مشاهدة النسخة كاملة : أين أخلاقنا وقيمنا..؟!! {جمال ولد عباد}


أبوسمية
12-23-2010, 06:49 PM
أيـــن أخـلاقـنـــا وقـيـمـنــا..؟!! (جمال ولد عباد)

يقول الشاعر الحكيم:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه* فقوم النفس بالأخلاق تستقم
والنفس من خيرها في خير عافية* والنفس من شرها في مرتع وخم
فمما لا شك فيه أن الأخلاق الكريمة والقيم النبيلة، هي خصال حسنة وخلال حميدة ميزت الإنسان عن الحيوان، وهي التي رسخت إنسانية الإنسان، وساهمت بشكل كبير في بناء المجتمعات وتقدم الحضارات، فتقدم وتطور أي أمة من الأمم مربوط بمدى تمسكها بأخلاقها وقيمها الكريمة التي يتوارثها جيل عن جيل، وتجد رافدها الرئيسي من التراث الإسلامي الذي هو حياتنا وحاضرنا ومستقبلنا هنا في بلاد "أرض الرجال" وقد امتدح الله جل وعلا نبيه الكريم قال تعالى {وإنك لعلى خلق عظيم} وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
هذا وقد حضت جميع الشرائع السماوية والأرضية على التمسك بالأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة وجعلتها ركنا أساسيا في جميع الأديان والقوانين، لا يمكن التغاضي عنه وحتى في المجتمعات الجاهلية والشعوب الفوضوية كانت الأخلاق والقيم الكريمة هي القانون والحصن الحصين لتلك الشعوب على مدى الحقب والعصور.
إننا في بلاد شنقيط المنارة والرباط تنكرنا -للأسف الشديد- لجميع قيمنا وأخلاقنا الكريمة التي أمرنا بالتمسك بها ديننا الحنيف، وتركها لنا أجدادنا الأجلاء إرثا جميلا خلق لنا صيتا وسمعة في جميع مشارق الأرض ومغاربها، وهو الإرث الغالي الذي كان كنزا ثمينا لنا لا ينضب، وتأشرة دخول لجميع البلدان والقلوب، وكان فخرا لنا أينما حللنا وارتحلنا، فكان الواحد منا هو الإمام وهو القاضي وهو الشاهد المبرز والمؤتمن الحكيم في جميع أنحاء هذه المعمورة لأننا كنا نحترم أنفسنا ولأن الأمم الأخرى كانت تحترمنا وتجعلنا فوق الشبهات من خلال السمعة الطيبة التي اشتهر بها أجدادنا الشرفاء الذين مثلونا أفضل تمثيل، وكانوا سفراء محبة وأخلاق متميزة، هذا بالرغم من صلف واقع حياتهم المعيشية جراء قساوة الطبيعة والصحراء الصحراء المفتوحة القاحلة، إلا أنهم كانوا متماسكين ومتشبثين بأخلاقهم وقيمهم الكريمة، وضحوا من أجل ذلك بكل غالي ونفيس حتى أرواحهم الغالية دفعوها من أجل دفع الضيم حرصا على شرفهم وأخلاقهم التي يتحلون بها.
أما واقعنا الحالي، فهو مأساة أخلاقية حقيقية بلغ فيها التردي الأخلاقي منتهاه وضاعت فيه القيم الفاضلة والمعاني السامية.. فممن منا لم يسمع أو يقرأ أو يشاهد تصرفات وأعمالا غاية في النذالة والمهانة راح ضعيتها مساكين ضعفاء لا ذنب لهم إلا أنهم نزلوا أرض شنقيط وتمائمهم هي السمعة الطيبة والتاريخ التليد لأجدادنا الميامين.
ثم من منا لم يسمع أو يشاهد قصصا واقعية يصعب أن يتخيلها الخيال الجامح قصصا تجعل الولدان شيبا من هول وحشيتها ورداءتها وكان أبطالها أشقاء لنا موريتانيون يدعون الإسلام والإيمان..!
فالآلاف من المواطنين المساكين ماتوا وقتلوا، والآخرون مرضى يعانون من مختلف الأمراض الوبائية المستعصية على التشخيص جراء جشع أشقائهم من عبدة الأوقيات والدولارات، هؤلاء الذين يبيعون مختلف المواد الاستهلاكية المزورة والمنتهية الصلاحية ومختلف أنواع الأدوية المزيفة.
فجميع ما نستعمله ونستهلكه من المواد والآلات والأشياء كلها مزورة مغشوشة ومنتهية الصلاحية، وبلغ بهم الاستهتار بكل شيء إلى أن شيدوا مصانع للألبان ومياه الشرب ومواد البناء مقشوشة مزورة ومفبركة، وحتى أسماء الخلفاء الراشدون أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لم تسلم هي الأخرى من جنون الغش والهلع هذه، بل زج بهم عناوين على اليافطات فوق واجهات الدكاكين والبقالات والصيدليات، ولم يتذكر هؤلاء ما تعنيه هذه القمم الأخلاقية والإيمانية من معاني الصدق والوفاء والإيمان والأخلاق وما ترمز إليهم من قيم فاضلة وأخلاق نبيلة، وبعد شديد عن المسلكيات الرديئة لهذه المتاجر الجشعة المغرمة بخيانة الأمانة والتزوير والتزييف، وحب شديد لحطام هذه الدنيا الزائلة، هذه هي حقيقة واقع أخلاقنا المتدهورة.
أما أخلاقنا في العالم البراني فهي للأسف الشديد أشد قبحا ونذالة ففي جميع أنحاء المعمورة تطالعنا الأخبار بأخبار مواطنينا وسلوكياتهم المافوية التي تصيبنا بالدوار، أما جبيننا فطبعا لم يعد فيه ما ينديه لكثرة وفظاعة هذه التصرفات المخجلة.. فكم من إمام أو شيخ وقور اتخذ من عمامته ووقاره أحبولة ومصيدة للاحتيال على من قدسوه واحترموه.. وكم تاجر منا اتخذ من الدراعة الشنقيطية بورصة رابحة للسرقة وخيانة من ائتمنوه ووثقوا به.. وكم عابر سبيل من شبابنا تعاورته المطبات، وكان له تراث أجدادنا الشناقطة ملاذا آمنا، فلما تمكن عاث فسادا واحتال وسرق وفر هاربا إلى أهله.. وكم من نسائنا حرائرنا وذخائرنا اتخذن من الملحفة الشنقيطية رمز الشرف والعفة والأخلاق والقيم الأصيلة "شركة" للاحتيال والعهر والعربدة والجريمة المنظمة.
إن هذا الواقع المذل والمزري هو الذي لفت انتباه رائد موريتانيا الجديدة السيد الرئيس محمد ولد عبد العزيز، الذي كان سباقا في خطابه في عيد الفطر السالف على التمسك بالأخلاق الكريمة والقيم النبيلة حاضا الجميع على المشاركة في هذه الحملة الشعواء ضد هذا الجفاف الأخلاقي.
وكانت هذه التوجيهات النبيلة نتاج رؤية حكيمة ونظرة ثاقبة وقلب كبير محيط بما يمطر واقعنا الاجتماعي من ضياع أخلاقي وتصرفات مشينة، إذا لم توقف عند حدها فلن تقوم لهذا البلد العزيز قائمة، ولن تثمر في خطط ولا برامج للتنمية والتطور.
فهل يتصور في مجتمع لا خلاق ولا قيم له أن يحترم المال العام ويقضي على الفساد والاستبداد.
غير أن المفارقة الصارخة أن هذه التوجيهات النبيلة لفخامة رئيس الجمهورية، لم تجد لها حيزا سوى في نشرات الأخبار في وسائل الإعلام الرسمية لحظة صدورها، وبعد ذلك اختفى كل شيء، فلا هي ركزت على الموضوع ولم تمنحه العناية المطلوبة ولا القطاعات الوزارة المعنية أحاطت الموضوع بأهمية تذكر، بل اكتفوا فقط بهز الرؤوس عند سماع كلام الرئيس كما هو ديدنهم.
نحن والله في حيرة من أمرنا من سلوكنا ومن أخلاقنا..!!
فهل نحن مسلمون حقا..؟!
وهل صلاتنا تنهانا عن الفحشاء والمنكر والغش والتزوير والتزييف والخيانة والكذب..؟!
وهل الكفار الفجار يفعلون ما نفعل من ممارسات فاجرة..؟!
إننا - والحق يقال - نعيش أزمة أخلاقية خطيرة ناتجة عن فقر أخلاق وأخلاق فقر، وهي عائق أمام هذا المجتمع في وجه أي تقدم أو تطور، وهو ما يجعل لزاما على الجميع دق ناقوس الخطر لأن حياتنا وأمننا وسلامنا في خطر، فما أصدق الشاعر الحكيم الذي قال:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم * فأقم عليهم مأتما وعويلا

نقلا عن الأخبار