مشاهدة النسخة كاملة : الصورة العربية.. الإطار والتفاصيل... { توجان فيصل}


ام نسيبة
12-24-2010, 07:14 PM
الصورة العربية.. الإطار والتفاصيل


توجان فيصل


قيل الكثير عن دلالات ما جرى بعد مباراة كرة القدم بين فريقيْ الفيصلي والوحدات في ملعب "القويسمة" جنوب عمان. ولكن معظم ما قيل ظل مجزوءا بدرجة تجعله يبتعد كثيرا عن الحقيقة. فالحقيقة لا تتأتى إلا من الصورة الكلية, التي لا تـُرى إلا في إطار المشهد العربي الأوسع ودقائق المشهد المحلي.

فحين رفعت الأنظمة العربية الراية البيضاء في مواجهة إسرائيل, مفرطين جمعا وفرادى في كل مقومات ومستلزمات وأولويات أمنهم القومي, لم ينعموا بأي شعور بالأمن والسلام حقيقة.. فلجؤوا لمنظومة أمن داخلي أو قطري أو مركزي أو أمن دولة, سمّه ما شئت, ولكنه يتلخص في أن الخطر لا يتأتى من الخارج بل من الداخل.

"
حين رفعت الأنظمة العربية الراية البيضاء في مواجهة إسرائيل, مفرطين جمعا وفرادى في كل مقومات ومستلزمات وأولويات أمنهم القومي, لم ينعموا بأي شعور بالأمن والسلام حقيقة
"
وأصبح تركيز الإستراتيجيات الأمنية والإنفاق الأمني والتجييش والتسليح, على قوى أمنية مهامها داخلية صرفة, ومع ذلك يمكن أن تنسق جهودها -سرا أو علنا- مع قوى خارجية مما كان ويفترض أن يظل عدوا أو حليفا لعدو، لا يمكن أن يلبس ثوبين في آن واحد إكراما لحفلاتنا التنكرية هذه.

وكما أن العداوات والمصادمات والمعارك تحتم تجهيز الجيوش, فإن تجهيز الجيوش الجرارة يحتم أيضا مصادمات ومعارك تولّد عداوات. فحتى الجيوش النظامية يلزم إشغالها أو تنقلب إلى عبء وتنتهي إلى اختلاق حروبها الداخلية أو الخارجية. وتزداد فرص اختلاق تلك "الجيوش" للأزمات حين يكون ميدانها الساحة الداخلية, أي أنها متواجدة وسط من دُرّبت على أن تتصدى لهم.

وبالنظر لحجم التسلح العربي والإنفاق العسكري والأمني بعمومه, دونما نية خوض أي معركة (لا يغني انتظار الانخراط في معركة ضد إيران لا تقوى أميركا وإسرائيل على خوضها), ليس مستغربا أن نجد مصادمات واسعة ومتكررة بين قوى أمن داخلي مدججة بالسلاح ومجاميع شعبية عُزل كثيرا ما تكون أقل عددا من رجال الأمن, في مدن وقرى أغلب الدول العربية.. من اليمن والبحرين جنوبا مرورا بالسودان ومصر وتونس والمغرب وحتى الضفة المحتلة (لا نتحدث عن قوات الاحتلال بل عن "قوات دايتون") ومؤخرا في الأردن, ثم حديثا في الكويت حيث قوى الأمن باتت تضرب نواب الشعب.. وغير هؤلاء دول عربية تحرك جيوشها النظامية للتصدي لمن تسميهم متمردين, في حين أن العراق منذ احتُل وسُرّح كامل جيشه, لم ينجز حكامه الجدد بكل مليارات نفطه مشروعا تشغيليا واحدا سوى "المليشيات" المسلحة.

حالة "عسكرة" للحياة اليومية في العالم العربي يمكن لأي مراقب محايد تبين علاقتها التاريخية بما أسمي "مسيرة السلام" مع إسرائيل!!.

هذا عن الإطار العربي الواسع للصورة، أما حقيقة الصورة المحلية في الأردن, فيكشف نقص ما جرى تداوله منها كم التناقضات الهائلة فيما قيل وما سيق من أسباب وتبريرات لحادثة "القويسمة", الصحيح منها كما المغلوط. وأحد أهم أسباب هذا التناقض أن أكثر من جهة أسقطت على الحدث تفسيرات تخدم مصالحها هي.. بدءا بالنسخة الرسمية الأردنية, وهي نسخة تحمل كل العجز الإعلامي للفريق الرسمي الحالي.

سنتوقف عند أبرز تناقضات التفسيرات التي أسقطت على حادثة "القويسمة", وأولها القول الأسهل وهو أن ما جرى جزء من شغب الملاعب المعروف. وشغب الملاعب يقوم عادة بين مشجعي فريقين, وإذا تطور يتدخل الأمن. وكاميرا الجزيرة سجلت ما جرى، والتسجيل يبين قوات الدرك وهي تضرب جمهور الوحدات الذي بعضه كان اصطحب معه أطفاله, وتدفع بهم باتجاه السياج الذي انهار من ضغط أجسادهم, ويبين الشريط أن ضربهم لم يتوقف بعد ذلك رغم موجبات الإسعاف هنا وحده دون غيره.

"شغب الملاعب" طوق إنقاذ لمن لا يريد الخوض في الدلالات السياسية لما جرى. ولكن التفسير السياسي الأميركي في المقابل (الذي تتبناه إسرائيل لتصدير أزماتها إلى الأردن والتمهيد لمخططاتها بشأنه), نجده في تقرير أميركي نشره موقع ويكيليكس مؤخرا عن شغب في مباراة سابقة في يوليو/تموز 2009 بين ذات الفريقين ألغيت قبل اكتمالها.

فالتقرير, بعد إيراده حقائق ما حدث, يقدم تفسيره لما جرى بأنه جاء في إطار تنازع سياسي بين الشرق أردنيين وذوي الأصول الفلسطينية يعزو التقرير تأججه لكون "الإدارة الأردنية" عمدت لإجراء "إصلاحات" تتيح للأردنيين من أصل فلسطيني مشاركة أوسع في الحياة السياسية, مما يثير مخاوف وغضب الشرق أردنيين.

وهذا يتناقض مع أمرين, الأول أن زيادة بضعة مقاعد نيابية على ما هو مخصص لمدينتيْ عمان والزرقاء, اعتبرتها أميركا جزءا من ذلك "الإصلاح" يهدف لزيادة التمثيل الفلسطيني في المجلس, ووجه بضعف الإقبال على الاقتراع في مناطق ذوي الأصول الفلسطينية، مما خفض تمثيلهم النيابي بدل زيادته.

بل هم زهدوا في انتخابات منزوعة الصدقية بحيث لم يعترضوا على "تفويز" الحكومة لمرشحيها، مما منع وصول أبرز مرشحيهم في المدينتين لمجلس النواب، رغم حصولهم على أصوات أعلى من آخرين دخلوا المجلس ممثلين لذات المناطق.. شأن أهم كثيرا من الفوز في مباراة لو كان صراع الأصول والمنابت منتج الشغب والعنف.

والأمر الثاني يتمثل في تناقض آخر في الممارسة الحكومية, وهو أن سحب الجنسيات من بعض ذوي الأصول الفلسطينية -الذي شكل أزمة كبيرة مؤخرا- كانت تقوم به وزارة الداخلية الأردنية. ومطالبة بعض غلاة الأردنيين "بدسترة" هذا الإجراء غير الشرعي لم تُنشئ ولا سرّعت وتيرة مصادرة الجنسيات. هي فقط ضخمت تنازعا يقوده قلة من الغلاة في الجانبين, فيما تبين كافة التقارير الميدانية أن الغالبية الساحقة من الأردنيين من كافة الأصول والمنابت تؤمن ليس فقط بوجوب, بل "بوجود" وحدة وطنية ينبغي صيانتها من أي عبث.

"
هاجمت مشجعي نادي الوحدات (المحسوب على ذوي الأصول الفلسطينية) بعد مباراة القويسمة, دون جمهور الفيصلي (المحسوب على ذوي الأصول الشرق أردنية), مع أن الأخير هو الذي سبق أن أطلق شعارات سياسية تمس الحكم في المباراة السابقة الملغاة
"
ولافت هنا أن قوات الدرك هاجمت مشجعي نادي الوحدات (المحسوب على ذوي الأصول الفلسطينية) بعد مباراة القويسمة, دون جمهور الفيصلي (المحسوب على ذوي الأصول الشرق أردنية), مع أن الأخير هو الذي سبق أن أطلق شعارات سياسية تمس الحكم في المباراة السابقة الملغاة, وهو ما جرى التكتم عليه محليا عاما ونصف عام, ولكن نشر التقرير الأميركي المفصل لأحداثه في موقع ويكيليكس مؤخرا جعله معلومة عامة وأعاده للواجهة.

وتلك كانت حالة سابقة على بيان المتقاعدين العسكريين تؤشر على نشوء معارضة واسعة في صفوف الشرق أردنيين، بعد أن كان هؤلاء يحسبون على المولاة جمعا. وعلى اعتبار مهمة الدرك كجهاز أمني داخلي، فإن المتوقع أن يكون استهدافه -في أول مناسبة تجمع مشجعي الفريقين- للجمهور الذي كان قد تجاوز ما يسمى "الخطوط الحمر", خاصة أن الدرك غُلّت يده في المباراة السابقة لأن التكتم على الحادثة اتخذ أولوية.

وانتقائية العنف الدركي لجمهور "الوحدات" مكّن من حساب تصرف الدرك على الشرق أردنيين, مع العلم بأن الدرك يأتمر بأوامر رسمية توصف علنا بأنها "عليا". وفي الحادثة الأخيرة تجلت الحماية الرسمية المفرطة للدرك في استباق وزير الداخلية نائب رئيس الوزراء لنتائج لجنة تحقيق شكلت من رجال الداخلية في حديثه المفصل مع النواب, الذي وصل حد الحديث عن توصيات ستصدر عن لجنة تحقيق لم تكد تباشر عملها!!.

ولافت في المقابل, أن الموقع الإلكتروني الذي يُعتبر صوت غلاة الشرق أردنيين, كان في مقدمة من أدان تصرف الدرك في مقالتين متتاليتين لمدير تحريره, ومقالة لأحد أبرز كتابه يقول فيها "أليس من المحزن أن نباغت بكل هذه القسوة من قوات أمن بلدنا؟؟". ويجزم الكاتب بأنه "بعد هذه الحادثة يحاصر الدرك نفسه, وتتصاعد في وجهه حركة الاحتجاجات الشعبية".

والاحتجاجات الشعبية تشكل حقيقة حالة موحدة لكل مكونات الشعب الأردني، بما يعرّي حالة التضخيم واللعب على الفرقة الداخلية. فمدير تحرير الموقع المذكور يقول "لا أستطيع أن أصف ضرب طفل وحداتي بأنه دفاع عن الأردن. ولا أن أقول إن قنابل الغاز التي انهالت على البيوت كانت موجهة لأعداء الأردن. هذا محض جنون, ونار ستأكل الأخضر واليابس وتحيل الأردن رمادا".

ويصف تدخلات الدرك في أحداث "العنف الأهلي" بأنها "تشابه إلى حد كبير إدخال فيل في مخزن للخزف", مستشهدا بمواجهات عنيفة للدرك مع الأهالي والعشائر الأردنية في العديد من المدن والقرى, بدءا بما بُرّر بأنه فض لشجارات أهلية, مرورا بالتصدي لاعتصامات مطلبية سلمية, ووصولا لضرب المعتصمين قرب السفارة الإسرائيلية أثناء العدوان على غزة, والمعتصمين أمام وزارة الزراعة ضد التطبيع المتمثل حينها في استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية.

والعنف الأهلي -الذي أصبح عنوانا أردنيا رئيسا في السنوات الأخيرة- تراوح أسبابه بين غياب الإصلاح السياسي ومطالب معيشية وخدمية محقة، أهملت مع انسحاب الدولة من دورها الرعائي الخدمي وتضخّم دورها في الجباية, وانتشار الفساد وتوظيف ما أنتجه من مال أسمي زورا "المال السياسي" لمجرد أنه أصبح يوظف لشراء مناصب القرار.. وبالذات مقعد النيابة الذي يمثل الملاذ الأخير للشعب.

وقد عرضنا -في مقالة سابقة- لتحليلات تربط العنف الشبابي تحديدا الذي حصد أرواح عدد كبير من الشبان, بفئة من طالبي المناصب والزعامة دون تأهيل بغير ذاك المال المشبوه, يختلقون المشاكل ليزعموا حلها لاحقا.

كما يجدر التوقف عند حادثة لافتة لدى ملاحقة الدرك لعمال الميناء المعتصمين إلى داخل مستشفى الأميرة هيا العسكري في العقبة, وهي تدخّل قائد المنطقة الجنوبية للجيش لوقف أفراد الدرك, وكانت إصابة أحد العمال قد أدخلته في غيبوبة طويلة شارف فيها على الموت.

وتدخل الجيش ذاك يذكر بموقف مشرّف سابق له, وهو رفضه التدخل لقمع انتفاضة نيسان التي انطلقت من جنوب المملكة أيضا, فيما تحمس مدير الأمن العام عبد الهادي المجالي (شقيق رئيس الحكومة التي وقعت اتفاقية وادي عربة) للتدخل بعنف لم يصل لما وصل إليه الدرك بذرائع أوهى للأخير, لكون عناصر الأمن لم يكونوا بذات حماسة مديرهم.

ويصعب ألا تكون مواقف الجيش وكوادر الأمن تلك أدت إلى اجتراح البعض لفكرة تشكيل قوات الدرك التي هي "لا جيش ولا أمن عام", لكون تلك المواقف المجرّبة تقف وراء مطالبات شعبية متصاعدة بحل الدرك وإعادة كامل مسؤولية الأمن الداخلي إلى الأمن العام.

"
الحالة أصل الخلل ليست أردنية حصريا, وتتمثل في إسقاط الأمن القومي بوهم أن السلام قد حل على المنطقة بتوقيع اتفاقيات لم تتأهل الحكومات التي أبرمتها لفهم أحكامها التعاقدية قبل تداعياتها السياسية
"
ونعود لكتّاب الموقع الذي يوصف بأنه معقل اليمين الشرق أردني, حيث يخلص مدير تحريره إلى أن "سيرة حياة جهاز الدرك تثبت أنه يستهدف الوطنية الأردنية أساسا. والغالبية الساحقة من صداماته كانت مع العشائر وبهدف كسر شوكتها تمهيدا للقادم من الأيام". ويرى أن سلسلة الأخطاء التي وقع فيها جهاز الدرك ينبغي أن تثبت لصانع القرار "أن الغاية من إنشائه -سواء المعلنة أو الخفية- لم تتحقق، لا من ناحية (الردع بعيد المدى) تمهيدا للحلول, ولا من ناحية فرض الأمن بمفهومه البسيط".

أما الكاتب الآخر في نفس الموقع, فيخلص -في مقالته المنشورة في نفس اليوم- إلى أن "مجمل الانفعالات الأمنية خلال الأشهر الماضية تدعو للاعتقاد بأن الأمر مخطط له، بحيث تتكون لدى المواطن صورة مرعبة وقاسية عن رجل الأمن، وبالتالي تخويف الناس وحقنهم بجرعة رهبة من أي احتجاجات قد تتطلبها المرحلة القادمة".

الحالة أصل الخلل ليست أردنية حصريا, وتتمثل في إسقاط الأمن القومي بوهم أن السلام قد حل على المنطقة بتوقيع اتفاقيات لم تتأهل الحكومات التي أبرمتها لفهم أحكامها التعاقدية قبل تداعياتها السياسية.. أو بوهم أن هنالك "صداقات" دولية في السياسة لا "تبوق" بأصحابها.

وفي المقابل, درجة وعي الشعوب بالمخاطر الخارجية وحاجاتها الداخلية المتأتية من ذلك الوعي لتحقيق إصلاحات سياسية, قد تؤديان لتصور أن الخطر الأول بات يأتي من الداخل.. وهو تصور يفتقر إلى أدنى درجات فهم التغيرات العالمية العابرة للأقطار والحدود ولكل الخطوط الحمر, خطؤه الفادح يدفع بأصحابه للوقوع في خطايا مميتة.

نقلا عن الجزيرة نت