مشاهدة النسخة كاملة : المثقفُ المكبل ( جودت فخر الدين)


أبو فاطمة
12-25-2010, 09:31 AM
المثقفُ المكبل ( جودت فخر الدين)

أود ألإشارةَ أولاً إلى أنني، في هذه المقالة، لا أريد ولا أستطيع أن أتناول مشكلات المثقف العربي على أنواعها، وهي كثيرةٌ ومعقّدة، وإنّما أريد أن أُركزَ على محنة هذا المثقّف في علاقته بالأزمات والأحداث الكبيرة، التي شهدنا لها وتيرةً متسارعةً في العقود الأخيرة المنصرمة، ونشهدُ اليومَ فصْلاً من فصولها الأكثر مأساويةً وعنفاً .
يشعر المثقف العربي إجمالاً بأنه ليس فعّالاً في مجتمعه أو في ما يجري حوله .
يشعر بذلك في الأوقات العادية، أي في أوقات الاستقرار (النسبي)، فكيف به في الأوقات غير العادية، أي في أوقات الاضطراب والقلق، في الأزمات والمِحَن التي لا تكاد تُمهلُنا أو تُهملُنا إلا نادراً .
يجدُ المثقف العربي نفسه مذهولاً أمام هوْل الأحداث الكبيرة التي يشهدُها، علْماً بأنّ الأحداث في زماننا باتت في حيز التوقّع، كبيرةً كانت أو صغيرة، ويجدُ هذا المثقف نفسه ضعيفاً حتى حيال ادّعاءاته بأنه قادرٌ على الاستشراف أو التحليل أو الفهْم . هنا يكمنُ مظهرٌ من مظاهر المحنة التي يعيشُها المثقف العربي إبّان الأحداث . فكثيراً ما يكون الحَدَثُ داهماً كلّياً، إذْ يهدمُ لدى المثقف في لحظة خاطفة كل ما قد بناه من رؤىً وتصوّرات على مدىً طويل (نسبياً) وسرعان ما يجدُ المثقف نفسه على هامش ما يجري، لا تنفعُهُ محاولاتُهُ للفهْم، ولا يهتدي إلى سبيل للانخراط في الأحداث، ولا حتى للهرب منها . في ما سيأتي، سأحاول الكلام عن محنة المثقف العربي في نقاط محددة:
أ- يواجهُ المثقف العربي ما يحدث في مجتمعه بنوع من الثقافة هو في معظمه مستَمَد من ثقافات غربية . ومعظم ما يحدث في المجتمعات العربية إنّما يحدث بتأثير من تدخّلات أجنبية (غربية) . وغالباً ما يُلقي المثقفون العربُ مسؤوليةَ ما نتخبّطُ فيه من مشكلات وما يُحاكُ لنا من مؤامرات على الغرب . إذن، يشعر المثقف العربي بأنه مزدوجٌ حيالَ الغرب . فمن ناحية هو عدوّ، ومن ناحية ثانية هو مثالٌ أعلى . الغربُ عدو من النواحي السياسية والاقتصادية والإعلامية . . . وغيرها، وهو مثالٌ أعلى في نَواح علمية وفنية وثقافية . . . وفي كل ما يجعلُنا مستهلكين لِما يُنتجُهُ، ولا يتسنّى لنا نحن إنتاجُه . إزاء هذا الواقع، يشعر المثقف العربي بنوع من الضياع، فهو يشعر في كل لحظة بأنه مَدْعُو إلى مقاومة (الآخَر) الذي لا يمكنه الاستغناء عنه، بل هو مضطر إلى الأخذ منه . إنّ في هذا الأمر مأزقاً كيانياً يشترك المثقف العربي في معاناته مع غيره من مثقفي العالم الثالث .
ب - يصطدم المثقف العربي على الدوام بمشكلات انتمائه، التي تضعُ حدوداً لطاقاته وتطلّعاته . وغالباً ما يحاول المثقف العربي أن يتحرّر من هذه المشكلات فلا يستطيع . ومشكلات الانتماء هذه تُضيقُ عليه الخناق في حالات الأزمات والمِحَن . ولْنستَعِنْ هنا، لتوضيح هذه الفكرة، بالمثال اللبناني . فالمثقف في لبنان يجدُ نفسه وسط انتماءاتٍ كثيرة، يحارُ في تصنيفها من حيث القوة أو الضعف: منها انتماءٌ ديني، وآخَر طائفي، وآخَر مناطقي (جنوبي أو شمالي . . . أو غير ذلك)، وآخَر عائلي، وآخَر سياسي (حزبي) . . . الخ . وإذا كان هنالك بعض المثقفين الذين يحاولون التحررَ من معظم تلك الانتماءات، ويدأبون على انتقادها، خصوصاً عندما يكون في لبنان قدْرٌ مقبولٌ من الاستقرار، فإنهم يجدون أنفسهم أحياناً مضطرين إلى الاحتماء ببعض الانتماءات التي يرفضونها، وذلك في أيام المِحَن أو الحروب الداخلية، يضطرون أحياناً أن يخضعوا لأنواع من الفرز السياسي أو المناطقي أو الطائفي، تفادياً لمخاطرَ لا يستطيع المثقف أن يواجهها بمفرده، فتصبح الجماعة التي ينتمي إليها، ولو قسرياً، ملاذاً له .
ج - قد يكون من النافل أن نقول إنّ أجواء الحرية،حرية التفكير والتعبير، ليست متاحةً للمثقف العربي على نحْو مقبول . ففي معظم البلدان العربية، يواجه المثقفون صنوفاً مختلفةً من التضييق، نظراً لوجود الكثير من المحظورات أو الممنوعات، التي هي أحياناً سياسية، وأحياناً فكرية، وأحياناً عقائدية أو مذهبية . . . إلخ . وإزاء ذلك، يمارسُ المثقف العربي على نفسه نوعاً من الرقابة الذاتية تسهم في تكبيله تكبيلاً إضافياً .
ليس ما أوردْناه سوى جزء ممّا يُعانيه المثقف العربي . وقد يكون أقسى وجه لمعاناة هذا المثقف بحثهُ في مشكلاته التي يصعبُ حصْرُها، سعياً إلى إيضاحها وإلى تدبر ما يساعد في حلها أو التخفيف منها .

نقلا عن دار الخليج