مشاهدة النسخة كاملة : العبودية بين الغلو والتفريط (زكريا ولد محمد فال)


ابو نسيبة
12-25-2010, 04:29 AM
العبودية بين الغلو والتفريط (زكريا ولد محمد فال)

من البديهي أن تحقيق وحدة وطنية وانسجام اجتماعي شرط أساسي لأي تأسيس حقيقي لدولة تحمل مشروعا قويا قادرا على قيادة عملية البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ويضمن أسس الاستقرار والاستمرار للدولة.
ومن الواضح انه في حالة بلادنا أن اكبر قضية يمكن أن تعيق ذلك المشروع هي بلا شك قضية العبودية كونها تمس المجتمع الموريتاني ككل وأيضا قوة تأثيرها السلبي المدمر علي هذا المجتمع لذا فمن المقبول أن نعتبرها الهم الوطني الأول.
"حينما نقول العبودية فنحن نقصد الممارسة أي كان نوعها وأثارها ومخلفاتها المتنوعة"، لا شك ان العبودية كممارسة بشكلها التقليدي القديم لم تعد ظاهرة منتشرة بشكل واسع غيران وجود حالات ولو كانت معزولة أو قليلة لا يلغي أهمية تلك الممارسة بسبب بشاعة تلك الممارسة التي لا يمكن السكوت عليها بحال من الأحوال.
فيما تشكل أثار العبودية ومخلفاتها السيئة المظهر الأبرز الذي لا يخفي علي العيان بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وأن كون هذه المظاهر و إن كانت لا تساوي في البشاعة الشكل الأول إلا انه أيضا لا يمكن تجاهلها بسبب شدتها من الناحية الكمية. فكلا الشكلين خطير إما من ناحية الكيف أو من ناحية الكم.
1. الهم الوطني
لا يمكن نهائيا النظر في قضية العبودية أو وضع تصور دقيق أو مقاربة فعالة لمحاربتها إلا من منظور أنها قضية وطنية كبرى يعني بها جميع الموريتانيين و بدرجة متساوية وأي تصور مخالف هو بدون شك تصور مشوه ولا يؤدي إلا الى نتائج أكثر تشوها.
إن بقاء جزء كبير من المجتمع الموريتاني يرزح تحت الفقر والجهل والتهميش لهو شلل حقيقي للمجتمع الموريتاني لا يسمح له نهائيا بالنهوض ومسايرة ركب المجتمعات المتقدمة. أعلم تماما أن الجهل والفقر والتهميش ليست خصالا نوعية للحراطين إلا انه لا جدال أنهم يشكلون السواد الأعظم لمن يعانون تلك الأمور وعموما العلة في المعاناة لا في الفئة.
إن كون القضية وطنية يعني من الناحية النظرية اهتمام جميع الموريتانيين وخصوصا قادة الفكر والفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين بالقضية وتبنيها بشكل صريح وإرساء أسس فكرية حقيقية لتناول القضية في سبيل محاربتها.
أما من الناحية العملية فان المسؤولية الأولي علي عاتق الدولة الموريتانية بكافة مؤسساتها ويتطلب منها جهدا حقيقا و طويل المدي على المدي المستقبلي طبعا، بعد وضع تصور واضح وتشخيص دقيق ومن ثم خطة فعالة و طموحة و قابلة للتطبيق.
2-المسؤولية التاريخية
من المؤكد أن العبودية ومخلفاتها تمس بأثرها السيئ شريحة الحراطين بشكل خاص وبالتالي كان من البديهي أن ينادوا بضرورة حلها ويناضلوا في سبيلها. إلا انه يجب علي "البيظان"بالمفهوم الأضيق للكلمة أي من مارس أجدادهم العبودية أن يتبنوا القضية أولا لمبدأ الأخوة الوطنية والدينية، ثانيا لان السفينة واحدة، ثالثا و هو لربما الأهم بنظري المسؤولية التاريخية.
صحيح انه من الناحية القانونية لا يمكن ان نحمل أيا كان مسؤولية ما حدث في الماضي او ما فعله الأجداد الا انه من منظور الضمير الحي فان هنالك مستوى من المسؤولية الأخلاقية الجماعية يتحمله "البيظان" اليوم في قضية العبودية وآثارها السلبية.
لقد كانت فترة الماضي فترة عاشها الأجداد وأنتجوا خلالها منظومة من القيم والمكتسبات التراثية الثقافية الاجتماعية ورثها مجتمع اليوم ويفخر بها كثيرا وله الحق فهي مليئة بالقيم الرائعة من ثقافة قيمة وأخلاق كريمة وغير ذلك إلا انه لا يجب ان ننسى أن قضية العبودية هي ارث أيضا. فكيف نقبل كل ذلك ونتملص من تلك انه لتناقض واضح إن فعلنا، وعموما لسنا مخيرين نحن ملزمين بما ورثناه ولكن لنا أن نصحح الوضع و لا نورثه لأجيال قادمة.
3. القضية بين الغلو والتفريط
هل قدرنا أن تكون أمورنا كلها ضائعة بين مفرط لا يلقي بالا لأي شيء وبين مغال يجاوز الأمور حدها فيضعا في سياق آخر؟ هل يبقى التوسط والعقل والحكمة غائبين في الدين والسياسة وفي قضية العبودية حدث ولا حرج؟
المفرطون يصرون علي أن الأمر مجرد رواسب من الماضي لا علاقة لنا بها وبان الزمن كفيل بإزالتها وياله من منطق اعوج إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم -انه منطق إرجاء كل شيء والاتكال علي لا شيء هذا ما لم يسمح لنا بتغيير الكثير في نصف قرن من عمر دولتنا، الم يحن الوقت لنتخذ المبادرات في كل مجال؟ بل لعله قد فات.
المغالون في القضية يجاوزون كل حد حتي ليصل الأمر إلى الإصرار بأنها قضية شعب يضطهده شعب "آخر" ولا سبيل للخلاص إلا باستهداف وضرب الشعب "الأخر" بدل ان يحاولوا استقطاب وتجنيد الجميع من اجل مصلحة القضية، وياله من منطق مريض فمتي كان الظلم يرد بالظلم؟
إن القيادات السياسية والنخب الفكرية مسؤولة تماما عن هذا الوضع فعندما يغيب الصوت الصادق والفكر الحكيم فلا شك أن الشطط سيسود.

نقلا عن أقلام حرة