعرضه ذلك للطرد من المؤسسة أو الفصل من الوظيفة دون سابق إنذار.

فالفصل التعسفي، أو الطرد فجأة، أو المنع من ممارسة بعض الحقوق المشروعة لأسباب "تافهة" أو في الغالب دون أسباب ـ توجب ذلك ـ باتت أحداثا مألوفة في مؤسسات الإعلام العمومي الموريتاني وخاصة الإذاعة والتلفزيون مشكلة بذلك حجرة عثرة في مسيرة الحريات ومؤذنة بمسلسل من الانتهاكات داخل أكبر مؤسستين إعلاميتين في البلد؛ في وقت أصبحنا نسمع فيه عن سياسات إصلاحية جديدة للقطاع والتوسيع من هامش الحرية التي يتوفر عليها صحافيو القطب العمومي.

فما زالت مؤسسات الإعلام العمومي تشهد من حين لآخر عمليات تسريح لبعض الصحفيين ونورد هنا مثال فصل أربعة صحفيين من إذاعة موريتانيا على خلفية مطالبتهم بصفة قانونية بتمكينهم من حقوقهم المشروعة، وقبل ذلك فصل مذيعة بالتلفزة الموريتانية بعد ابتسامتها في نشرة كانت تقدمها، وغيرها من عمليات الفصل التعسفي التي يتعرض لها كل من تعارضت مصالحه مع مزاج من فوقه في الوظيفة أو راق لذلك فصله دون سبب.

وإذا كانت هذه حالة الإعلام العمومي فكيف يمكننا الحديث عن تطويره و العاملون فيه لا يتوفرون على جو يمكنهم فيه أداء أي وظيفة من وظائف الإعلام التي وضع لها أصلا.

إن الرفع من مستوى أداء الإعلام أي إعلام يتوقف أولا على مدى الحرية المسموح بها لصحفييه، وعندما نتحدث هنا عن الحرية فنحن نعني بالذات الحرية الشخصية للصحفي داخل المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها، بمعنى ضرورة أن يشعر الصحفي بأن لديه هامشا من الحرية يسمح له أن يعمل بشكل مريح، وأن يطالب كلما دعت الحاجة بتوفير الجو المريح للعمل، ولابد من معرفة أن الحرية لا تكفي لكي يقدم الصحفي عملا جيدا، بل قبل ذلك لابد من أن يكون الصحفي يعيش وضعا "ماليا" مريحا وحالة اجتماعية مستقرة؛ وهي أمور تحتاج إدارة مؤسسته الإعلامية لمراعاتها لارتباطها بمدى جودة أداء الصحفيين.

ومن هنا ننطلق لنقول إن تدني الأجور وعمليات الفصل أو محاولة الحد من حرية الصحفيين كانت أهم العوامل التي كان لها الأثر الكبير على ما يقدمه الإعلام العمومي من مواد إعلامية مختلفة.

ومن جهة أخرى كان وراء هجرة بعض ممن أبدعوا في مؤسسات عالمية أخرى، وممن كانوا يتقاضون أجورا زهيدة وغير رسمية في الإذاعة أو التلفزيون.

و إذا كان تدني الأجور من أكبر المشاكل التي يعاني منها الصحفيون، فأن تأخير تلك الأجور ما فتئ يزيد الأمور تعقيدا على تعقيد.

نقلا عن الأخبار